انخراط حماس في تيّار الانتصار للشعب السوريّ و إرادته التي لم تتراجع منذ سنة للإطاحة بنظام الأسد أصبحت أمرا معلنا قولا بعد أن كانت بكلّ تأكيد تعاطفا شعوريّا تبرّره على الأقلّ نضالات الفلسطينيّين أنفسهم في وجه الطغيان الإسرائيلي.
جاء الإعلان في خطبة جمعيّة حاشدة ألقاها إسماعيل هنيّة في الجامع الأزهر في شكل تحيّة تقدير و تأييد :”أحيّي كلّ شعوب الربيع العربي وأحيّي شعب سوريا البطل الذي يسعى نحو الحرّيّة والديمقراطيّة والإصلاح”.

و لأنّ المصلّين هتفوا ردّا على التحيّة بالقول: “لا إيران ولا حزب الله..ثورة سوريّة عربيّة ” طرحنا سؤالنا الذي يقرّ بأنّ نظام الأسد مازال يتمتّع بتأييد قويّ من حزب الله. و لكنّه قد يكون موقفا قابلا للمراجعة في ظلّ التطوّرات التي تعرفها الأزمة السوريّة و تأثيراتها المتوقّعة على مجريات الأحداث. مراجعة قد تُخرج حزب الله من دائرة أصدقاء النظام البعثيّ الدمويّ إلى دائرة أصدقاء الشعب السوريّ الثائر، غير أنّ هذه النقلة ليست بالأمر الهيّن على حزب الله، و هو المستعدّ للتضحية بحبّ الشارع العربيّ له مقابل الصمود على نفس الموقف المساند للنظام السوريّ و تبنّي ذات القراءة التي تعتبر ما يقع في بلاد الشام مؤامرة ضدّ رموز المقاومة و الممانعة.

و لأنّ حماس التي تضامنت مع الشعب السوريّ، من أعتى رموز المقاومة و الممانعة، يجوز القول إنّ أحد الطرفين لا بدّ أن يكون على خطأ، و الأقرب للواقع أنّ حزب الله هو المخطئ و خطأه نابع من خيار واعٍ، كما أنّ موقف حماس يدلّ على وعي مخالف دعاه إلى اختيار الصديق الحقيقيّ من بين أحد الطرفين، نظام بشّار الذي آواهم في الماضي أم شعب سوريّة الذي يبحث عن المجير و النصير في الحاضر.
في خطابه الأخير، برّر السيّد حسن نصر الله مساندة النظام السوريّ “بخطورة المشروع الأميركي الإسرائيلي الذي يعمل حالياً على إشاعة الفوضى في المنطقة و هي تمرّ بظروف حسّاسة”. و في هذا الموقف قسط كبير من المنطق إذ لن يكون سقوط نظام الأسد بدون ثمن قد تدفعه المنطقة بأسرها، و لكنّ الثمن الباهظ سيقع حينها على كاهل حزب الله الذي طالما استفاد من التوازنات الإقليميّة الحاليّة فضمنت له دعما ماديّا و معنويّا عبر النظام السوريّ، و بسقوطه سيسقط ذلك الدعم الأمر الذي يسعد إسرائيل و تروّج له عبر جريدة يديعوت أحرنوت حيث نقرأ: ” حينما تتهاوى إيران ويسقط الأسد يخسر حزب الله أيضا سُمُوّه. فقد انتهت أيّام نشوة القوّة… وأصبح حزب الله منظّمة مكروهة في العالم العربي”.

في هذا الكلام اعتراف بأنّ حزب الله كان و ربّما مازال محبوبا في العالم العربي بفضل عدائه المبدئيّ لإسرائيل و ثباته بل و انتصاره عليها في حرب تمّوز 2006. وفيه أيضا تعبير عن توقّع صائب بأن يتسبّب سقوط نظام الأسد في انهيار حزب الله نتيجة موقفه الذي أنكر الثورة السوريّة و اعتبرها مؤامرة خارجيّة.
بتلك الرؤية، كان المؤتمرون في “مؤتمر أصدقاء سوريّة” الذي انعقد بتونس متآمرين، و بنفس ذلك الجناس اللفظيّ البلاغيّ نُظر إلى عبارة الأصدقاء طباقا مع نقيضها، فكما كان متوقّعا رفضت دمشق أعمال المؤتمر و اعتبرت كلّ الذين شاركوا فيه أعداء لها، و هي محقّة في ذلك لأنّ أصدقاء سوريّة نوعان على الأقلّ: صديق للنظام تتزعّمه روسيا و الصين و إيران و حزب الله، و صديق للشعب انخرطت فيه أكثر من ستّين دولة و طالبت بتأمين مسارات آمنة لدخول الإمدادات الإنسانيّة إلى المناطق المنكوبة، و عبّرت عن تمسّكها بمبادرة عربيّة ترى في تنحّي الرئيس بشّار حقنا لدماء شعب يرغب في التحرّر من حكم أبديّ لعائلة أجرمت في حقّ نفسها و في حقّ شعبها.
و لأنّ أصدقاء الأسد من القوى التي تحمي نظامه سيتناقصون يوما بعد يوم، و لأنّ روسيا نفسها _ و حين تقتضي مصالحها _ ستتخلّى عن دمشق كما تخلّت عن بغداد و خذلت صدّام حسين، نأمل أن ينخرط حزب الله عاجلا و قبل فوات الأوان ضمن حلقة الأصدقاء الذين يرغبون في نصرة الشعب السوريّ، و لن يكلّفه ذلك نفس الحجم من الخسائر التي قد تنجرّ عن مساندة مستمرّة لنظام الأسد حتّى سقوطه. على العكس من ذلك، حين ينضمّ حزب الله إلى أصدقاء الشعب السوريّ المضطهد سيظلّ محبوبا لدى كلّ الشعوب العربيّة، و سيقطع الطريق على أحلام إسرائيل التي تتمنّى زواله مع سقوط بشّار. و لعلّه بذلك الموقف سيساعد الرئيس السوريّ بشكل أفضل حين يمنعه من مواصلة السير في طريق القتل و التصفية.

و لجبران خليل جبران اللبنانيّ مقولة حكيمة في معنى الصداقة تؤيّد ما ذهبنا إليه حيث يقول:” إذا أوضح لك صديقك فكره فلا تخش أن تصرّح بما في فكرك من النفي, أو أن تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب.”
تلك هي نصيحة جبران التي نتمنّى أن يعمل بها السيد حسن نصر الله مع الأسد، ليكون حزب الله بذلك الموقف صديقا حقيقيّا لسوريّة قيادة و شعبا.