crise-cinema-tunisie

مصدر الصورة: جمعية اتاك

بقلم صفاء متاع الله،

“السينما في خطر”. جملة ما فتئت تتردّد في السنوات الأخيرة على ألسنة العاملين في قطاع السينما إذ أنّ عدد قاعات السينما في انخفاض متواصل وهو ما أثّر على عملية توزيع الأفلام التي أثّرت بدورها على عملية الإنتاج. مشاكل يعاني منها القطاع كلها مترابطة تؤدي الواحدة إلى الأخرى ويتأثّر بعضها ببعض. يبقى المواطن التونسي ضحية لغياب إرادة سياسية حقيقية للنهوض بالقطاع.

عديد وسائل الإعلام حاولت التطرّق إلى أزمة قاعات السينما من زوايا مختلفة لكننا ارتأينا العودة إلى أصل المشكل علّنا نضيء بعض النقاط التي بقيت غامضة حول الموضوع. لقاءات مختلفة جمعتنا بنشطاء في القطاع ومبدعين ومختصين لنصل إلى تشكيل الصورة التي نضعها بين أيديكم.

تخلي الحكومة عن قطاع السينما للخواص: الخطوة الأولى نحو النكبة

عام 1957 كانت هناك حوالي 95 قاعة سينما منتشرة في كامل ولايات الجمهورية منها 64 قاعة “35 مم” و31 قاعة “16 مم”. اليوم لا نجد في تونس غير 10 قاعات سينما أغلبها متمركزة في العاصمة تونس. يعتبر الأستاذ صلاح الضاوي كاتب السيناريو والمختص في قطاع السينما، حيث أشرف على إدارة قاعات سينما وحمل مسؤوليات عديدة في القطاع، أنّ هذا التدنّي في العدد هو نتيجة حتمية لعدة عوامل اجتمعت مع بعضها البعض لتشكل الواقع الذي نشهده اليوم وأنّ جذور هذه الأزمة ضاربة في القدم.

يقوم قطاع السينما أساسا، حسب الأستاذ الضاوي، على ثلاث قطاعات حيوية وهي الإنتاج والتوزيع والإستغلال، إضافة إلى صناعة السينما التي لا تملكها تونس. و قد ركّزت الدولة التونسية اهتمامها منذ الاستقلال على قطاع الإنتاج. كان ذلك خيارا حكوميا للقيام بالدعاية الحزبية، خاصة في ظل غياب التلفاز. من جهة أخرى كانت أغلب الأفلام المنتجة حينها موجهة للسائحين في إطار برنامج التنمية وإدخال العملة الصعبة إلى تونس.

عام 1970 غيّرت الدولة سياساتها وتخلّت عن قطاع السينما إذ لم تعتبره قطاعا حيويا وتركت مجال الإستثمار للخواص. إضافة إلى أنها لم تكن مهتمة بالتوزيع والاستغلال إذ كان الموزعون وأصحاب قاعات السينما يعانون من مشاكل كبيرة منها ثقل الآداءات المفروضة على العروض السينمائية التي أثرت سلبا على عدد ونوعية الأفلام التي يمكن عرضها على الشاشات العملاقة. عام 1981 كان لا بد للحكومة من التدخل ومراجعة القوانين المتعلقة بالاستغلال والتوزيع ليتسنى للقطاع تجاوز مشاكله. وفعلا، مثّلت فترة الثمانينات عصرا ذهبيا في تاريخ السينما التونسية حيث شهدت البلاد موجة من الأفلام المبدعة وكذلك تمكّن الموزّعون وأصحاب قاعات السينما من استيراد عدد هام من الأفلام الأجنبية، وكان للجمهور موعد متجدّد مع عروض سينمائية متنوعة. في تلك الفترة تمكّن القطاع من جلب العملة الصعبة إلى تونس وشهد ازدهارا اقتصاديا كبيرا إلى أن انهارت قيمة الدينار في أواخر الثمانينات ليغرق القطاع في المشاكل مجددا. ارتفعت قيمة الأفلام المستوردة وعجز الموزعون عن اقتنائها وبالتالي تقلص عدد الأفلام المعروضة بقاعات السينما.

في تلك الفترة، وجد الجمهور نفسه أمام تدنّ في مستوى خيارات الفرجة إضافة إلى تغيّر نوعية الأفلام مع اختفاء الرقابة الحكومية التي كانت تحد من انتشار الأفلام التجارية ووجد نفسه يجلس في قاعات سينما لم يقع ترميمها منذ فتحها إضافة إلى تكنولوجيا متخلّفة مقارنة بالتكنولوجيا الجديدة للعرض المنتشرة في العالم آنذاك في حين كان بوسعه التفرّج على نفس الفيلم بسعر أقل وبجودة أفضل في البيت.

وهكذا نزل وافد جديد إلى الساحة: الفيديو. بدأ أصحاب محلات الفيديو بتنزيل كل فيلم جديد يبيعونه بأثمان زهيدة مقارنة بتكلفة حضور عائلة لعرض بقاعة السينما مما جعل أصحاب القاعات عاجزين عن تغطية تكلفة شراء الفيلم من مداخيل العروض فيما تزايد إقبال التونسيين لاحقل على الـ الدي.في.دي. جينها دقّت نقابة الموزّعين ومستغلّي قاعات السينما ناقوس الخطر عديد المرات، ولا من مجيب. بدأت حينها موجة غلق قاعات السينما.

من قاعات سينما إلى مراكز تجارية تحت نظر وزارة الثقافة.

أكثر من مائة قاعة سينما أغلقت أبوابها منذ الثمانينات نذكر منها قاعة “الأطلس” بصفاقس، “فوكس” و”النجمة” بسوسة، قاعة “الصحراء” بتوزر، قاعة “الكازينو” بجندوبة، قاعة “الشونزيليزي” و”افريكار” و”القدس” و”ستوديو 38″ و”الأفراح” بالعاصمة تونس، فيما تحوّلت قاعات أخرى إلى فضاءات تجارية على غرار قاعة السينما “البلماريوم” التي تحوّلت إلى مركز تجاري وقاعة “الكابتول” التي تحوّلت إلى متجر للملابس الجاهزة “زارا” و “CINE SOIR” التي أصبحت محلّ ملابس مستعملة وقاعة سينما “vogue” بباردو التي تحوّلت إلى قاعة أفراح و”الماجستيك” بالكاف التي أصبحت قاعة ألعاب و كل من قاعة الكازينو و باريس ببنزرت الذان تحولتا إلى محلات تجارية و مطاعم…

salles-cinema-tunisie-crise

مصدر الصورة: جمعية اتاك

ولئن أثار إغلاق قاعات السينما ضجّة في الوسط الفني بصفة عامة فإنّ تحويل هذه الأخيرة إلى مراكز تجارية أثار احتراز عدد كبير من النشطاء في القطاع. فالمخرج سامي تليلي صاحب فيلم “يلعن أبو الفسفاط” يعتبر أنّ تحويل قاعات السينما إلى مراكز تجارية هو اعتداء صارخ على حق المواطن في الترفيه والسينما على اعتبار أنّ أصحاب قاعات السينما يتمتعون بعدة امتيازات جبائية من أموال المجموعة الوطنية. واستشهد سامي تليلي بالمثال الفرنسي حيث يمكن لبلدية الإعتراض على غلق مقهى أو قاعة سينما إذا ما هدّد ذلك مصلحة المواطن وحقه في الترفيه في حين أنّ قاعات السينما في تونس تُغلق منذ ما يزيد عن عشرين سنة وتتحوّل إلى مراكز تجارية أمام ناظري وزارة الثقافة والمسؤولين.

مكونات مجتمع مدني على الخط

سنة 2012، قامت الجمعية التونسية للحركة من أجل السينما بحملة تحسيسية حول وضعية قاعات السينما بتونس وتحويلها إلى مراكز تجارية على هامش أيام قرطاج السينمائية. وبالعودة للحديث مع أمين مسعدي كاتب عام جمعية اتاك أشار لنا أنه لا يمكننا اليوم الحديث عن السينما في تونس دون وجود قاعات سينما، البنية التحتية لهذا القطاع. فهذه الأخيرة تمثل فضاء للمشاركة وتفتح المجال للمنتجين المحليين خاصة لعرض منتوجهم الفني على الجمهور. اليوم في تونس هناك جمهور متعطش للسينما والدليل على ذلك إقباله على أيام قرطاج السينمائية من كامل تراب الجمهورية لمواكبة هذا الحدث. وإن كان هناك عزوف فالسبب يعود أساسا إلى تكلفة حضور عرض سينمائي بالنسبة للعائلة التي سوف تتنقل إلى قاعة السينما وستدفع ثمن التذاكر. فلو كان هناك قاعات سينما في الأحياء، يواصل أمين مسعدي، لوجد المواطن فضاءا للترفيه يتوجه إليه صحبة العائلة لأنّ متعة مشاهدة فيلم على الشاشة العملاقة يختلف كثيرا عن مشاهدته على شاشة التلفاز خاصة من حيث الأجواء. لذلك وإيمانا منها بحق المواطن في السينما، وبأهمية هذا القطاع الفني في الحياة الاجتماعية وبمزاياه في تنوير الفكر الإنساني مازالت هذه الجمعية تناضل من أجل إيجاد حلول جذرية للقطاع رغم أنّ أمين مسعدي وكل من حاورناهم حول الموضوع خلصوا إلى نفس الموقف وهو غياب الإرادة السياسية للنهوض بالقطاع.

وزارة الثقافة تتحمل مسؤولية أزمة قاعات السينما

حدّثنا سامي تليلي عن سنة 2004-2005 حيث رصدت وزارة الثقافة جزءا من ميزانيتها لدعم قاعات السينما قصد تجديدها وتجهيزها لتحسين ظروف عرض الأفلام. إلاّ أنّ المتابع لوضعية القاعات يجد أن لا شيء تقريبا قد تغيّر فيها ما عدا بعض القاعات التي جدّد أصحابها المقاعد. وهنا تساءل سامي تليلي عن الوجهة التي ذهبت إليها الأموال التي رصدت للغرض. واعتبر أنّ وزارة الثقافة لم تكن حريصة على مستوى المراقبة والمتابعة لسير الإصلاحات بقاعات السينما وأنّ ما حصل يعتبر تبذيرا للمال العمومي الذي يدفعه المواطن. وواصل حديثه عن المبادرات التي قامت بها الوزارة في عهد بن علي من استشارات وطنية وتشكيل لجان للنظر في وضعية قطاع السينما وفي النهاية لم يتغير شيء واعتبر أنّ هذه النتيجة طبيعية نظرا لأنّ الذين وقع اختيارهم حسب رأيه هم المسؤولون عن أزمة القطاع.

ورأى المخرج والمسرحي المنصف ذويب أنّ الوزارة لا تملك رغبة فعلية في تغيير واقع قطاع السينما بل تواصل نفس منهج التهميش الذي رسّخه بن علي لما كان يمثله قطاع السينما من خطر على سياساته. فتجربته التي سوف نتعرّض لها أكبر دليل بالنسبة له عن غياب الإرادة السياسية لدعم القطاع حيث أقبل السيد منصف ذويب على ترميم قاعة “سيني فوق” بالكرم والتي كانت مغلقة طيلة عشرين سنة. ولم تقم وزارة الثقافة بدعمه رغم أنّ المشروع جاء في فترة تعاني منه منطقة الكرم وما جاورها من التصحر الفني إذ لا توجد قاعات سينما بالمكان إضافة إلى غياب وسائل الترفيه وانعدامها بالمنطقة في حين أنّ مشروعه يتمثل في إعادة فتح القاعة لتكون قبلة للمسرح والسينما والدورات التكوينية لتأطير الهواة والإحاطة بتجربتهم. كما حدّثنا السيد المنصف ذويب عن عديد الأصدقاء الذين أرادوا فتح مركبات ثقافية وسينمائية ولم يلقوا التجاوب والدعم من الدولة بل حتى إنهم جوبهوا بشروط مجحفة في كراس الشروط التي لم تسمح لهم ظروفهم المادية بتحقيقها.

مقترحات لحل الأزمة في انتظار تفاعل وزارة الثقافة

المشكلة إذن ليست في عزوف المستثمرين على الإستثمار في قطاع السينما بل في الإرادة الحقيقية للإلتفاف حول القطاع ودعمه حتى يصل الإشعاع جميع مجالاته. وقد تعدّدت الحلول المقترحة، فالسيد منصف ذويب قد ارتأى تفعيل مشروع المركّبات الثقافية حتى يصبح لكل 6 آلاف ساكن قاعة سينما حسب شروط اليونسكو مع تقديم التسهيلات الجبائية والدعم المادي وتسهيل القروض للراغبين في الإستثمار في القطاع. أمين مسعدي كاتب عام جمعية اتاك يرى أنّ المركبات الثقافية لا تكفي للنهوض بالقطاع في هذه الفترة بل وجب تفعيل مشروع قاعات سينما الأحياء حتى يصل إشعاع هذا الفن إلى كل التونسيين أينما كانوا. وربما يتقاطع هذا المقترح مع ما يراه السيد صلاح الضاوي الذي يعتقد أن عودة إشعاع السينما في تونس مرتبط أساسا بقربها من المواطن واقترح استغلال دور الثقافة مبدئيا وتجهيزها بالآلات اللازمة لعرض الأفلام.

كما دعا الجميع إلى إعادة تفعيل دور الجامعة التونسية لنوادي السينما التي أصبحت مؤخرا مهددة بالإنقراض نتيجة عجزها المالي عن تغطية أكبر حدث ثقافي لسنة 2013 وهو استضافة المؤتمر الدولي للجامعة الدولية لنوادي السينما للمرة الأولى في القارة الإفريقية وللمرة الأولى في الدول عربية. فقد كان لهذه الجامعة دورا كبيرا في ترسيخ الثقافة السينمائية من خلال نواديها الموجهة للأطفال وللكبار على حد السواء ووصل عدد منخرطيها في السبعينات إلى 30 ألف منخرط. كذلك الأمر بالنسبة للجامعة التونسية للسينمائيين الهواة التي مرّ عبرها أكبر المخرجين التونسيين والتي ساهمت في خلق مجال للهواة لينتجوا ويمارسوا أبجديات هذا الفن. كما اقترح السيد صلاح الضاوي في النهاية تدعيم فكرة القافلة السينمائية لتقريب السينما من المواطن في انتظار إيجاد حلول جذرية أكثر و واقعية.

تتضح الصورة أمامنا الآن، التصحّر الذي يعاني منه قطاع السينما بصفة عامة وتأثير أزمة قاعات السينما على التوزيع وبالتالي على الإنتاج كلها تجعلنا ندرك لم غابت ثقافة السينما عن المجتمع التونسي. كل هذه الأزمات المرتبطة بعضها البعض قد تختفي جميعها ويعود إشعاع القطاع إلى سابق عهده إذا ما وُجدت الإرادة السياسية الحقيقية للنهوض به.