gouvernement-sur-mesure-jomaa-tunisie

بقلم عبد الرزاق قيراط،

بعد ثلاثة أشهر وعشرا، أنهت حكومة مهدي جمعة عِدّتها وخرجت بعُدّتها. وجاءها الصحفيّون في يوم الزينة فأُلقي عليهم قول ثقيل… تحدّث رئيس حكومتنا عن الإرهاب والصعوبات الإقتصاديّة. فأحصى إنجازات حكومته بعد مائة يوم من تسلّمها للسلطة بهبة من الأطراف التي تحاورت وتناصحت وتوافقت.

ومن تلك الندوة، خرجنا بثلاث نتائج أو صواعق مخيفة. الأولى أنّنا مقبلون على أيّام سوداء في المجال الاقتصاديّ بعد أن شدّد جمعة على صعوبة الوضع، ولوّح بضرورة تخفيف الأعباء عن الدولة وتقليص نفقات صندوق التعويض. وذلك الإجراء سيرفع الأسعار مثنى وثلاث ورباع، فيفاقم من غلائها وهي في صعود لا يتوقّف منذ انتفاضة العاطلين والفقراء .. والثانية أنّ الحرب على الإرهاب مستمرّة والحكومة عازمة على إنشاء قطب لإدارتها. ولا يخفى على التونسيّين ما يتّصل بتهم الارهاب من الخلط بين الحقّ والباطل. وقد ألقي القبض مؤخّرا على نشطاء في جمعيّات خيريّة ذات مرجعيّة إسلاميّة بتهمة تمويل الإرهاب، الأمر الذي يذكّرنا بسياسات قديمة دأب عليها المخلوع بن علي… والثالثة أنّ رئيس الحكومة المؤقّت قد يستمرّ في منصبه بعد الانتخابات المقبلة استجابة لأصوات تسانده وتغازله وتزكّي بقاءه في قصر الضيافة بقرطاج.

وقد أعلنت مؤسّسة سيغما لسبر الآراء أنّ جمعة تقدّم على قايد السبسي في نوايا التصويت في صورة ترشّحه للرئاسة.. والحال أنّه غير معنيّ بالانتخابات المقبلة ولا يحقّ له الترشّح حسب ما نصّت عليه خارطة الطريق. ولكنّ المؤسّسة التي أعلنت ذلك التفوّق دأبت على تلقين التونسيّين الأسماء التي تصلح دون غيرها لحكمهم مثل الباجي قايد السبسي الذي أُخرج من طيّات الأرشيف البورقيبيّ، ومهدي جمعة القادم من منعرجات الحوار الوطنيّ التوافقيّ التفويضيّ.

واللافت أنّ بعض الصحفيّين الذين ترعرعوا في أحضان النظام السابق، ظهروا في مقدّمة السائلين لجمعة، فطلبوا موقفه من الأصوات التي تفوّضه للبقاء في منصبه بعد الانتخابات… وقد لعب الرئيس المُؤقّت المُنصّب دوره جيّدا فأبقى للمناشدين باب الأمل مفتوحا بنفيه لأيّة اتصالات معه في ذلك الاتجاه وكأنّه يوافق ضمنيّا على ذلك التفويض إذا ألحّت عليه الأحزاب الكبيرة والصغيرة، كما فعلت وسائل الدعاية الأخرى (مؤسّسات الإعلام وسبر الآراء)، وقد بدأت حملتها فعلا وقولا فتحدّثت عن شعبيّة جمعة ورضا التونسيّين عليه واستحسانهم لعمل الوزراء في حكومته وعلى رأسهم وزيرة السياحة التي ملأت صورُها الدنيا وشغلت الناس!

لذلك نتوقّع أن تتعاظم المناشدات لهؤلاء التكنوقراط على خلفيّة النجاح المزعوم والكفاءة التي تغنينا بمنطق المناشدين عن حكومة تضمّ سياسيّين منتخبين…

ستجري الانتخابات المقبلة في آجالها دون شكّ، ولكنّ اليقين أنّ نتائجها ستكون محسومة هذه المرّة في الاتجاه الذي (قدّرناه تقديرا). وهذا ما يسمّى الإعداد الجيّد الذي سيحرم أحزابا بعينها (وهي راضية على الأرجح) من الحصول على أغلبيّة مريحة تمكّنها من “الاستحواذ” مرّة أخرى على السلطة.. إنّها الثقافة الجديدة التي خرجنا بها من تجربة الترويكا المُقالة.. فقد هوجمت في وقت مبكّر من حصولها على المناصب القياديّة للدولة واتهمت بالدكتاتوريّة وشكّك في شرعيّتها، وأجبرت على الرحيل دون انتخابات، وطلب من الحكومة الحاليّة مراجعة جميع التعيينات التي قُرّرت في عهدها بمنطق التطهير والتعقيم ومحاصرة الدخلاء والغرباء الذين لا يحقّ لهم دخول منطقة أخذ القرار لضمان “نزاهة الانتخابات” المقبلة…

الديمقراطيّة الجديدة التي يجري التأسيس لها في بلدان الربيع العربيّ تتشكّل بآليّات أخرى هي التوافق حينا والتفويض حينا آخر. وهي البديل الأوحد الذي سيصادر حقّ الشعوب في اختيار حكّامها عبر الصناديق. ولأنّ المشهد قبيح بالمعايير السليمة لمفهوم الديمقراطيّة، يُسمح لنا بتنظيم انتخابات صوريّة لتجميله، بينما تسلّم السلطة في النهاية للذين يزكّون أنفسهم وتزكّيهم القوى العظمى التي تتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة من شؤوننا.

و في هذا السياق، يصعّد السيسي في مصر، ويزكّى مهدي جمعة في تونس ليبقى في منصبه بشرعيّة التوافق والتفويض التي تنسخ ما خطّه نوّاب الشعب في الدستور الجديد وفي القوانين المنظّمة للانتقال الديمقراطيّ.

والمشهد من أقبح ما يظهر الآن في مسار الانتقال الديمقراطيّ ببلدان الربيع العربيّ ولكنّ قبحه يتفاوت من بلد إلى آخر.. وكونه مازال سلميّا في تونس لا يحجب الدماء التي تلطّخه في مصر… ورغم ضجيج المناشِدين والمناشَدين، تصمد أصوات المطالبين بأن تُحترم عقول الشعوب التي ثارت لتقرّر مصيرها بنفسها وتختار حكّامها بمطلق إرادتها. وإنّها لمعركة بين الحقّ والباطل ولا نصر إلاّ لأهل الحقّ في نهاية المطاف.