abdelaziz-thailbi

على عكس ما يدعيه خصومها، فإن الحركة القومية التونسية ولدت من رحم الحركة الوطنية المطالبة بإستقلال تونس من إستعمار فرنسا ولم تكن يوما وليدة أجندات مسقطة كحركات الإسلام السياسي سليلة الوهابية، وجماعة الاخوان أو حركة الشيوعية وليدة البلاشفة في العشرينات. فما هي المراحل التي عرفها التيار القومي طوال تاريخه وما الأسباب التي جعلت التيار القومي يولد تونسيا وينتهي ما بين ناصري وبعثي؟

يعتبر عبد العزيز الثعالبي الأب الروحي لفكرة الوحدة العربية في تونس وكان الثعالبي من مؤسسي حركة الشباب التونسي والتي تعتبر القاطرة الفعلية للحركة الوطنية في تونس وكان الثعالبي في نفس الوقت ملتزما بواجباته تجاه الأمة العربية التي دخلت في صراع مع تركيا الفتاة. يعتبر الثعالبي من المطالبين بإعتماد نظام اللامركزية الذي يسمح للعرب بالإستقلال الإداري عن قيادات تركيا الفتاة وقد ساهمت رحلاته إلى الشرق في تجديد صلاته بالجمعيات القومية المطالبة بإستقلال العرب عن إسطنبول، خاصة في ظل الممارسات القمعية للأتراك ضد العرب. في 1920، دخل الثعالبي مع الحزب الدستوري التونسي في مرحلة جديدة من الكفاح وكانت كتابات ومكانة الثعالبي طاغية على كل بلاد زارها ولعب الرجل دورا رياديا في ترسيخ فكرة العمل العربي المشترك. حيث كانت مواقفه منطلقة من هموم ومشاغل تونس مسافرة بتونسيتها إلى تفعيل الحراك العربي فكان الثعالبي فاعلا لا مفعولا به، وكان آمرا لا مأمورا.وقد أدى حرصه على التنسيق مع سعد زغلول و الملك فيصل إبن الحسين في مؤتمر فرساي و المطالبة بالعمل العربي المشترك إلى إعتقاله من قبل السلطات الفرنسية وإعادته إلى تونس مسجونا.

عرف عن الثعالبي أنه من أبرز المناصرين لعروبة فلسطين ومقاومته للإحتلال البريطاني آنذاك ومشروع تهويد فلسطين ،حيث قام بتحضير مؤتمر القدس بتنسيق مع الحاج أمين الحسيني سنة 1930. كان الثعالبي أب الحركة الوطنية في تونس وقد رفع كزعيم للحزب الدستوري التونسي مطالبا تقضي بإرساء نظام دستوري والفصل بين السلط الثلاث مع ضمان الحريات والمساواة بالإضافة إلى إجبارية التعليم. وكانت هذه المطالب ثورية في ذلك الوقت ومختلفة تماما عن التحركات الأولى لحركة الشباب التونسي النواة الأولى للحركة الوطنية وهو ما أجبرفرنسا على ترحيل الثعالبي من تونس في 1923 حتى يخفت صوت هذا الحزب الذي أصبح مصدر إزعاج حقيقي لسلطات الإحتلال لما للثعالبي من تأثير داخلي وخارجي ومن صيت دولي.

كان لغياب الثعالبي عن تونس تأثيرا سلبيا في حركية الحزب الدستوري التونسي وهو ما حدا ببعض الشبان الفرونكوفونيين المختلفين فكريا عن مبادئ الحزب العروبي إلى التمرد والإنشقاق خاصة أن هؤلاء الأشخاص وهما بورقيبة ومحمود الماطري لم يكونا يوما من مناضلي الحزب بل كانت نيتهم تفكيك الحزب الدستوري التونسي والسيطرة على الحركة الوطنية خاصة في ظل وجود الثعالبي خارج البلاد.

وهو ما أدى إلى إنشطار الحزب الدستوري التونسي إلى جديد وقديم في1934 ،وخلق صراعات داخلية داخل الحركة الوطنية بدل التركيز على مقاومة الإحتلال. وقد تم تجاهل الثعالبي إثر عودته في 1937 بإعتباره الرجل الذي ولى عهده وهو المؤسس الفعلي للحزب وهو الذي رحل شرقا وغربا للتعريف بالقضية التونسية والذي لولاه لما كانت هناك حركة وطنية أصلا.

عرفت الفترة التي تولى فيها صالح بن يوسف مقاليد الحزب الدستوري الجديد مصالحة حقيقية بين مكونات الحركة الوطنية وقد تزامن ذلك مع وجود بورقيبة في مصر وهو ما تجسد من خلال مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 الذي وحد كل القوى الوطنية من حزب قديم وجديد والإتحاد العام التونسي للشغل بإضافة إلى الزيتونيين وكان الإتفاق في هذا المؤتمر التاريخي على المطالبة بالإستقلال التام. وفي الوقت الذي إتفقت فيه كل القوى الوطنية على المطالبة بالإستقلال التام ،عاد بورقيبة من القاهرة في 1948 مقدما مشروع إصلاحات للحكومة الفرنسية مطالبا بسياسة المراحل لينشب الخلاف التاريخي في الحزب الجديد بين جناح بورقيبة المنخرط مع المستعمر فيمشروعه الفرونكوفوني وبين جناح بن يوسف المتبني للمشروع التونسي الأصيل الذي يستمد وجوده من ثقافته العربية الإسلامية. و هنا يظهر البون الشاسع بين التيار اليوسفي الذي كان إمتدادا حقيقيا لمسار الحركة الوطنية ووريثا شرعيا لنضالات الثعالبي وبين التيار البورقيبي الذي يشكل الخيار الأفضل للإستعمار من أجل إجهاض مشروع الحركة الوطنية.