تقرير بقلم محمد سميح الباجي عكاز،

يوم الأربعاء الموافق ل18 مارس 2014 سيظلّ محفورا في ذاكرة التونسيّين وهو الذّي شهد أعنف هجوم إرهابي تعرفه البلاد منذ سنين و الأول من نوعه الذي يطال العاصمة تونس. الحصيلة النهائيّة حسب بلاغ وزارة الصحّة العموميّة كانت سقوط 23 شخصا وجرح 47 آخرين من السيّاح وعمّال المتحف الوطني في باردو.

الهجوم المفاجئ

البداية كانت بهجوم مباغت على حافلة للسيّاح عند منتصف النهار، لتتطوّر إلى تبادل لإطلاق النار بين المجموعة الإرهابية التي كانت تتكوّن، على ما يبدو، من شخصين و بين قوّات الأمن، أسفرت في البداية عن مقتل 7 سيّاح ومواطن تونسي في متحف باردو المحاذي لمجلس النوّاب.

تراجعت المجموعة الإرهابية إلى داخل المتحف حيث احتجزت طيلة ساعات عددا من الرهائن يقدّر عددهم بالعشرات حسب معلومات تحصّلت عليها نواة من إحدى العاملات في المتحف التي تأخرّت عن الالتحاق بعملها يوم أمس. وقد أعلمتنا هذه الأخيرة أنّ العاملين في المتحف فقط يتجاوز عددهم الخمسين فردا. كما أضافت أنّ  الاحتجاز تمّ على الأرجح بمبنى الإدارة. أمّا من نجح في الهروب من المبنى فقد تم اقتياده من قبل قوّات الأمن لاستجوابه. هذا وأفادتنا محدّثتنا بأنّ كاميرات المراقبة في المتحف لا تعمل بصفة منتظمة بالإضافة إلى ضعف التواجد الأمنيّ الروتينيّ هناك.

وحاصرت قوّات من الأمن والجيش والحرس الوطني والقوّات الخاصّة متحف باردو ومجلس نوّاب الشعب، وتمركز بعض القناصة على أسطح المباني المجاورة بعد أن تمّ قطع الطرق المؤديّة إلى المكان. 

عمليّة الحصار التي دامت لأكثر من ساعتين، شهدت موجة كبيرة من الإشاعات والأخبار الزائفة التي تناولت عدد المهاجمين وأزيائهم، حيث راجت في اللحظات الأولى للهجوم أنّ منفذّي العملية استعانوا بأزياء عسكريّة لتضليل قوات الأمن المتواجدة على عين المكان، في حين أثبتت الصور التي التقطت للمجموعة في ما بعد بالإضافة إلى شهادات العيان أنّ الإرهابيّين استطاعوا الدخول إلى المتحف بملابس مدنيّة عاديّة وفي غياب أيّ حراسة للمكان.

حرب الإشاعات التي تلاعبت بأعصاب الجميع، غذّتها حالة الارتباك التي بدت واضحة على وزارة الداخليّة، عبر ناطقها الرسمي محمد علي العروي، خلال الساعة الأولى، وهو ما ترجمته تصريحات هذا الأخير الذّي لم يستطع الإجابة عن أسئلة الصحافيين المتعلّقة بالعدد الجملي للرهائن وجنسيات السيّاح. وقد لوحظ تواجد الوزير لزهر العكرمي على عين المكان حيث كان على اتصال مباشر بالأمنيين المتواجدين في المنطقة.

وقد انتهت العملية بعد عدّة ساعات إثر اقتحام قوّات مكافحة الإرهاب للمتحف لتسفر في النهاية عن مقتل إرهابيّين، أمّا الضحايا فقد بلغ عددهم 23 من بينهم رجلا أمن، ومدني تونسي، في حين كان الباقون من السياح الألمان والبولنديّين والإيطاليّين والفرنسيّين واليابانيين والبلجيكيّين.

نواة التي كانت حاضرة على عين المكان طيلة عمليّة الحصار، رصدت حالة الفوضى التي أعقبت انتهاء العمليات، حيث توافد المواطنون على أسوار المتحف حتّى قبل إجلاء جثث الإرهابيين والضحايا. ممّا صعّب عمل الأطقم الطبيّة وقوّات الأمن والصحافيّين نظرا لحالة الإزدحام وإغلاق البوّابة الرئيسيّة للمتحف نتيجة التدافع وفضول الحاضرين من المدنيّين.

الصدمة

فريق نواة واصل متابعته لنتائج هذه العمليّة الأكبر من نوعها منذ شهور، وتنقّل لمعاينة الوضع في مستشفى شارل نيكول في العاصمة التونسيّة أين تمّ نقل الجثث والجرحى.
المناخ العام الذّي كان سائدا في المستشفى هو حالة من الصدمة والغضب الذّي كان يتزايد مع توافد سيارات الإسعاف الحاملة لضحايا الهجوم الإرهابيّ، وتعالي صياح خال الشهيد أيمن مرجان حاملا أبناء هذا الأخير.

منطقة 9 افريل بدورها تحوّلت إلى ما يشبه الثكنة العسكريّة إذ كانت التعزيزات الأمنيّة مشدّدة في محيط المستشفى وداخله خصوصا مع توافد بعض الدبلوماسيين من جنسيات الضحايا الذّي قتلوا أو جرحوا في هذه العمليّة الإرهابيّة، بالإضافة على وصول موكب رئيس الجمهوريّة الباجي قايد السبسي الذّي غادر بسرعة المستشفى بعد معاينة وضعيّة بعض الجرحى. كما رصدت نواة قدوم الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العبّاسي الذّي كان مرافقا بقوّة أمنية كبيرة منعت آيّا كان من الإقتراب منه، ليغادر هو الآخر المكان بعد عدّة دقائق.

بعض الوجوه السياسيّة كوزير الصحّة سليم العايدي ووزيرة السياحة سلمى اللومي الرقيق ورئيس مجلس النواب محمد الناصر والشخصيات الحزبيّة تحوّلت هي الأخرى لمستشفى شارل نيكول للاطلاع على وضعيّة الجرحى ومعاينة حجم الخسائر البشريّة التي نتجت عن هجوم متحف باردو.

كما توافد عدد من المواطنين على المستشفى ولكن تمّ منعهم من الدخول ليكتفوا بالتجمهر خارجا والتعبير عن صدمتهم ممّا حدث. احد الذّين تحدّث إليهم نواة كانت إمراة تجاوزت الخمسين من عمرها قدمت تلقائيّا للتبرّع بدمها والمساهمة في إنقاذ من سيحتاج لدمها من الجرحى.

هذا اليوم الأطول في تاريخ التونسيّين بعد عمليّة الشعانبي في شهر جويليّة الفارط، أبى أن ينتهي دون أن يخرج التونسيون في مسيرة جابت شارع الحبيب بورقيبة شارك فيها عدد هام من المواطنين بالإضافة إلى عدد من الأجانب في المساء ليعبّروا عن صدمتهم ممّا حدث وليعلنوا رفضهم للإرهاب وتضامنهم مع الضحايا الذّين سقطوا من الأمنيين والأجانب. هذه المسيرة أراد من خلالها المشاركون إيصال رسالة للأجانب والإرهابيّين مفادها أنّ الإرهاب لن يهزّ البلاد ولن يثني التونسيّين عن مواصلة حياتهم بشكل عاديّ، وأنّ البلاد بحاجة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى للوحدة والتجانس كما جاء في مداخلة عدد من المواطنين الذّين تحدّثنا إليهم. كما استطلعت نواة رأي عدد من الأجانب الذّين كانوا حاضرين والذّين عبّروا بدورهم عن صدمتهم واستنكارهم لما حدث، وأكدّوا أنهم لن يغادروا تونس ولن يخافوا من التهديدات ضدّهم لانّ ذلك سيعتبر نصرا للإرهاب.

هنّات بالجملة

التعامل الأمني مع العمليّة الإرهابيّة وإن كان حاسما وسريعا، إلاّ انّه ترك وراءه عددا كبيرا من الأسئلة تتمحور بالخصوص حول عمليات المراقبة والرصد لاستباق مثل هذه الهجمات، خصوصا وقد وردت سابقا تهديدات بعمليات إرهابية في تونس في تسجيل صوتي لونّاس الفقيه بتاريخ 17 مارس 2015 والذّي كان ناطقا رسميا لتنظيم أنصار الشريعة في تونس والذّي انتقل حسب ما أعلنه هذا التنظيم إلى سوريا للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلاميّة، إذ قال هذا الأخير حرفيّا “الأيّام القادمة حبلى بالأحداث التي ستتغيّر بها أحوال المسلمين في تونس”.

عمليّة التطويق والمراقبة هي الأخرى بدت متساهلة نوعا ما خصوصا وقد عاينت وسائل الإعلام تجمهر المواطنين على بعد أمتار من مكان الحادث خلال العمليّة وبعدها. هذا بالإضافة إلى ما تم اكتشافه في اليوم الموالي من اختباء سائحين وموظّف تونسيّ بقبو المتحف دون أن يتمّ التفطّن إليهم ممّا يدلّ على عدم حرفيّة عمليّة التمشيط وارتجاليّة التعامل مع ساحة الحادثة عقب انتهاء الهجوم والقضاء على الإرهابيّين.

كما تجدر الإشارة أنّ هذه العمليّة تمثّل نقلة نوعيّة في طبيعة العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأربع الفارطة، حيث تحوّلت العمليات إلى داخل المدن مستهدفة المدنيّين عكس الهجمات السابقة التي استهدفت فقط الأمنيّين والعسكريّين في المناطق الجبليّة.