7-novembre-bis

بقلم محمد سميح الباجي عكّاز،

ربّما هي ساعات قليلة قبل أن يتمّ تأكيد إسم الرئيس القادم لتونس بعد معركة انتخابيّة كان عنوانها الأبرز “استعراض الرداءة” والمزايدة بكلّ ما تطاله يد القائمين على الحملات الانتخابيّة. الدين والانتماء الجهوي واستثمار الخوف والجوع والأمل والنكتة والدم، كلّها كانت أدوات عمليّة الاستقطاب لشعب يتم استدراجه نحو الخلوة كي ينتزع منه صوته ويمنح راغبا أو مكرها شرعيّة تكتمل بها مراسم تنصيب ساكن قرطاج الجديد.

عندما اندلعت انتفاضة 17 ديسمبر، كانت المطالب الرئيسيّة واضحة وحاسمة؛ الشغل والحريّة والكرامة الوطنيّة، وعندما هرب بن عليّ كانت الرؤى موحدّة، على الأقلّ لدى الذّين كانوا في الشارع يخوضون معاركهم اليوميّة ضدّ أدوات القمع وهدفهم اقتلاع النظام السابق والقطع مع ما رسّخته منظومته من فساد وظلم.

لكن، خلال أربع سنوات، غابت الأسماء وتداخلت الحسابات وسقطت المطالب الكبرى ليدخل الشعب في متاهة من المواقف والتصريحات والأسماء الجديدة التي طغت على المشهد وكانت بمثابة قنابل الدخان التي حجبت الكثير من المطالب الرئيسية للثورة وذرّت الرماد على العيون.

تتالى الأيام وتغيب عن الصورة شيئا فشيئا حقوق الجرحى والشهداء، يخرج رجال النظام السابق تباعا من سجونهم المريحة، تُغسل الذاكرة الجماعيّة من صور الأسابيع الثلاثة السابقة لهروب بن عليّ، تُشوّه صورة البوعزيزي لتصل حدّ التحقير، تفقد الثورة رمزيّتها، وفي المقابل تختلق قضايا جديدة يزدحم بها المشهد العام، فتصبح تصريحات نكرات حول المطالبة بتعدّد الزوجات، أو إباحة الزواج بقاصر أو مسألة النقاب وعنتريات بعض “نوّاب الشعب” في المجلس التأسيسي وشطحات السياسيّين وغيرها من “المشاكل” الوهميّة محور اهتمام وسائل الإعلام، وتخفي صور وزيرة السياحة مشاهد التنكيل بعائلات الشهداء في اعتصامهم اليائس، يُحاكم شباب الثورة ويعتقل آخرون، ويذوب الخبر أمام زيارة رئيس الحكومة لبيت العجّز أو وجبة لحم مشويّ مع سفير ألمانيا في تونس.

أمّا الجوع، فدواءه الإرهاب، ليس الإرهاب بمعناه المعروف وبعنفه الماديّ، بل ترهيب وهرسلة نفسيّة خضع لها الشعب التونسيّ طيلة الفترة السابقة وكأنّ هذا الشعب يُعاقب على “جُرم” الرفض ومقاومة القمع والخنوع. في مقاربة غريبة تربط الاستقرار بالقمع والذلّ برغد العيش.

في تونس، ودون أن نغرق في نظريّة المؤامرة وأنّ الثورة كانت تدبيرا خارجيّا، عرفت البلاد سلسلة من الضغوطات والإغراءات المتواصلة التي تهدف إلى إغراق البلاد أكثر فأكثر في مستنقع العجز والمديونيّة حتّى لا تجد ملاذا سوى هيئات النقد الدوليّة التي لا تقرض ولا تساعد إلاّ وفقا لشروطها الخاصّة وبعد إعادة هيكلة الإقتصاد المحليّ وفقا لمتطّلبات النظام العالميّ الجديد القائم على الإنفتاح التّام والتسليم بالإرتباط العضويّ الكامل مع الخارج، في تماهي مع ما يعرف بعقيدة الصدمة التي بلورها فريدمان بقسم العلوم الإقتصادية بجامعة شيكاغو والتي لعبت دوراً يتجاوز دورها كجامعة، بل كان هذا القسم مدرسة للفكر المحافظ، وللتدخل الأمريكيّ في شؤون الدول الأخرى، والداعين لحرية مطلقة للأسواق.

إنّ إستراتيجية الصدمة وهي تعني بشكل آخر، فلسفة القوة أو التكتيك الذي يهدف إلى فرض النظريات الليبرالية المتطرفة التي طورها الإقتصاديون المؤيدون لنظرية السوق الحر بهدف التغلب على الحواجز الديمقراطية وكسرها.‏ تقوم هذه العقيدة الإقتصاديّة على إلغاء القطاع العام، منح الحرية الكاملة للشركات، الحد الكبير للإنفاق الإجتماعي، عبر وسائل كارثية تعتمد الإضطرابات السياسية والكوارث الطبيعية والذرائع القسرية لتمرير “إصلاحات” السوق الحرة المرفوضة شعبيًا و اجتماعيا وذلك باستغلال حالة الخوف والصدمة والفراغ التي يعيشها النّاس في تلك اللحظة. ونجاح هذه الإستراتيجية يعتمد على عمق الأزمة، وكلما كانت أكثر خطورة، فإن التحولات تكون جذرية أكثر، وهي لا تلتفت إلا إلى المكاسب التي تجنيها الشركات الخاصة من الأزمات، ومدى امتثال البلد المستهدف لتعليمات البنك الدوليّ ولوائح العولمة.

وقد عرف التاريخ أمثلة كثيرة طُبّقت خلالها هذه التقنية كانقلاب بينوشيه في تشيلي (1973) وحرب جزر فوكلاند (1982) التي انتهت بهزيمة الأرجنتين أو كما حدث خلال أزمة الإقتصاد الأسيوي سنة 1997، والتّي مهدت الطريق لصندوق النقد الدولي لفرض مجموعة من البرامج الإقتصادية في المنطقة والتي بموجبها تمت عملية خصخصة عدد من الشركات المملوكة للدولة من خلال بيعها إلى بنوك غربية و شركات متعددة الجنسيات كما مكن “التسونامي” الذي ضرب سيريلانكا سنة 2004 الحكومة السيريلانكية من التخلص من الصيادين الذي كانوا يشتغلون في الواجهات البحرية و قامت ببيع تلك الواجهات إلى المستثمرين في قطاع الفنادق، كما مكنت أحداث 11 سبتمبر الرئيس جورج بوش من شن هجوم على العراق بهدف خلق عراق خاضع لنظام السوق الحر.

المثال التونسي وإن لم يكن عنيفا في تطبيق تلك العقيدة، إلاّ أنّه وبعد أربع سنوات من سياسة الترهيب الإقتصاديّ والإرهاب المسلّح وتشتيت المطالب الكبرى، يسير بخطى سريعة نحو الإمتثال لقواعد اللعبة العالميّة، وإلاّ كيف تُفسّر التصريحات المتتالية للمسؤولين الحكوميّين بخصوص الإصلاحات المنظرة للقطاع العموميّ، وهيكلة الإقتصاد المحليّ وتعديل التشريعات المتعلّقة بالإستثمار والجباية والتغطية الإجتماعيّة والصحيّة؟

هل نيأس؟

يقول المفكّر والشاعر الفلسطينيّ مريد البرغوثي:

لا تنجح الثورات إلاّ بعد استكمال خيبات الأمل كلّها.

بهذا المنطق يجب أن يفكّر كلّ من آمن بإمكانيّة التغيير الجذريّ. ثورة التونسيّين ذات شتاء خذلتها الحسابات السياسيّة الضيّقة ومفاهمات الفنادق والغرف المغلقة، والمتاجرة بشعارات الثورة وشهداءها والمؤمنين بها.
المطالب التي رُفعت يوم 17 ديسمبر في سيدي بوزيد وقبلها في الرديّف، هي البوصلة الحقيقيّة للتغيير المنشود، فلا ديمقراطيّة التخيير ولا الإستقرار المبطّن بالخوف والترهيب ولا الدكاكين الحزبيّة ولا إقتصاد نصير فيه أجراء على أرضنا كان مطمح من صرخ وجُرح واستشهد ذات شتاء.

ولن تكون نهاية المرحلة الإنتقاليّة سوى نقطة البداية لنفض الغبار من جديد عن المطالب الرئيسيّة التي غُيّبت قسرا طوال الفترة الماضيّة.

فحتّى تحقيق الشغل والحريّة والكرامة الوطنيّة؛ فليسقط الرئيس القادم وأبواقه ومريدوه.