للمبحر في النتّ هذه الأيّام أن يلاحظ هجمة عويشاء من طرف صفحات تحسب على التّيار الإسلامي، بالمعنى الأوسع للكلمة، على “دعاة وقف تجريم الزّطلة”. و الأرجح أنّ هذه الموجة تأتي كردّ على تصريحات لسليم عمامو يطالب فيها بوقف تطبيق القانون الجزائي المتعلّق بالزّطلة. و تمحورت الحجج المناهضة للدّعوة حول إعتبارات أخلاقيّة و دينيّة مرتبطة بحكم المخدّرات بالإسلام،و هو ما لا نناقشه هنا من ناحية فقهيّة. ولا يفوتنّني أن أذكّربالبون الشّاسع بين الأخلاق الخاضعة للحركة الثّقافيّة و الفكريّة الطبيعيّة للمجتمع و القانون الذّي لا يتعدّى المسائل التّنظيميّة . لكني لست بصدد الدّفاع عن الزّطالة و لن أناقش مضار المخدّات و غيرها. كلّ ذلك في الحقيقة مجانب للبّ المسألة و لا يتعدّى التّهريج الدّعائي و الحزبي.

بل سأتعدّى ذلك و أوافق كلّ المعارضين لتقنين الزّطلة على المضار و التّحريم. لكنّ السّؤال الذي يطرح حينها هو التّالي: كيف لنا أن نجبر الضّرر الحاصل و أن نزيد في الفوائد المحتملة؟

إنّ تجريم الزّطلة يعني فعليّا سجن المتعاطين. و في ذلك آثار مدمّرة على مستقبلهم من ناحية صعوبة الحصول على العمل بعد إنهاء العقوبة. كما أنّ الفترة في السّجن تعرّض المتعاطي إلى تأثير مساجين أكثر خطورة. و في حالة كون المسجون ربّ عائلة فإن ضياع المستقبل يترافق مع تفكيك العائلة و إثقال كاهلها معنويّا و ماديّا. إذن لا يخفى علينا أنّ كلّ نتائج السّجن تترافق مع إحتمال أكبر لتفاقم المشكل بالنّسبة للمتعاطي و دفعه إلى الإجرام.

كما أنّ هذه الآثار تتعدّاه إلى ضرر أكبر للمجتمع نتيجة للجريمة المنظّمة (لارتفاع سعرالزّطلة و عدم قدرة الأسواق العاديّة على إحتوائها ممّا يستدعي أطرافا خارجة عن القانون لملئ الفراغ) و التفكّك العائلي و الفاتورة الإقتصاديّة لمصاريف السّجون و المحاكم و العمليّات الأمنيّة المرتبطة بتطبيق قوانين المخدّرات عموما. وفي النّهاية لا تتمكّن هذه المقاربة من القضاء على تعاطي المخدّرات رغم كلفتها العالية.

إنّ مضار الزّطلة ،وقد أقررنا بها، لا تقارن بأيّ حال من الأحوال بمضار تجريمها.

أمّا جعل الزّطلة مباحة فسيوفّر دخلا للدّولة من خلال الجباية. كما توفّر مواطن شغل عديدة من المنتجين و الموزّعين. والمهمّ كذلك أنّ التقنين يحمي المجتمع و المتعاطي على حدّ سواء من خلال التّنظيم و إرساء معايير السّلامة.

أمّا الجانب الأخلاقي، فهو مبدئيّا مسؤوليّة المجتمع المدنيّ: كلّ من يريد مقاومة الزّطلة فل يمارس دعايته بحريّة، حتّى تتقارع الفكرة بالفكرة و يكون النّاتج من تقرير الحركة الطّبيعيّة للمعايير المجتمعيّة.

و إن أردنا التعسّف وسمحنا بإقحام الدّولة فل يكن حسبكم أن تستخدم مداخيل جباية الزّطلة في تطوير المناهج الدّراسيّة حتّى يكون لكلّ شابّ قدر كاف من الملكات و المنطقيّة ليقرّر بنفسه.

إنّ المقاربة الأمنيّة و مقاربة الحجب لا تعدوا كونها وسيلة للهروب من الإستحقاقات الحقيقيّة و الجبن من المنافسة و تخيير الحلول السّهلة على التّغيير العميق و الطّويل المدى. و إنّ خطر هذه المقاربة يتجلّى في تبنّيها حيال كلّ أمر “مزعج” كقضيّة حجب المواقع الإباحيّة التي ناقشتها في مقال سابق جدار النار و المواقع الإباحية و الهوية على موقع نواة حيث أنّ إثارة قضيّة “دعاة الزّطلة” ما هي إلّا فصل من فصول الدّمغجة المستفحلة في تونس بعد الثّوة.

أدعو إلى نقاش واع حول الحجج الموضوعيّة التي تدعم الحقّ في الزّطلة. كما أدعو إلى قانون كامل و شامل للزّطلة إنتاجا واستهلاكا. و كما قال أبو نواس:

دَعْ عَنْكَ لَوْمي فإنّ اللّوْمَ إغْرَاءُ ودَاوني بالّتي كانَتْ هيَ الدّاءُ

محمّد فراس العرفاوي