elections-tunisie-economie-2014

هذا المقال هو في حقيقة الأمر رسالة مفتوحة الى السلطات الشرعيّة القادمة والى المرشحين للانتخابات الرئاسيّة و الى المجتمع المدني و الرأي العام لتوجيه عنايتهم الى قضيّة مركزيّة تتصل بالمصالح العليا لتونس إلا وهي ضرورة اقرار استراتيجيّة تنمويّة جديدة تقطع مع منظومة اقتصاد السوق التي انخرطت فيها تونس منذ منتصف الثمانينات تزامنا مع الازمة الاقتصاديّة الكبرى التي تعرض لها الاقتصاد التونسي مما اضطر السلطات التونسية انذاك الى الخضوع سنة 1986 لما سمي ببرنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

وفي واقع ألأمر إن أزمة الثمانينات هي – كما اقرت بذلك الحكومة – نتيجة حتميّة لفشل سياسة الانفتاح الاقتصادي على الفضاء الاوروبي التي انطلقت مطلع السبعينات و القائمة على استقطاب الاستثمارات الخارجيّة في قطاع الصناعات التصديريّة ذات القيمة المضافة المتدنية و التي ، وإن حققت لفترة وجيزة بعض النتائج في مجال توفير مواطن الشغل للعمالة غير المختصة رخيصة التكلفة ، إلاّ انها انعكست سلبا على التوازنات الاقتصاديّة الكبرى وتسببت في ارتفاع المديونيّة الخارجيّة فضلا عن تكريسها لتبعيّة الاقتصاد التونسي والمنظومة الإنتاجيّة التونسيّة إزاء الخارج وخاصة منها الاستثمارات والأسواق الأوروبيّة وتحديدا الفرنسيّة وبدرجة أقل الألمانيّة والايطاليّة .

اقحام تونس في اقتصاد السوق ليس خيارا تنمويا بل كان خضوعا لضغوط خارجية

وقد كشف وزير الاقتصاد والماليّة الحالي حكيم بن حمودة في كتابه الصادر سنة 1995 حول مسيرة الاقتصاد التونسي ان الخيارات الاقتصاديّة الليبرالية التي اتبعتها تونس منذ السبعينات و الانخراط بمنظومة العولمة منتصف الثمانينات ، تندرج في إطار توزيع للأدوار الاقتصاديّة مفروض على البلدان المتخلّفة التي يقتصر دورها على فتح أسواقها أمام صادرات البلدان الصناعيّة ووضع طاقاتها البشريّة المنتجة ذات الكلفة المتدنية تحت تصرف المنظومة الإنتاجيّة الغربيّة بهدف تمكينها من الضغط على تكلفة الإنتاج والحفاظ على قدرتها التنافسيّة في الأسواق العالميّة . كما كشف أن الرهان الحقيقي لبرنامج الإصلاح الهيكلي لسنة 1986 هو ادماج تونس نهائيا في منظومة اقتصاد السوق وتكريس تبعيتها الأبديّة للمديونيّة الخارجيّة وهو ما تأكّد من خلال اتفاقيّة الشراكة لسنة 1995 التي ابرمها النظام السابق مع الاتحاد الأوروبي وتمّ بموجبها احداث منطقة للتجارة الحرّة للبضائع الصناعيّة قابلة للتوسيع لاحقا لاتفاقية للتبادل الحر شاملة و معمقة كما ورد ببرنامج العمل الموقع من قبل الحكومة الحالية في افريل 2014 .

وهذا ما يفسّر استمرار حكومات ما بعد الثورة في نفس الخيارات الاقتصاديّة للنظام السابق ،وإقدامها على ابرام برنامج العمل المذكور الذي سيكرّس الانفتاح الكلّي للأسواق التونسيّة أمام كافة أصناف البضائع الأوروبيّة بما فيها الخدمات والسلع الزراعيّة و الحال ان المنظومة الانتاجية التونسية في كافة القطاعات المستهدفة بالتحرير غير مهيأة لتحمل المنافسة الاوروبية و يخشى ان يودي هذا الانفتاح الى سيطرة الجانب الاوروبي دون مقابل على كافة مفاصل الاقتصاد التونسي .

ومع ذلك فان الاتحاد الاوروبي و جل الطبقة السياسية و الاقتصادية و الاطراف التونسية ذات المصلحة تمعن في تضليل الرأي العام بخطاب دعائي لا اساس له من الصحة مفاده ان تونس سترتقي الى مرتبة الشريك المميز من خلال انفتاحها الكلي و اندماجها التام بالفضاء الاوروبي.

وهكذا يتضح أن ادماج تونس بمنظومة اقتصاد السوق لم يكن خيارا سياديّا تونسيّا بل حصيلة موازين قوى دوليّة تسعى من خلال فرض العولمة الاقتصاديّة الى تأبيد هيمنتها الاقتصاديّة العالميّة ومصادرة القرار السيادي السياسي والاقتصادي للدول الضعيفة والحيلولة دون تحوّلها الى دول منافسة لها في المجالات الاقتصاديّة الصناعيّة منها وكذلك الزراعية والخدميّة والعلميّة والإبداعية .

كما يتضح أن منظومة اقتصاد السوق والعولمة الاقتصاديّة لم تكن بأي شكل من الأشكال خيارا تنمويّا اقدمت عليه تونس بصفة طوعيّة بل نتيجة خضوعها لشروط و املاءات الدول المهيمنة والمؤسسات الماليّة الدوليّة . ويبدو ان الطبقة السياسية الحاكمة و كذلك جل احزاب المعارضة لا ترى بديلا عن الاستمرار في هذه السياسات او انها غير قادرة على مراجعتها بسبب الضغوط الخارجية و ذلك رغم اقرار الحكومة بفشلها لا فقط بتونس بل ايضا على الصعيد الدولي.

توقع استمرار نفس السياسات الاقتصادية بعد الانتخابات

وهذا ما يستشف من تصريحات مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسيّة أحمد نجيب الشابي و مفادها أن الأحزاب الرئيسيّة والمرشحين للانتخابات الرئاسيّة مجمعين على أن منظومة اقتصاد السوق هي الخيار الاقتصادي المناسب لتونس في المجال التنموي .

والجدير بالتذكير ان الحكومة الحاليّة طرحت منذ تسلمها للسلطة قضيّة مراجعة المنوال التنموي التونسي ، باعتباره من أولويّات المرحلة في ظل التدهور الخطير للأوضاع الاقتصاديّة في تونس والشلل الذي أصاب كافة القطاعات الانتاجيّة فضلا عن ارتفاع عجز ميزان المدفوعات والميزان التجاري ونسبة المديونيّة الى مستويات غير مسبوقة وتحوّلها الى عبئ ثقيل يهدد بانهيار التوازنات الماليّة الكبرى للبلاد .

وقد اعتبر وزير الاقتصاد والماليّة في تشخيصه لأسباب هذا الوضع ،أن فشل النمط التنموي المعتمد منذ مطلع السبعينات هو المسؤول عن تفاقم الأزمة الاقتصاديّة و لكنه تجنب الاشارة الى الحصيلة السلبية لاتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الاوروبي التي كرست خيار العولمة و اقتصاد السوق الخاضع اللقوى الصناعية الكبرى و دوائر المال و الاعمال و الشركات متعددة الاطراف المسيطرة على المؤسسات النقدية الدولية و الدورة الاقتصادية العالمية .

و هذا ما يفسر الطابع الهيكلي المتفاقم للازمة الاقتصادية بتونس المرتبطة بأزمة العولمة وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على معالجتها خاصة و ان السياسات المتبعة بعد الثورة تعمل على مزيد تكريس هذه التبعية وهذه الادوار الاقتصادية المتدنية دون مراعاة فشل منظومة العولمة و اقتصاد السوق مما انعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية العالمية و تحديدا منذ 2007 بسبب استفحال الركود الاقتصادي في اوروبا و فرنسا التي تعتبر الشريك الاساسي لتونس.

و رغم اقرارها بفشل السياسات الاقتصادية المتبعة منذ السبعينات ارتأت الحكومة الحالية عدم مراجعة هذه الخيارات و منها مشروع مجلة الاستثمار الجديد القائم على زيادة الحوافز الجبائيّة والضريبيّة لفائدة المستثمرين الاجانب في محاولة لاستقطاب جيل جديد من الاستثمارات الأجنبيّة ذات القيمة المضافة العالية ، ولهذا الغرض نظمت الحكومة في مطلع سبتمبر الماضي 2014 مؤتمر تونس للاستثمار الذي تم أثناءه عرض الاستراتيجيّة الحكومة الجديدة للتنميّة وإعادة البناء للفترة 2015 ــ 2020 . ومن ضمن الأهداف الأساسيّة لهذه الاستراتيجيّة التوسع في انخراط الاقتصاد التونسي في منظومة العولمة واقتصاد السوق من خلال توسيع منطقة التجارة الحرّة مع الاتحاد الأوروبي المحدثة بموجب اتّفاقيّة التبادل الحر للسلع الصناعية المبرمة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 .

وانسجاما مع هذا الخيار ، سبق للحكومة أن وقعت مع الاتحاد الأوروبي خلال شهر أفريل 2014 برنامج العمل الذي ينص في جانبه الاقتصادي على إحداث منطقة للتجارة الحرّة شاملة ومعمقة وهي الآليّة التي ستسمح بتوسيع التبادل الحر الى قطاع الخدمات والسلع الزراعيّة ، لكن الحكومة اضطرّت لإرجاء التوقيع على هذه الاتفاقيّة و كذالك مشروع مجلة الاستثمارات الجديدة بسبب ما أثارته من جدل وردود فعل متحفّظة من عديد الأوساط السياسيّة والاقتصاديّة التونسيّة التي تخشى من تبعات هذا الانفتاح على الاقتصاد التونسي الهش وغير المهيأ لتحمّل المنافسة الأوروبيّة في المجالات المذكورة المستهدفة بالتحرير .

الحصيلة السلبية لعلاقات الشراكة مع الاتحاد الاوروبي

وتذكر هذه الأوساط بالندوة التي نظمّها المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجيّة التابع لرئاسة الجمهوريّة حول حصيلة اتفاقيّة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي حيث أثبتت الدراسات المقدّمة أثناء هذه الندوة بأنّ الخزينة التونسيّة خسرت حوالي 20 الى 25 مليار دينار تونسي كموارد جبائيّة وديوانيّة خلال العشريتين الماضيتين جراء ازالة الحواجز الديوانيّة مع الاتحاد الأوروبي .

وفي المقابل لم يتحسن الميزان التجاري مع أوروبا بل واصل تدهوره بنسق متزايد ،وتحوّلت تونس الى سوق استهلاكيّة شبه محتكرة لفائدة الصناعات الأوروبيّة وبالدرجة الأولى للصناعات الفرنسيّة .وقد ترتّب عن ذلك تنامي ظاهرة الاقتصاد الموازي المعتمد على تهريب البضائع ذات الكلفة المتدينة نسبيا قياسا بالبضائع المستوردة عبر المسالك النظاميّة . إلاّ ان الأخطر من ذلك هو الضرر البالغ الذي لحق بجانب من المنظومة الانتاجيّة الصناعيّة التونسيّة التي ضربت في الصميم لعدم قدرتها على الصمود أمام المنافسة الأوروبيّة غير المتكافئة .

كما أدّت سياسة الخصخصة ،التي تعتبر احدى ركائز منظومة اقتصاد السوق ،الى تراجع دور الدولة الاقتصادي وتفريطها بالبيع لفائدة القطاع الخاص و الاطراف الاجنبية في عدد كبير من المؤسسات والشركات الصناعيّة العموميّة المنتجة ومن بينها شركات تعمل في القطاعات الاستراتيجيّة كصناعات الاسمنت وتكنولوجيات الاتصال والتجارة الداخليّة وغيرها .

والغريب في الأمر أن عمليات التفويت هذه تمّت أساسا في ظل حكم الدكتاتوريّة ،في ظروف مريبة لفائدة أفراد عائلة الرئيس السابق والأطراف المحليّة والأجنبيّة المتحالفة معها، وقد شملت أساسا مؤسسات ناجحة وذات مردوديّة ماليّة ايجابيّة أي انها كانت تحقّق أرباحا لفائدة الخزينة العموميّة وكان للتفريط فيها تبعات سلبيّة على التوازنات الماليّة للدولة التونسيّة التي اضطرت للجوء المتزايد للاقتراض الخارجي لتعويض هذه الخسائر .

ضرورة مراجعة الخيارات الاقتصادية الفاشلة لتعارضها مع بنود الدستور

لكن الأغرب ،ان الحكومات المتعاقبة بعد الثورة استمرّت في اتباع سياسة الانخراط في العولمة الاقتصادية و التفويت في المؤسسات وكذلك الشركات المصادرة من أفراد عائلة الرئيس السابق ،كما أقرّت الحكومة الحاليّة في ميزانيّة 2014 جملة من التدابير التقشفية و الاجراءات الانفتاحية امام راس المال الاجنبي و منها مشروع قانون يقضي بإحداث شركة للتصرف في اصول الشركات العاجزة عن تسديد الديون المخلدة بذمتها لدى البنوك مع الاشارة الى أن هذه الخطوة تندرج ضمن التدابير ” الاصلاحية ” التي يشترطها البنك العالمي لاستكمال صرف القروض الممنوحة لتونس بعنوان 2014 وفقا لما أفاد به وزير الاقتصاد والماليّة .

لكن الحكومة اصطدمت باحتجاجات في أوساط رجال الأعمال التونسيين وخاصة منهم أصحاب النزل المدينين لدى البنوك وكذلك شريحة هامة من الاقتصاديين والسياسيين الذين ينبهون من خطورة احداث هذه المؤسسة غير القانونيّة وغير الدستوريّة بحكم ما يمنحه لها القانون المؤسس لها من سلطات انتزاع الملكيّة والتصرّف بالبيع في الشركات المصادرة دون تمكين مالكيها من سبل الاعتراض والتقاضي المكفولة قانونا في الظروف العاديّة .

كما يفتح الاجراء الابواب على مصراعيها لسياسة التفريط في المقدرات الوطنيّة للدول وللأطراف الأجنبيّة وللصناديق الاستثماريّة العالمية الممثلة للشركات متعددة الأطراف مما سيلحق الضرر البالغ بمقومات السيادة الوطنيّة الاقتصاديّة على نحو يتعارض مع الدستور التونسي الجديد .

وينسجم هذا التوجه الانفتاحي المفرط وغير مدروس العواقب مع مشروع مجلة الاستثمارات الجديد المثير للجدل الذي اضطرت الحكومة لسحبه من المجلس الوطني التأسيسي أمام موجة الاحتجاجات التي أثارها بسبب تضمنه لبنود تسمح بملكيّة الأجانب للأراضي الفلاحيّة وهو ما يعتبر تفريطا في احد المقومات الأساسيّة للسيادة الوطنيّة الاقتصاديّة التي تم افتكاكها من فرنسا بعد الاستقلال في أعقاب مفاوضات مريرة وغير مجديّة اضطرت الرئيس بورقيبة الى اصدار قانون تأميم الأراضي الزراعيّة لسنة 1964 .

وإذا كانت الحكومة ،قد اضطرت للأسباب المبينة لإرجاء توسيع منطقة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي وسحب مشروع مجلة الاستثمارات ،فإن ذلك لا يعكس تغييرا جوهريا في سياساتها الاقتصاديّة الموغلة في الانخراط بمنظومة اقتصاد السوق وهو ما يؤكده مشروع الميزانيّة لسنة 2015 المزمع عرضه على المجلس الوطني التأسيسي بعد الانتخابات التشريعيّة .

كما يتضح ذلك جليا في تصريحات وزير الماليّة والاقتصاد الأخيرة بخصوص الاستمرار في سياسة الاقتراض من الخارج وتوقعاته بأن تتضاعف أعباء المديونيّة سنة 2017 علما انها تناهز حاليا اكثر من 4 مليار دينار .

اهمية اقرار استراتيجية تنموية جديدة و مراجعة سياسة الشراكة مع الاتحاد الاوروبي المرطبة بالانخراط في اقتصاد السوق

ولا بد من التذكير في هذا السياق بأن سوق اقتراض الأموال هي جزء لا يتجزأ من منظومة اقتصاد السوق باعتبار أن الفوائض الضخمة من العملة الصعبة المتوفرة لدى البلدان البتروليّة والدول المهيمنة على التجارة العالميّة ،يقع توظيفها وإيجارها كالسلع التجاريّة من خلال آليات متعددة الأطراف وتحديدا البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والبنوك والمؤسسات الماليّة المرتبطة بالاتحاد الأوروبي وكذلك البنك الافريقي للتنمية .

وهكذا تحوّلت سياسة المديونيّة المفرطة الى وسيلة من وسائل هيمنة رؤوس الأموال العالميّة والشركات متعددة الأطراف على اقتصاديات وسياسات البلدان الفقيرة والمتخلفة خاصة إذا فقدت هذه الدول القدرة على النفاذ الى الأسواق الماليّة العاديّة حيث يمكنها الاقتراض بشروط ميسرة نسبيا بسبب تراجع ترقيمها السيادي كما حصل لتونس بعد الثورة مما اضطرها منذ 2012 للخضوع مجددا ولأوّل مرة منذ سنة 1986 الى القروض المشروطة للاتحاد الأوروبي وللبنك العالمي وصندوق النقد الدولي مع التذكير بان التدابير التقشفيّة والضرائب الجديدة الواردة بالميزانيّة التكميليّة لسنة 2014 تستجيب للإصلاحات المطلوبة من الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين لتونس سواء في إطار الثنائي أو المتعدد الأطراف.

وهكذا يتضح أن منظومة اقتصاد السوق الخاضعة لهيمنة القوى الصناعيّة الكبرى والشركات متعددة الأطراف ورأس المال المعولم ،لا تعدو أن تكون سوى توزيعا محكما للأدوار الاقتصاديّة بين البلدان والمجموعات الغنيّة ،المسيطرة على الصناعات وأدوات الانتاج والتكنولوجيا الحديثة والساعيّة الى احكام سيطرتها على مناطق النفوذ وإبقاء الاسواق مفتوحة أمام سلعها وبضائعها من ناحيّة ومن ناحيّة أخرى أغلبيّة البلدان المتخلفة اقتصاديّا وعلميّا وصناعيّا وزراعيا و المضطرة لفتح أسواقها التجاريّة وثرواتها ومقدراتها الطبيعيّة ــ ان وجدت ــ أمام رؤوس الأموال والمستثمرين الوافدين عادة من البلدان الغربيّة وتحديدا منها مجموعة الثمانيّة وبدرجة أقل بعض البلدان الصناعيّة الصاعدة مثل الصين الشعبيّة وكوريا الجنوبيّة التي نجحت نسبيا في التموقع ضمن كوكبة البلدان الصناعيّة الكبرى المتنافسة على الأسواق العالميّة .

وعلى ضوء ما سبق بيانه يتّاكد أن منظومة اقتصاد السوق ليست منوالا للتنميّة لا بالنسبة للدول المتخلفة على غرار تونس ولا حتى بالنسبة لبعض الدول الصناعيّة الكبرى المنتميّة الى الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا ــ وهي الشريك الاقتصادي والتجاري الأول لتونس ــ التي تشهد تراجعا مستمرا لنسب النمو الاقتصادي والصناعي كما هو الشأن بالنسبة لأغلب أعضاء الاتحاد الأوروبي وذلك بسبب تمادي الانكماش الاقتصادي وأزمة العملة الأوروبيّة منذ سنة 2007 مع توقعات بأن هذه الأزمة مرشحة للاستمرار الى أمد غير منظور وهي تؤكد في واقع الأمر المأزق الذي بلغته العولمة الاقتصاديّة التي تحوّلت الى شكل من أشكال الديكتاتوريّة الأصوليّة والاستبداد الاقتصادي المسلط على جل دول العالم تحت شعارات زائفة من قبيل حريّة المنافسة والتبادل الحر والحال أن المستفيد الوحيد من هذه المنظومة هي أقليّة من الاقتصاديات المهيمنة والشركات متعددة الأطراف المحتكرة للأسواق والمهيمنة على المؤسسات النقديّة العالميّة .

و الملاحظ انه يمكن لتونس ان تستأنس بتجربة بعض دول امريكيا الجنوبية و الدول الاسياوية و منها ماليزيا التي نجحت خلال التسعينات في تجاوز ازمتها الاقتصادية و المالية دون الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي و البنك العالمي.

وهكذا ما يتضح أن أولويّة الأولويات بالنسبة للحكومة و للمؤسسات الشرعيّة القادمة التي ستنبثق عن الانتخابات هي القيام بمراجعة جذرية للسياسات والخيارات الاقتصاديّة و الدبلوماسية لتونس منذ الاستقلال بما فيها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسياسة الانخراط في العولمة ومنظومة اقتصاد السوق وما ترتب عنها من مخاطر المديونية المفرطة و التزامات دوليّة واتفاقيات شراكة غير متكافئة ألحقت الضرر البالغ بتونس وجعلتها غير قادرة على الخروج من الأزمات الاقتصاديّة الهيكليّة المزمنة التي تتخبّط فيها منذ مطلع الثمانيات .

و هذا ما يقتضي مراجعة سياسة استقطاب الاستثمارات الاجنبية و اعادة التفاوض حول علاقات الشراكة مع الاتحاد الاوروبي – وهو امر ممكن وفقا لبرنامج العمل المشار اليه – بما يجعلها متماشية مع مصالح تونس العليا وبنود دستورها الجديد.