بقلم المنجي أحمد،

برز اثر الثورة التونسية تياران اسلاميان يحاولان استقطاب الحالة الاسلامية يتمثلان في حركة النهضة والسلفية التونسية ممثلة في بعض القيادات الدينية المشرقية والخليجية التكوين، ولئن لم تنشغل حركة النهضة بالتسابق مع السلفييين لأنها تعتبرهم في المرحلة الجنينية من تكوينهم الايديولوجي ولا يمثلون أي عنصر مؤثر في دائرة الصراع السياسي القائم والتي تفرضه المرحلة القادمة، فقد سعت الى التواصل والتعايش معهم كما فعلت مع جميع الأحزاب التونسية من منطلق حرصها على ابقاء المرجعية الاسلامية متجانسة مع مختلف الأنسجة الاجتماعية للشعب التونسي حفاظا على الوحدة الدينية وتجنب الانقسامات المذهبية التي نأت تونس عنها باستمرار.

هذا التصنيف النهضوي للسلفية التونسية يعتمد على اهتمام السلفيين على غرار مراجعهم المشرقيين من الوهابيين بالعبادات واقبالهم على الشعائر الدينية و تركيزهم على المظاهر من تمسكهم بالسمت الاسلامي في هيئاتهم ومفرداتهم وسلوكهم، الأمر الذي جعل السلفيون يعتقدون أنهم أنقى فهما للاسلام وأكثر التزاما به من غيرهم، في حين لا يعدو مسلكهم تمسكا بجانب العبادات ويختزلون الشريعة في اقامة الحدود، في حين يتسع الاسلام الى شتى الميادين الأخرى من معاملات و سياسة شرعية وادارة و تنظيم لمختلف قطاعات المجتمع و الدولة و مؤسساتها.

الا أن السلفيين يصرون على اعتبار أنفسهم أولى بتمثيل الاسلام والأجدر بذلك ومن منطلق هذه القناعة يسعون الى سحب تمثيله من حركة النهضة التي يعتبرونها في نظرهم السطحي والعقيم أقرب الى حركة علمانية أو يسارية أو منحرفة عن الاسلام الصحيح، ولكن يقف أمام تحقيق هذا الهدف المنشود تحديات ينبغي عليهم أخذها بعين الاعتبار لعل من أهمها وجودهم في تونس على شكل فسيفساء لا تجمعهم قيادات بارزة تتمكن من توحيد كياناتهم و تأطيرها في كيان جامع يتيح لهم لعب دور أكبر على الساحة الدينية والسياسية لاحقا.

تندرج اذا زيارة وجدي غنيم في هذا الاطار الايديولوجي والتعبوي للسلفية التونسية في محالولة للصعود الى الساحة الاجتماعية والسياسية للاضطلاع بدور أبرز وقد كان اختيار وجدي غنيم مناسبا باعتباره رأس من رؤوس السلفية ويتمتع بشخصية جذابة (فكاهية) تتماشى مع مزاج الشعب التونسي ومن ثم يتمثل الهدف من دعوته من قبل جمعيات سلفية تونسية في محاولة جمع شمل فسيفساء السلفيين التونسيين تحت راية موحدة ثم السعي الى سحب بساط تمثيل الاسلام بتونس من حركة النهضة واستقطاب قواعدها كي تتمكن من لعب دور أكبر على الساحة الدينية و السياسية.

وفي هذا السياق فان التنديد بالعلمانيين و التشابك معهم كان عرضيا و لم يكن هدفا في حد ذاته وانما حلقة من حلقات استكمال الخطة المسبوكة لتبرز السلفية بصفتها حامية للدين ولينتقل الهدف الى سحب بساط الدين من النهضة وتحقيق أكبر قدر من الانتشار وابراز وجودهم كفصيل فاعل وذو حضور قوي على الساحة الاسلامية شجعهم على ذلك توهمهم ضعف حركة النهضة التي سعت الى بناء جسور معهم من خلال التقاء الغنوشي بأحد رموزهم بشير بن حسن.

كما تندرج هذه الزيارة في المقام الثاني في محاولة تدعيم الفكر السلفي الوهابي بين قطاعات واسعة من الشعب التونسي المتعطش للاسلام خاصة وأن المنظمين الذين يقفون خلف هذه الزيارة من الأشخاص الذين يحملون الفكر السلفي الوهابي و يرتبطون بهذا التيار الديني ويعتبرونه النموذج الاسلامي الصحيح غير مدركين أن الخصائص الذاتية لنشأة الوهابية في وسط صحراوي منعزل عن العالم الخارجي لقرون طويلة و عن كل مقومات الحياة المعرفية والعلمية والمدنية والحضارية لا يمكنها أن تسهم بابراز فكر ناضج يرتقي برسالة الإسلام الى العالمية وانما صبغ المنهج الاسلامي بالضحالة المعرفية والانغلاق البيئي الانعزالي و السطحية بسبب انعدام البيئة التعليمية والحرفية نتيجة تأثيرالمحيط الجغرافي التصحري بحيث لا يمكن لهذا التيار المزعوم الا أن يلتحم بخصائصه الذاتية من عزلة معرفية وتواصلية.

وبالرغم من هذه الضحالة المعرفية العلمية يسعى السلفيون الى الانتقال الى مرحلة التسابق مع النهضة و يحلمون بقيادة البلاد على غرار ما حققه السلفيون في مصر متناسين أن النهضة في تونس ليست باخوان مصر وأن النهضة قد قطعت أشواطا في بلورة فكر و وعي بالمرحلة طورته خلال عقود من النضال يختلف عن الأدوار التي حصرت فيها الحركات الاسلامية العربية نفسها بحيث أصبحت تدرك سياسة تغيير المجتمعات و تمتلك من الأدوات المنهجية والعملية ما يكفل لها خوض غمار التحولات والانجازات على المستويين المحلي والدولي.

وتبقى حركة النهضة التي ولدت من رحم هذا المجتمع التونسي المتنور و اكتسبت الكثير من خصائصه، تراهن على الحس التونسي و وعيه في عدم الإنزلاق في متاهات التيار السلفي الكهنوتي الذي سيصطدم فكره المنغلق والسطحي مع أبجديات الفكر التونسي المتميز باعمال العقل وببعد النظر و بتمسكه بالوضوح والتعمق في أدواته المعرفية التي تبني و تتبنى منظوماته الحياتية.

المنجي أحمد، طالب ماجستير في علم الاجتماع