impasse-ennahdha

بقلم المنجي أحمد،

للذين يجيدون فن الاستقالة وهو موقف سلبي بكل ملابساته وعنوان الحل الأسهل، أقول لهم أعطوني عملا كاملا ثم استقيلوا كما تشاءون ، وحيث انه لا وجود لعمل مثالي ، يعتبر مشروع الحراك الاسلامي مدعاة لاستقطاب جهود المناضلين شريطة أن يلتزموا بالأطر والقواعد الديمقراطية وعلى رأسها ضرورة ارساء نظام متكامل لممارسة النقـد الفعال داخل مختلف المؤسسات الحزبية والعمل على أن يصبح هذا النظام هدفا و وسيلة لقيام و ادارة أنشطة و برامج الجماعات والأحزاب، وهو بذلك يعتبر من الرهانات الكبرى و أحد أهم الأهداف الأساسية لبناء أسس متينة لأي عمل جماعي وتبقى مسؤولية القواعد والقيادات كبيرة للنضال بكل ما أوتيت من قوة من أجل تقنين المنظومة النقدية وافساح الأطر اللآزمة لذلك لتفعيل دور المؤسسات الحزبية وضمان حسن استمرارية آداءها وتطوير برامجها.

يطرح الشعيبي سؤالا مهما حول سبب الاستقالة وآنيتها خاصة وانها كما يذكر ليست تخل عن المسؤولية السياسية في الأوضاع الراهنة ولا انقلابا على تجربته التاريخية داخل الحركة ولا قطعا لاسلاك الوصل ولا نكوصا وقعودا عن الفعل السياسي وانما يعزو ذلك الى اختلاف في السياسات من حيث ضعف الحركة على تنزيل سياساتها التي اصطبغت بارتجالية غير مقبولة وتراجع عن شعارات الثورة في ظاهرة تهدد بالانتكاس عن المسار الثوري والانتقال الديمقراطي ملوحا بأن مستقبل الحركة ومن ثم العملية السياسية برمتها في خطر

كما يعزو استقالته بعد سرد الديباجات السلفية الغامضة والمبهمة التي يسوقها بمنطق قريب من منطق “جماعة أنصار الشريعة” الى عدم قدرة الحركة والترويكا تباعا على الاستجابة لمتطلبات المرحلة ، واني لأستغرب كيف يحكم قيادي في حركة عن مدى فشل أو نجاح الثورة في غضون أقل من عقد من الزمن خاصة في ظل الثورة المضادة التي تقودها القوى الاستعمارية الظلامية التي قضت على أرواح شعوبها وتحرص على القضاء المبرم واماتة انتفاضات بقية شعوب العالم وكل الأصوات الحرة فيه.

ويخلص في نهاية موقفه لتبرير استقالته الى ضرورة قيام تيار وطني يتبنى استراتيجية ثلاثية الأبعاد وهي على التوالي وحدة المشروع الوطني و تجانس هويته ، والالتزام بالبعد الاجتماعي من عدالة وتشغيل وتنمية واستكمال للمسار الثوري وتحقيق للعدالة الانتقالية وهي عناوين مبهمة غامضة حيث لا يختلف عليها اثنين.

ويبدو ان الشعيبي انتبه مؤخرا ان الهرم التنظيمي الذي يمثل هو شخصيا أحد قاداته داخل الحركة لم يعد كما اعتاده محضن رسم الخطط واتخاذ القرارات والفيصل والمرجع النهائي وأعلى سلطة في عمل الحركة.

لم يكن الشعيبي وغيره ممن يمسكون بهرم التنظيم في حركة النهضة ليستوعبوا ان دواليب ادارة البلاد و معاركة مؤسساتها وسياساتها تفرض أجندتها الفلسفية على ايديولوجيات الأحزاب والجماعات مما يضطر هذه الأخيرة الى التأقلم مع الأوضاع المستجدة بتعديل مساراتها الفكرية والمرجعية و كذلك الاجرائية من حيث انتقال هياكلها من مؤسسة الى أخرى ومن اطار الى آخر.

وبالتالي أعتقد ان جوهر أسباب التململ والنزوع الى الاستقالة في صفوف حركة النهضة يعود الى انتقال مركز قرار قيادتها من داخل الجهاز التنظيمي للحركة ليتوزع بين مختلف رجالات مؤسسات الدولة والقيادات السياسية الفاعلة فيها لما اكتسبوه من خلال قيامهم على تلك المؤسسات من خبرة وسلطة ادارية وسياسية وهو ما قد يرسم الاتجاه الذي تسير نحوه الحركة قسرا في نزوعها الى دمج الحركة في الحزب و تقليص دورالحركة في المجال الدعوي تباعا بما يعني افتكاك السلطة التنظيمية من الحركة لفائدة الحزب والعناصر التابعة له أكثر من أولئك الذين يمثلون جهاز الحركة ، وهذا هو مجال الصراع اليوم والذي سيفرز موجة من الاستقالات المتتالية نتيجة شعور القائمين على الحركة بافتكاك السلطة من بين أيديهم لفائدة العناصر الحزبية التي تتمتع سلفا بالسلطة الادارية والسياسية بحكم وجودهم على هرم سلطة مؤسسات الدولة وآلياتها ونفوذها.

ومن ناحية ثانية فان الذين سيساهمون في موجة الاستقالات القادمة سيكونون من أولئك الذين يمثلون الجناح المتصلب داخل الحركة الذين لا يزالون يحملون الجينات السلفية الموروثة عن المنهج الاخواني من ستينات القرن الماضي ولم يخضعوا لدورة تكوينية تبلور وتنزل مفاهيمهم الاسلامية على أرض الواقع كما خاضها قسرا عناصر النهضة الذين عاشوا في العالم المتقدم واستطاعوا ان يستفيدوا منه مع ملاحظة ان ذلك لا يشمل العديد منهم ممن فضلوا في غربتهم أن يستمروا في عزلتهم الفكرية والعملية رغم اقامتهم بين ظهراني العالم المتقدم و لم يتعلموا ولم يستفيدوا من فرصة اقامتهم فيه وبقوا على جهالاتهم وسلفيتهم المنحرفة.

وعلى المستوى العقائدي – وهو مجال تخصص الشعيبي – أن يدرك ان الأمور بخواتيمها بمعنى ضرورة الاصرار على النضال مع المجموعة التي يغلب خيرها شرها لأن طبيعة العمل الجماعي تتطلب رصيدا كبيرا من الاخلاص والتجرد ، ومن متابعتي لفصول المخاض السياسي يتأكد لدي بأن جل المستقلين لم ينجحوا في تنفيذ أمر طالوت لجنوده بأن لا يشربوا من النهر الا من اغترف غرفة بيده بمعنى انهم سقطوا في وحل الضعف البشري الذي لا يستطيع أن يقاوم الشهوات والملذات وعلى رأسها شهوة السلطة والمركز والمكانة الاجتماعية والنفوذ الاداري حتى لو حاولوا اخفاءها بخلافات في الرؤى وطرق العمل والسياسات مصداق قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ.

ان الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن تخوضه الجمعيات والأحزاب لتتجنب موجات الاستقالات وما تسببه من إعاقات نحو تنفيذ أهدافها هو العمل على فرض إرساء قواعد و قوانين وهياكل وأطر لممارسة النقد بسلاسة وعلى جميع المستويات التنظيمية بل وتسهيل إجراءات النقد حتى بين مختلف المستويات التنظيمية ليتمكن كل فرد من إيصال صوته وفرض رأيه بالأساليب الديمقراطية حتى يكون التنظيم أداة ووسيلة وليس هيكلا طاغوتيا أو فاتيكانيا.

ان تحقيق هذا الرهان بشكل فعلي وجذري سوف ينعكس على القواعد بمزيد من الالتزام مما يعزز المشاركة السياسية والحزبية ويدعم التماسك العضوي ويضيق الأدوار السلبية.