racisme-tunisie

بقلم أماني ذويب،

يعاني التونسيون السود في تونس ميزاً عنصرياً في مختلف مجالات الحياة و يتجلى هذا في التعامل اليومي معهم بالألقاب المستعملة لوصفهم. فقد ذكرت فتاة سوداء مثلاً أن كلمة “وصيفة” تسمعها ما لا يقل عن 10 مرات في اليوم الواحد. و يبدأ هذا التمييز العنصري ضدهم من المؤسسة التربوية بعدم إدراج السود في المنظومة التعليمية أي أن البرامج الدراسية لا يوجد فيها ما يتعرض لتاريخ السود في تونس. فعلى سبل المثال لا نجد صوراً للسود في الكتب المدرسية، و إن وجدت فهي غالبا ما تحمل صيغة سلبية. أما بالنسبة للسنوات المتقدمة من التعليم فلم يتم إدراج محور دراسي يتضمن الميز العنصري. كما نجد هذا التمييز في الممارسة داخل الأطر التربوية بين صفوف التلاميذ حيث لا يتدخل الإطار التربوي لتكريس قبول الإختلاف و عدم التعامل على أساس التمييز و في بعض الحالات يصل إلى ممارستها، كتندره بإستعمال اللون مثلاً. و هذا يعود إلى عدم تكوين الإطار التربوي للتعامل الحضاري مع هذا الموضوع الحساس و الإنساني.

أما في سوق الشغل، فالسود ليسوا مقبولين بتصدر المراتب العليا. و ينعكس هذا أيضا في مجال السياسة حيث لاحظنا طيلة العقود السابقة كيف تم إقصاء السود من البرلمانات المتعاقبة على الرغم من أنهم يشكلون شريحة تمثل 15% من الشعب التونسي. و في حالة ترشح السود إلى مناصب سياسية يتم الإستهزاء بهم و يصل ذلك إلى حد التدخل لأقصاهم كما حدث سنة 2009 حين ترشح أحد السود في قائمة في الجنوب التونسي إلا أنه تم التدخل لحذفه واقصائه من تلك القائمة رغم فوات الآجل المحددة لتعديل القوائم الإنتخابية ومحاسبة الوالي الذي قبل الترشح منذ البداية .

فقد أصبح جلياً أن هذا التمييز هو في الحقيقة تمييزا ممنهجاً ومؤسساتيا تتحمل فيه الدولة المسؤلية الكبرى لصمتها عن هذه الممارسات أو حتى لممارستها هي لهذا التمييز. بل حتى في المشهدالإعلامي و في المادة التلفزيونية فإننا نادرا ما نجد السود.

و قد تحرك المجتمع المدني في تونس على هذا المستوى عبر جمعية “آدم” للمساواة والتنمية حيث أكد رئيسها السيد توفيق الشعري أن الجمعية توجهت بعديد المراسلات للمجلس الوطني التأسيسي مطالبة بمقابلة رئيس المجلس للمطالبة بالتنصيص على مقاومة الميز العنصري. إلا أن في تونس الثورة وقع رفض هذا المطلب بعدم تصويت الأغلبية عليه. و من المفارقات أن يتم ذلك يوم 21 مارس 2013 أي في ذكرى اليوم العالمي لمناهضة كل أشكال التمييز.

وما خفي كان أعظم، فهل يعلم التونسيون اليوم أن هناك شريحة من أبناء شعبهم من المواطنين التونسيين في جهة الجنوب من هذه الرقعة الخضراء التي تجمعنا جميعاً و التي تحتضن أكبر كثافة للسود لا زلت تحكمها القاعدة القديمة: قاعدة العبودية والرق ؟ فتاريخياً الذين كانوا يشتغلون الأعمال المضنية هم المواطنون السود. و ما التسميات الدونية من قبيل “شوشان (و التي تعني في تونس قديماً “عبد”) و “خدم” و “عبيد” و “عتيق” فلان (أي أنه كان عبدا لفلان وأعتقه) لا تزال متداولة تحملها الألقاب العائلية. وقد وصل المر بظاهرة التمييز العتنصري ضد إخوانا السود إلى ظواهر صادمة مثل رفض إقامة صلاة الجنازة على ميت لأنه أسود، هذه الحادثة حصلت في جامع بقرية “المدو” التي تبعد 8 كلمترات عن مدينة قابس، أو رفض المصلين الصلاة وراء إمام أسود. و هو ما يجسد النظرة الدونية للسود و دونية التواصل معهم، ليتجلى ذلك في أكثر المظاهر سفوراً بتخصيص حافلة “للعبيد” وحافلة “للأحرار” في النقل العمومي مثل منطقة “القصبة” من ولاية مدنين بالجنوب التونسي! مما جعل العلاقات الإجتماعية في الجنوب يسودها تنافر بين البيض والسود و الزيجة تكاد منعدمة بينهما وإن حدثت فإنها تتسبب في قطيعة بين العائلات.

كما أن المشرع التونسي لا يضمن حق هذه الفئة أمام القانون فجل القضايا التي رفعت بسبب إنتهاكات أو اعتداءت بألقاب عنصرية حفظت لعدم كفاية الأدلة و لم يتم إنصاف أي مواطن لغياب نص قانوني يضمن حق هؤلاء أمام القضاء. و قد قامت اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في هذا الإطار بلفت نظر الدولة التونسية إلى إشكالية غياب التنصيص على الاعتداءت العنصرية في التشريعات مطالبة بتجريم الميز العنصري.

و تعود مسألة إدراج بعض الأوصاف العنصرية في الألقاب العائلية إلى الستينات عندما قام بورقيبة بإرساء نظام الحالة المدنية في إطار سياسة حملت في طياتها الرواسب العنصرية، فبات نلتصق بالألقاب العائلية عبارات مثل “شوشان” و”عتيق ” لتبيان حالة ذلك الشخص في إطار الحالة المدنية ! كما يذكر أنه في عام 1965 توجه مواطن أسود من الكوادر الكفأة و متحصل على شهائد عليا إسمه سليم مرزوق إلى الحبيب بورقيبة و طلب بادماجه في السلك الديبلوماسي فرفض ذلك و إستهزأ به. و أمام ذلك الرد العنصري حول فرض إحترام السود لجأ السيد سليم مرزوق إلى التحرك و تجميع السود للدفاع عن مطالبهم في إطار حزب سياسي، فتم خطفه من قبل أجهزة بورقيبة وايداعه في سجن صفاقس ومن ثمة بمستشفى الرازي للأمراض العقلية أين قضى بقية حياته إلى أن توفاه الأجل سنة 2000.