بقلم د فراس جبلون

دأب المنتسبون للإسلام السياسي منذ عقود على رفع شعار “الاسلام هو الحل” لكل مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها. المناهضون لهذا الطرح يدحضونه مباشرة بمثال الصومال والسودان وأفغانستان وحتى السعودية التي رغم ثرائها ظلت تحسب من الدول المتخلفة في جميع الميادين.

في الحقيقة أعتقد أن هناك مغالطة كبيرة في الرأيين وجب توضيحها.

فالإسلام كدين جاء رحمة للعالمين وليصلح ما فسد في الأرض وليرفع من شأن المسلمين في دنياهم قبل آخرتهم. ونحن كمسلمين نؤمن أن القيم السمحاء التي جاء بها الإسلام والتي تعلمنا أن نفتخر بها منذ ولدنا لا يمكن إلا أن ترتقي بأي مجتمع حضاريا وتجعل نوعية الحياة فيه أفضل على كل المستويات.

من هذا المنطلق يبدو لي من التجني لوم الإسلام على فشل تلك البلدان لأن الإسلام بريئ منه. فأين الخلل إذن؟

الخلل في رأيي هو في القراءة والفهم الخاص للإسلام الذي يختاره مجتمع ما أو يفرض عليه فرضا فيتأثر ذلك البلد سلبا أو إيجابا وفق خطإ أو صواب تلك القراءة. فلا يخفى على أحد تعدد المذاهب والملل في الإسلام من شيعة وسنة ومالكية وحنفية ووهابية وأباضية وسلفية وغيرها كثير كثير يختلفون في القراءات والرؤى والفلسفات لكن يشتركون جميعا في محاولتهم الادعاء أنهم يقدمون الوسيلة المثلى والفهم الصحيح لتطبيق الإسلام على واقع الحياة وهنا تكمن المغالطة.

فإذا كان الدين في أصله رباني فإن وسيلة تطبيقه على الأمور الدنياوية هي بشرية بالأساس تتغير حسب اجتهاد المجتهدين وفهمهم للإسلام الذي طوروه عن من سبقهم وفق فكرهم الخاص والزمان والمكان الذي عاشوا فيه. ولعل ذلك هو أحد أهم نقاط قوة الإسلام وعظمته التي جعلت منه دينا صالحا لكل زمان ومكان بما أنه يسمح بل يشجع على الإجتهاد (ويعطي أجرا حتى لمن لم يصب) حتى يبقى فعلا على الدوام قوة دفع للأمام وليس إلى الوراء.

وعلى هذا الأساس فإن من يدعو مثلا أن يقع التنصيص في الدستور على أن تكون الشريعة الإسلامية مصدر تشريع أساسي، فيه مغالطة لأنه لا يحدد عن أي شريعة يتحدث أي وفق أي قراءة للإسلام سيقع هذا التشريع. فالمشكل هنا ليس في الإسلام طبعا لأني أعتقد أن غالبية التونسيين يحبذون أن تكون قوانينونا متناسقة مع ديننا، لكن الخطورة، حتى بالنسبة لمن يدعو لتطبيق الشريعة، هو أن يجد نفسه يرزح تحت شريعة أخرى غير تلك التي كان يريدها.

الحل في رأيي إذن هو في الديمقراطية بمعنى أن لا يقع التنصيص على أي مصدر للتشريع في الدستور، لكن بضمان حرية التفكير وحرية المعتقد وحرية التنظيم سيتمكن كل حزب من أن تكون له المرجعية الفكرية التي يريدها دينية كانت أو غير ذلك وسيتمكن من الترويج لأفكاره وبرامجه بكل حرية ليكسب ثقة الناس لينتخبوه في انتخابات نزيهة وشفافة تجعل القوانين والتشريعات التي تمثل الشعب، مهما كانت، هي فقط التي تطبق. وإن لم يسيطر أي حزب بحيث يفرض تصوره الخاص تكون تلك التشريعات خليطا توافقيا يعكس تنوع البلاد وثراء ميولاتها وأنا على يقين أن تكوين شعبنا سيفرز قوانين نابعة من دينه وفي نفس الوقت تعكس ثراء التجربة الثقافية والحضارية للتونسيين على مدى قرون وأيضا منسجمة مع عصرنا والتطور الحاصل فيه.

بهذا فقط سنضمن حدا أدنى من الديناميكية التي تمكننا من التطور والرقي على سلم المعرفة والعلوم ليتقدم وطننا وينتعش اقتصادنا ويزول بؤسنا أما حشرنا في زاوية تنظر إلى العالم وفق قراءة معينة ابتكرها فكر بشري منذ مئات السنين لا يمكن إلا أن تدفعنا إلى التحجر ثم التقهقر إلى غياهب الجهل والتخلف وربما إلى صراع يدمرنا وهو ليس ما قامت من أجله ثورتنا ولا يجب أن يكون.