elections-2014-tunisie-affiches

بقلم خلدون العلوي،

مقترح الرئيس التوافقي هو مقترح مموه وغير منسجم، نعرف أن التوافق حول حاكم ما -أي الإجماع بالاصطلاح التراثي- لم يتحقق لأي حاكم عبر التاريخ، لذلك نشأت آلية الإقتراع العام بما تتيحه وتبيحه من تحالفات وحملات انتخابية ومنافسة ديمقراطية وداخل هذه القواعد المتوافق حولها لنا أن نقول إن هذا هو المرشح التوافقي لهذا الائتلاف أو ذلك التحالف المشكًّل من قوى سياسية معينة وليس المرشح التوافقي في صيغة المطلق، وإلا ماذا سيسمى منافسه الانتخابي على نفس المنصب؟؟

أما سياسيا فقد فتح هذا المقترح المموه أبواب المحاصصة الحزبية والإغراءات والإغواءات على مصرعيها وفتح شاهية الإحتطاب السياسي لرهط واسع، كما شرع الباب واسعا للسفارات الأجنبية لتدفع بمرشحيها هي الأخرى أو تعلي كفة هذا ضد الآخر وتضرب هذا بذاك وهو مشهد بات ملموسا ومدركا بشكل واضح. ليتحول الإستحقاق برمته إلى بازار سياسي أشبه ببطحة نخاسة يستعرض فيها كل مريد مفاتنه ومهاراته حتى ينال إعجاب المشترين ويفوز بنيشان الأسياد المانحين.الاكيد ان مقترح الرئيس التوافقي سيحرج اعتدادا زائفا بالذات و سيكشف القناع عن المحدودية والقصور اللذان يتخبط فيهما مواقف المرشحين للرئاسةو اداؤهم الراهن ، أكيد أيضا انه سيكشف مثلا عبثية مقولة المواجهة بين تيار 18 اكتوبر وتيار 7 نوفمبر أو مواجهة عودة النظام القديم. على الرغم من امكانية افتراض ان طريق تيار 18 اكتوبر مختلف عن طريق تيار 7 نوفمبر، لكن هيهات ان لم يكن بعيدا عن أية شعاراتية زائفة لا تخدم سوى مصالح سياسية خاصة لا غير، وتعطل مسار الديمقراطية في تونس مستقبلا.

في صلب الحديث عن الانتخابات لا بد أن نذكر ان المرزوقي أثبت انه اذكى من خصومه لأنه عرف كيف يدير المعركة رغم الهجمة الإعلامية، فقد حول كل هجمات السخرية والتهكم الى تعاطف شعبي و استطاع ان يقنع جزءا كبيرا لدى الرأي العام الإنتخابي و خاصة لدى قواعد النهضة انه المدافع الشرس عن الثورة. واستعان بوجوه ثقافية تقدمية ذات مرجعية يسارية لا تعادي الهوية. وفي النهاية، المرزوقي يخوض معركته الخاصة لا معركة الشعب و هو كغيره لا يصلح للرئاسة. فالرجل بقي ممسكا بيده بأهم اسلحة المعركة السياسية في تونس ما بعد 14 جانفي، ألا وهو سلاح ملفات الفساد والمنظومة التسلطية لنظام بن علي مدركا لما تكتسيه معطياتها ومعلوماتها من اهمية لدى كل من كانت له صلة بالنظام من قريب أو بعيد، خاصة و أن العملية السياسية الحالية تدار في مجملها تحت سلطة هذه الملفات ويقترب المتنافسون من السلطة أو يبتعدون ضمن ما تقدمه من هوامش المناورة والتكتيك وتمرير الصفقات للمنفعة والمصلحة المتبادلة. ربما هذا جزء من الإستراتيجيا الدفاعية للمكتب الرئاسي في قرطاج في هذا الوقت الحرج بالنسبة للجميع، ولعل اهم تجلياته ظهر مع تسريب الكتاب الأسود وما رافقه من ضجة إعلامية وما كان لمستشار الرئاسة والناطق الرسمي باسمها السيد عدنان منصر من تصريحات اكدت كثرة هذه الملفات وما لا يزال في حوزة الرئيس ….اذا كانت هذه التسريبات ضغط على رموز النظام السابق و النهضة ودفع لها لتجديد عهودها وإلزام لها بها، وليست لللمواجهة الحقيقية…ألم نفهم بعد أن المرزوقي ليس أهلا للرئاسة. المرزوقي عينه مركزة دائما على الإستحقاق الرئاسي الذي كان حاضرا في كل قراراته و كثيرا ما لقيت استهجانا حتى من شريكيه المباشرين، هنا ايضا يتنزل اصداره للكتاب الأسود الذي صيغ على المقاس و دون جدوى تذكر.

خلاصة القول، ان التحدي المطروح اليوم ليس صنع امجاد لزعامات وهمية ولا هو التمترس في معركة للدفاع عن شخصية وتمكينها من المدد الكافي لتقارع به من اجل السلطة. فالحركات الشبابية التي تعرض خدماتها لمرشحي الإنتخابات الرئاسية القادمة لن تُمنح أو تُمكّن من أي موطئ قدم على أرض السلطة مادامت “غير منضبطة”. والمبادرات الشبابية لعرض خدمات الشباب في الإنتخابات إما أنها مدبرة وإما أنها غبية جدا ؟ وشعارات المنظمات الشبابية الحزبية “شباب يقرر شباب يشارك” تموت بنهاية المؤتمرات عند تنصيب قياداتها… الشباب الذي يستعد لعرض إمكانياته ومواهبه لأحزاب الانتخابات القادمة او لقيادات احزاب يعرف كيف سيشارك وكيف سيَستغِل وسيُستغَل…. لا مواقع ولا مناصب في السلطة لا تنفيذية ولا إستشارية، فقط ستستغل النخب “العريقة” من ناحية، سعيا لكثير من شباب تونس للظهور والشهرة ومن ناحية أخرى غباء نضاليا لفئات واسعة من شباب البلاد.