وجب على الثّورة في تونس حتّى تواصل عن جدارة حمل مشعل الإصلاح و محاربة المضالم المسلّطة على الشّعوب أن تكون ثوريّة حتّى في إختيار ما تثور عليه، إن صحّ القول.

إنّ تونس قطعت لا محالة أشواطا في درب محاربة الأنماط “التّقليديّة” من الجشع و الإستغلال و القمع مشّخصة في شخص المخلوع و الحرمان المتواصل منذ 1956 من الحقوق السّياسيّة والمدنيّة. لكّن الثّورة لا يمكن أن تضع أوزارها إلّا بعد ولادة “الإنسان الثّوريّ”. أي بعد خلقها لنمط جديد للحياة اليّوميّة ووعي مختلف بالهويّة الفرديّة. و إنّني في هذا المقال لا أريد مناقشة خصال و مناقب هكذا فرد قاطبة بل سأحاول مناقشة وعيه الإيكولوجيّ فقط.

نعم وعيه الإيكولوجيّ. لقد ضلّت مفاهيم الإستمرارية الإنتاجيّة و الحماية البيئيّة و تقليص التلوّث لزمن أطول من المتحمّل مفاهيم غربيّة و غريبة في آن واحد. منعنا من الخوض فيها لأنّ من لا خبز و كرامة و حريّة له لا يجد “الوقت” (أو فلنقل بالعاميّة التونسية “وسع البال”) لإيجاد حلول بيئيّة. و يترجم هذا اللّاوعي بحجم المسألة حتّى على المستوى اللّغويّ فنجد المصطلحات الكبرى لعلم الإيكولوجيا غائبة تماما عن ساحات النّقاش العّام و لا تكاد تراوح مكانها في كتب “بن علي” المدرسيّة لعلم الأحياء (هذا إن وجد التّلميذ دافعا لفتح الكتاب بعد أن آلمه ظهرهه من الجلوس على “الطّابورية” في قاعة الأحياء). في حين أجدها (حسب تجربتي الخاصّة) في صلب الوعي الجماعي الغربي. فالصّغير و الكبير يضع زجاجاته في مكانها و الورق في مكانه حين يتخلّص من القمامة (الأغلبيّة على الأقلّ). فإن قول قائل أنّ مربط الفرس هنا هو عدم وجود الحاويات المتخصّصة في تونس أصلا، أجبتك بأن لو تذهب بنفسك لرأيت أنّ بعظهم لا يظع الكيس المختلط في مكانه أصلا بل يرميه بجانب الحاوية وكأنّ الإقتراب من الحاوية من الكبائر عندنا.
أمّا الآن وقد وضعت إنتخابات المجلس الوطني التّأسيسي 23 أكتوبر 2011 أوزارها و شُهد لها بالشّفافيّة و الجدارة بتمثيل الشّعب، حان الوقت لطرح الإشكال الإيكولوجي و البيئي بجدّية على الطّاولة.

إنيّ لا أقترح تدابير نصف بيئيّة. بل أقترح سياسة بيئيّة جديرة بلقب الثّوريّة. إنّ فشل النّموذج الغربي للإنتاج بعد الثّورة الصّناعيّة بارز للعيان: إستغلال فاحش للعناصر بمافيها الإنسان و تدمير للمحيط سواء خلال الإنتاج أو الإستهلاك أو التصرّف بالنّفايات. فكّر في سيّارتك، حتّى تعمل فإنّ شركات النّفط في دلتا النّيجر تعمل ليل نهار لإستخراج النّفط بأقلّ التكاليف. مستخدمة في ذلك طرقا عديدة أقلّ ما يقال عنها أنّها “غير شرعيّة” من رشوة و تدمير لموارد المياه و تهجير للسّكان الأصليّين. فكرّ في كلّ الملوثّات التي تلفظها المصانع ، في الأدوية وفي الهرمونات الفلاحيّة…..

إنّ إستيراد تونس لنموذج النموّ الصّناعيّ الأوروبيّ(أو بالأحرى الآن الصينيّ) يعنى لا مبالاة مطلقة بمستقبل هذه الأرض و مستقبل الأجيال القادمة. و هذا ما لا يمكن تحملّه خصوصا بعد الثّورة.

إذا يجب على تونس إقرار قانون إيكولوجيّ ثوريّ، يكون الأوّل من نوعه في العالم، يضع قيودا على الأثر البيلوجيّ للإنتاج. قانونا يكون تدريجيّا و لكن صارما. فنضع مثلا العام 2021 كآخر أجل لأيّ نشاط إقتصاديّ ضارّ بالمحيط، مقلّلين نسبة الضّرر المسموح بها تدريجيّا للوصول إلى ذلك الهدف. و للمشكّكين في قدرة الإقتصاد على القيام بهذه النّقلة النوعيّة أعطي مثالا: السّيارات (و النقل عموما).

إنّ تكنلوجيا السّيارات البيئيّة موجودة أصلا، متمثّلة في السيّارات الكهربائيّة. و تونس لها أن تصبح النّموذج الأمثل للنقل النّظيف حيث أنّ الصّحراء خزّان لا ينضب للطاقة الشّمسيّة الكفيلة بتوليد الكهرباء النّظيفة. أمّا البنية التحتيّة فتتولّى بنائها الشّركات الموزّعة. فمحطّات التّموين بالكهرباء ستبنى كما بنيت محطّات الوقود الحاليّة و إنتاج السّيارات يمكن أن يكون محليّا كما تركّب العربات و بعض الحافلات الآن. إن من شأن هذه السّياسة الإقتصاديّة خلق سوق شعل جديدة لم تكن موجودة أصلا لإيجاد البنية التّحتيّة الجديدة من بناء و صيانة لمحطّات التّوليد. أمّا عن مدى السّيارة الكهربائيّة و ثمنها فهو في تحسّن مطّرد و السيارة لا تزال غير تجاريّة، فما بالك يوم تصبح لها سوق و تنافس كالسيارات ذات المحرّك التقليدي…

لو سحب هذا النّموذج من الإنتاج على كلّ القطاعات، فإن مشاكل البطالة و التأخر افقتصادي يمكن أن تمحى لترك الطّريق إلى تنمية إقتصاديّة أخلاقيّة و متجدّدة. فمبدأ “وفورات الحجم” سيتواصل طالما كبر السّوق و اشتدّت المنافسة وانخفض السّعر فاتحا بذلك أفقا جديدة للتصدير و التّكامل الإقتصادي المغاربي مثلا.

أعرف تماما أنّ الطرّيق إلى الإقتصاد الإيكولوجيّ أعقد ممّا ذكرت، لكنّ هذا المقال مجرّد شذرة عمّا يمكن فعله. أو قل ما يمكن أن نحلم به. لكنّي أريد أن أذكّر المشكّكين في قدرة أيّ نظام غير نظم الإنتاج و الإستهلاك الموجودة حاليّا في تحقيق التنّمية الإقتصديّة للحاق بركب الدّول “الغنيّة”، أنّ الهدف يجب أن يكون الرّيادة بدل اللحاق. فالثّورة الصناعيّة الأوروبيّة لم تتفوّق لاتباعها نمطا متداولا في عصرها بل لابتكارها لنمط جديد.