tunisie-citoyennete-2014

بقلم شمس عروة،

كنت وأنا أتابع بعض البرامج الحوارية قبل الثورة اتمنى أن يأتي يوم نناقش فيه مشاكلنا بكل هدوء وحرية، إذ كانت البرامج الحوارية الوطنية في ذلك الوقت تطرح بعض القضايا للنقاش، إلا أن اللغة الخشبية كانت طاغية، كما أن الخطوط الحمراء العديدة المفروضة لم تكن تسمح بحوارات عميقة وجدية.

بعد الثورة اعتقدت أن حلمي قد تحقق إذ شاع مناخ من حرية التعبير يسمح بالخوض في أغلب القضايا بمشاركة أغلب الحساسيات الثقافية والأيديولوجية. كما أن المواطنين اصبحوا شديدي الاهتمام بالشأن العام، وهو ما يجعل الطلب على طرح القضايا الوطنية للنقاش يزداد على حساب مشاغل كان لها النصيب الأوفر من الاهتمام كالرياضة مثلا.

لكن، بعد أربع سنوات من الثورة لم نلاحظ تقدما كبيرا في حل مشاكل الوطن نظريا و وتطبيقيا أي لا على مستوى الطرح والنقاش لا على مستوى التطبيق، فالمشاكل التي لطالما عانى منها التونسيون قبل الثورة كالفقر والبطالة والفساد تزداد تفاقما في غياب حلول إستراتيجية واضحة المعالم تعوض سياسات الترقيع والاقتراض والتوسل. 

كما أن السنوات الأخيرة كشفت عن مشاكل جديدة لها خطر كبير على المدى المتوسط والبعيد، كتدهور مستوى التعليم، وانتشار تعاطي المخدرات لدى المراهقين، والتعصب الديني، وارتفاع مستوى التداين هذا بالإضافة إلى أزمة المياه والأزمة البيئية وانتشار ثقافة التواكل والمطلبية.

صحيح أن المئات من الفضاءت الحوارية والآلاف من المقالات الصحفية تناولت هذه القضايا، إلا أن طرحها كان سياسويا بحتا لا يركز على الأفكار انما على الأشخاص، لا يرتكز على التحليل العقلاني انما على الشعارات والعواطف، فتكون المشكلة الأولى والأخيرة في أغلب الأحوال، هل الوزير الفلاني هو المسؤول عن الوضع أو أن الوزير الذي قبله هو الفاشل، هذا الطرح  ينطبق عليه قول المفكر الإيراني علي شريعتي:

إن أي قضية فردية أو اجتماعية، أدبية كانت أم أخلاقية أم فلسفية، دينية أو غير دينية تعرض علينا، وهي بعيدة عن “النباهة الإنسانية” و “النباهة الإجتماعية”، ومنحرفة عنهما، هي استحمار، قديم أو جديد1“. علي شريعتي

و من المؤسف أن هذه القضايا بدأت تختفي تدريجيا من الإعلام ما إن أخذت حكومة غير متحزبة مقاليد السلطة، رغم أنها لم تزد إلا تفاقما. 

إن المعضلات التي يواجهها وطننا اليوم خطيرة جدا وتستوجب الشروع في أقرب وقت في التفكير في حلول حقيقية. وإننا لو نبدأ هذه  هذه المرحلة اليوم، فلن تحل أغلب هذه المشاكل إلا بعد عشرين أو ثلاثين سنة، وكل يوم نضيعه في المهاترات والمشاجرات، هو يوم يخسره وطننا في سعيه إلى تجاوز ما فات، واللحق بركب الحضارة.

وحتما لن تسامحنا الأجيال القادمة إذا لم نستثمر نعمة الحرية في تعمير أوطاننا عوض تخريبها بأنانيتنا، و وسلبيتنا وسوء تدبيرنا.

هوامش
1- علي شريعتي: النباهة والاستحمار.