بقلم المنجي أحمد،

قامت حركة الاتجاه الاسلامي بتونس التي أصبحت فيما بعد حركة النهضة نتيجة التقاء راشد الغنوشي العائد من فرنسا بعبد الفتاح مورو بتونس ضمن نشاط تبليغي جمعهما في جمعية قرآنية كان يتعاهدها عبد الفتاح مورو بنشاطه منذ بلوغه السن السابعة عشر حيث عرفته المساجد التونسية داعية فصيحا وهو بذلك قد سبق الغنوشي في مسالك الدعوة الاسلامية.

التحق بالرجلين فيما بعد كل من الدكتور احميدة النيفر والدكتور صالح كركر ليمثلوا النواة الأولى لقيام حركة الاتجاه الاسلامي وبذلك فهم يمثلون المؤسسون الفعليون لنشاط الصحوىة الاسلامية، وبينما كان الغنوشي من الجنوب التونسي، تعود أصول أحميدة النيفر الى مدينة صفاقس و صالح كركر الى منطقة الساحل التونسي و عبد الفتاح الى العاصمة تونس، وبهذا كانت هذه النواة خير تعبير عن مختلف المناطق التونسية في تجاذباتها و خصوصياتها مما كان يشكل عامل وحدة و تنوع للحركة.

ولكن مع بروز الحركة وامتدادها و بداية تشكل جذورها الحركية و المعرفية حصل أول اصطدام حيث فصلت الحركة أحد أجنحتها الذي ألصقت له تهمة اليسار الاسلامي على رأسهم الدكتور أحميدة النيفر لمحاولته نقد ومراجعة فكر الاخوان انطلاقا من الخصوصيات التونسية وهي في مجملها نفس التهمة التي يوجهها اليوم السلفيون بتونس الى حركة النهضة بوصمها بالعلمانية على غرار تهمة اليسارية، ولكن الحركة السلفية آنذاك والذي يمثلها الغنوشي من خلال جذوره الجنوبية المنغلقة لم تتوان في استئصال أحد باكوراتها وفصائلها لمجرد رغبة هذه الأخيرة اعادة التفكير في أدواتها المعرفية والحركية مع نمو واتساع نشاطاتها و طروحاتها في الحقل التونسي.

لم يتوان جناح الغنوشي الجنوبي الاتجاه والتموقع، من ازاحة أبرز عنصر حركي في الحركة وهو صالح كركر وهو العنصر المؤسس الثالث لحركة الاتجاه الاسلامي الذي تم فصله نهائيا اثر حصول بعض الخلافات الحركية سنة 2004 ليسدل الستار على حلقة جديدة من الفصل والاقصاء لأحد أكبر القيادات الحركية التي تتمتع بالشرعية التاريخية والنضالية وليتسع المجال أكثر لسيطرة الغنوشي على مقدرات الحركة و توجيهها في الاتجاه الذي يخطط له.

ويتعرض عبد الفتاح مورو منذ قيام الثورة الى التهميش والتقزيم من حركة النهضة رغم اعرابه في مناسبات عديدة عن استعداده لمواصلة نشاطه صلب الحركة التي أسسها واقحام نفسه في نشاطها وقد بذل جهودا جبارة خلال السنة الأولى من الثورة للذود عن حركة النهضة والدفاع عنها أمام قطاعات واسعة من المجتمع التونسي وساهم بشكل بارز في تلميع صورتها والتعريف بنضالها وهو ما استفادت منه حركة النهضة أيما فائدة، ولكن خاب أمله عند توزيع الكراسي الوزارية حيث وعده الغنوشي بمنحه أحد االحقائب الوزارية ثم تنكر لوعده ولم يوف به، وكان هذا الاجراء الفيصل في تأكيد عدم الرغبة في تواجده داخل الحركة والقرار بفصله عمليا.

تنتهي اليوم جميع فصول اقصاء القيادات الثلاثة المؤسسة لحركة النهضة ليبقى الغنوشي الوحيد من المؤسسين في ادارتها والمتربع على عرشها وهو ما يطرح ملاحظات هامة جدا :

– لاشك عندي أن الغنوشي ساهم بشكل مباشر و مخطط في اقصاء هذه القيادات الثلاثة المؤسسة لما تمثله من شرعية تاريخية يخشى منها التأثير في تفرده بالقرارات المصيرية لحركة النهضة.

-أن هذا الاقصاء يذكرنا باقصاء بورقيبة لرفقاء الدرب الذين ناضلوا معه ولم يشذ الغنوشي عن هذه القاعدة الذهبية للقيادات الدكتاتورية في التاريخ وقد يبرر الغنوشي ذلك برغبته في الحفاظ على الخط الاخواني السلفي التابع للحركة الاخوانية الدولية التي يسعى الغنوشي أن يلعب فيها دورا عالميا من خلال استخلاف القرضاوي في منصبه كرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

– أن هذا لا يبرر له البتة السيطرة على مقاليد حركة النهضة و لا يبرر له مطلقا فصل واقصاء قياداتها المؤسسين الذين من المفروض أن يتمتعوا بالحصانة و الشرعية التاريخية، فلا يتم استبعادهم تحت أي مبررات أو ذرائع لا تمس جوهر الاسلام و مضمونه في سلوكهم و مواقفهم والتزامهم بالقواعد العامة للحركة.

– على الغنوشي تغيير سياسيته الاقصائية واعادة قيادات النهضة الى شرعيتهم النضالية واعادة اعتبارهم حتى تتمكن حركة النهضة من الحفاظ على وسطيتها و فعاليتها وتلاقح أفكار أجنحتها مما يعصمها من الانحراف ويقيها شرور الانقسامات والتآكلات في المستقبل وهي تستشرف عهدا جديدا و مستقبلا محفوفا بالمخاطر، أما المناداة بالانفتاح على الآخر المختلف ايديولوجيا والاقصاء في التعامل مع رفقاء الدرب، فهذا أقرب الى سياسة ازدواجية الخطاب و المعايير.