دمشق .. عام 2006 .. فتحت سوريا حدودها ومدارسها للنازحين اللبنانين الهاربين من الحرب مع( العدو) الإسرائيلي ،التاريخ لا يعيد نفسه ..اليوم تفتح مراكز حدودية وتغلق أخرى لعائلات سورية لاجئة ونازحة من مدنها وقراها إثر عمليات عسكرية لا يقودها العدو بل الجيش (الأسدي) عبر حملات يدعوها (بالتطهيرية) ،ففتحت المدارس كملاجئ للنجاة من آثار المدفعية في العديد من المحافظات كحمص مثلا أما في دمشق كان للنزوح عناوين أخرى ، المدارس تستقبل العائلات (السورية )المتوافدة من مدن بعيدة أو حتى من الريف الدمشقي الذي لايبعد سوى 20 دقيقة في الحافلة إلى وسط العاصمة .

أسرٌ هالعة تبحث عن سقف يأويها ولقمة تكفيها ،يقول البعض أنهم هاربون من إطلاق النار والقصف (الإرهابي ) في الوقت الذي تعي فيه العديد من العائلات أن ساحة الحرية التي كانت تنبض بصراخهم في مدنهم وقراهم قد نسفت ولمّت مع غبارها كل ما تملكه العائلة وفي بعض الأحيان أفراد من العائلة نفسها الذين أخفتهم الأنقاض أو تاهوا في طريق الفرار، كمريم (15 عاما)، ضاعت عنها عائلتها ولم يعرف مصيرها حتى الآن ، كشف لي أحد المتطوعين القريبين من أهلها أن جثة لطفلة مغتصبة ومشوهة وبذات العمر قد وجدت ولكن والدها الذي يفضل موتها على فكر اغتصابها أنكر تماما أن تكون الجثة لابنته ،فهم يكفيهم ما عانوه من نزوحين..

الأول كان من مدينة دير الزور إلى منطقة الحجيرة في الريف الدمشقي والثاني من بيتهم المتواضع في الحجيرة إلى أحد المدارس وسط دمشق .. أهل مريم ككثير من الأهالي التي خانها الطريق وأخذ من أبنائها وربما يكون أحد الأسباب الذي جعل كثير من العائلات تفضل أن تعيش في الحدائق العامة بدل المدارس فهم لا يأتمنون شيئا بعد الآن … دمشق التي تأوي الجميع اليوم تأوي أبنائها .. عشرون مدرسة تأوي وسطيا ثلاثمئة وخمسين إلة أربعمئة سوري ومازالت مزيدا من المدارس تجهز لتستقبل من يحتمل نزوحهم من المناطق الموجودة على قائمة التطهير. ..النازحون من شتى المحافظات يعانون من قسوة الحر وقلة الحيلة ويأملون إيجاد ما يرد عنهم حرارة الصيف ويأمن ما يرد جوع أطفالهم أودواء يسكن آلامهم..

يرعى حملة احتضان الأهالي الهاربين من بطش النظام وبسخرية حمقاء (مؤسسة التنمية السورية)والتي تملكها زوجة بشار الأسد أي النظام نفسه حيث أطلقوا حملة بعنوان (أنا بدي ساعد ) والتي كان لها حملة موازية على شبكات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك ،وتقسم هذه الحملة المناطق والأحياء في دمشق (أنا بدي ساعد حي المزة ..حي برزة..مشروع دمر …) ولأن الشباب ..كل الشباب يريدون المساعدة توافد من يختلفون في المنطقة ،الدين ،الطائفة وحتى التوجه السياسي ليعملو معا على مساعدة من نزحوا عارفين أو متناسين لماذا نزحوا؟!

ولكن المدراء المرسلون من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية لتسيير المدارس يمارسون فرز النظام نفسه للمواطنين ..متطوع موالي ..متطوع معارض أو متطوع صامت ، مثلا في مدرسة (غالية فرحات) في منطقة مساكن برزة وعند افتتاحها لإستقبال النازحين سارع الشباب للتطوع خدمة للأهالي، وكان معظمهم يلتقي بعضه البعض للمرة الأولى وهم من مختلف الاتجاهات والمشارب السورية ممثلين نموذجاً عن التعددية الحقيقية، والمدرسة التي كانت تحتضن حوالي الـ 350 سوريا عمل على تنظيمها مجموعة صغيرة من الأفراد تزايد عددها مع الوقت و استطاعت بوقت قياسي تحقيق أعلى الدرجات من التناغم و العمل بروح الفريق، وفي الصباح الرابع لبداية العمل فوجئت المجموعة بقرار من مدير جمعية التنمية الخيرية و المنتدب من وزارة الشؤون الإجتماعية و العمل يقتضي بمنعهم من الدخول للمدرسة و استبدالهم بـ(طقم من اختياره) حسب قوله، و بأسلوب سلبي يخلو من أدنى درجات اللباقة طلب من هؤلاء المتطوعين الخروج من المدرسة دون تقديم أي حجة واضحة لمنعهم من العمل مما أدى الى مشاحنات كلامية بين المتطوعين من جهة و مدير الجمعية من جهة أخرى و الذي اعتبر أن الغضب الذي اعترى المتطوعين تهديدا شخصيا لسلامته و قام بالاتصال بالأمن الذي من جهته أرسل مجموعة كبيرة من العناصر المدججين بالسلاح لاقتياد شابين و فتاة من المجموعة مع تفتيش دقيق لباقي الأفراد.

تم إخلاء سبيل المتطوعين بعد حوالي ساعتين من التحقيق معهم وسؤالهم عن هوياتهم واتجاهاتهم ونواياهم والتأكد من خلفياتهم وتم اتهامهم بالتهجم على مدير الجمعية الذي بالغ في محاولة ايذائهم باتهامهم أنهم يبثون أفكارا مسمومة و اندساسية في المدرسة و القيام ببخ عبارات مسيئة للنظام على الجدران والقيام بأعمال مخلة بالآداب العامة كتناول المشروبات الكحولية داخل حرم المدرسة، حتى أنه أشار لانزعاجه من بعض الأفراد لأنهم غير صائمين. (نشير هنا أن بعض المتطوعين هم من المسيحيين وبالرغم من ذلك كانوا لا يتناولون الطعام أو حتى الماء امام العائلات احتراما لهم حتى لو لم يكونوا صائمين )وبشهادات عدة أشخاص من سكان الحي فإن السيد المدير وفريقه عملوا على الإساءة إلى سمعة الفريق وأدائه بكل الأشكال…وفي حين كان الشباب المتطوع يحاول تقديم المساعدة كان المقابل تهديد واتهامات وحتى توقيف ، اليوم يستطيع أيا كان أن يرسل أي شخص إلى غرفة التحقيق او حتى السجن فقط بمجرد إشارة الإصبع إليه والقول أنه غير موالي للنظام.

وعودة لأوضاع الأسر النازحة داخليا .. فقدَ العديد منهم إيمانهم بأي شيء فتراهم لا يثقون بأحد ويفترشون الحدائق العامة مأوى لهم رافضين أي حديث عن مدرسة أو بيت كمكان مؤقت فهم لايثقون بالوقت و نه سيكون مؤقتا وفي المدارس عافت العديد من العائلات حتى شعائرها الدينية فلا تصوم في رمضان ربما بسبب الحر أو تعبيرا عن لا أهمية أي شي لا يرجعهم إلى ديارهم وعلى رغم تعدد ضحايا النظام إلى أن الأطفال هم الأكثر تأزمنا ..

أحد المتطوعين والذي جال في العديد من المدارس مقدما يد المساعدة بات لديه العديد من الحكايا عن أطفال تأبى أن تكون في المكان الجديد وتستحي حتى أن تطلب الأكل أو الماء وربما ما يقوم به الشباب السوري بالرغم من كل ما يقاسيه يستحق الأوسمة ..أنشطة للأطفال من مسابقات رسم ومسرحيات تمنحهم مساحة أخرى للتعبير عن ما مروا به ومازالو.. وبقعة ضوء صغيرة تضيء أملا ربما يكون بالقريب .. وتبقى أسئلة الأطفال على بساطتها تدور دون أن تلقى أي إيجابة ..إلى متى ؟ إلى أين؟ولماذا ؟ ..هل سنعود لبيتنا ؟ هل سيكون ما زال موجودا؟؟ متى يرحل الأسد؟؟ماذا يريد الإرهابيون؟ هل سيقتلوننا؟؟يترنح النظام كما تقول وسائل الإعلام وتتوه في الطريق أجوبة الأطفال على أسئلة لم تعد طفولية فلا الوقت هو العطلة الصيفية ولا المكان هو حديقة للعب أو مدرسة تفتح بالعام الجديد ولا الحلم لعبة ..فتاهَ الأطفال والكبار داخل اللعبة…

تحيين:

تواصلت معي الجهات القائمة على حملة (أنا بدي ساعد) وأكدت عدم ارتباطها بمؤسسة الأمانة السورية للتنمية وأن حملة (أنا بدي ساعد) هي مبادرة إنسانية وطنية وفيما يلي تفاصيل أكثر عن المبادرة
أهداف المبادرة :
الهدف من هذه المبادرة إنساني و إغاثي فقط، وليس سياسياً ويجب الإبتعاد عن أي موضوع سياسي و التركيز فقط على المساعدات الإنسانية.

الفكرة من المبادرة تاسيس شبكة مساعدات انسانية و توعوية يتم من خلالها تقسيم مدينة دمشق حسب المناطق و الأحياء و التنسيق بين هذه المناطق للاستفادة القصوى من الجهد المبذول من المنظمات و الجمعيات و المتطوعين ، و خلق بيئة لتواصل اكبر عدد من المتطوعيين الراغبين بتقديم المساعدات الإنسانية و التوعوية و تنظيمهم في مناطقهم وذلك لتسهيل التواصل بين فريق المنطقة الواحدة و ضمان سرعة الحركة للفريق العامل وعدم الحاجة للتنقل في الظروف الصعبة .

– مبادرة “أنا بدي ساعد” هي نواة لتشكيل لمبادرة أهلية ستقوم بأعمال خيرية وتوعوية في جميع المناطق المختلفة في سوريا.

– فريق عمل المباردة يتالف من قائميين ومدراء و متطوعيين بحيث يغطي كل أطياف الشعب السوري مع كل إنتمائاته الفكرية و الدينية و توجهاته السياسية.

– مبادرة “أنا بدي ساعد” مشروع أهلي بالمطلق يقوم القائميين على المشروع بالتنسيق أحياناً مع بعض الجهات العاملة لتسهيل عمل المتطوعين على الأرض، كتراخيص فتح المدارس لإستقبال الاجئيين وأيضاً لنقل المواد و المساعدات للمحتاجين.

– المشروع لا يتبع ولا يتلقى أي مساعدات عينية أو مادية من أي منظمة حكومية ولا من أي منظمة عالمية ناشطة بهذا المجال حالياً.

– مبادرة للأشخاص المتواجدين بمدينة دمشق أو للراغبين بتقديم المساعدة من الخارج عن طريق الصفحة الخاصة بالمغتربين.

أما المبادرة المحتضنة حالياً من قبل فريق المنطقة الجنوبية في (الأمانة السورية للتنمية)،فهي مبادرة “كفو” كلنا فريق واحد و تقدم الأمانة الدعم اللوجستي للموظفين والمتطوعين، وتعمل على دعم المبادرة بمختلف الوسائل المتاحة

رانية بدري