drapeau-tunisie

بقلم مروى معلاوي،

تعالت الاصوات المنادية بضرورة المحافظة على نمط مجتمعي معيّن طيلة فترة الحملات الانتخابية بل وأصبحت هذه الفكرة بمثابة معيار يجب الاعتماد عليه لاختيار من يمثلنا في البرلمان ومن الاجدر برئاسة الجمهورية.

فتفاوت الاهتمام بهذه الفكرة بين مرور عرضيّ عليها من قبل الاحزاب اليساريّة وبين تركيز جوهري عليها في الحملة الانتخابية بالنسبة لحركة نداء تونس.

ويجدر التّذكير بأنّ “المحافظة على النّمط المجتمعي” قد اقترنت بفكرة “استرجاع هيبة الدولة” خاصة في علاقة بحملة الانتخابات الرّئاسية… فأصبحت ثنائية “النّمط والهيبة” شعارا اجوف يكاد يفتقر مردّدوه سببا غيره للاقناع بانتخاب مرشّحهم وحزبهم نظرا لافتقارهم لبرنامج سياسي واضح وعمليّ.

فالبلاد عرفت استقطابا ثنائيّا تمثّل في حزب حركة النّهضة التي عرفت تطوّرا ملحوظا في حملتها الانتخابيّة بل واحترفت تقديم مشروع فكري رجعي بنكهة عصريّة تواكب “النّمط” هي الاخرى.

في المقابل تركّزت حملة حزب حركة نداء تونس تحديدا على وعود تتعلّق بإصلاح اخطاء ارتكبتها الترويكا لا بإنجازات تجعل منها حركة جديرة بالانتخاب. فلا مميزات لهذه الحركة بالنّسبة للنّاخب باستثناء منافستها لحركة النّهضة او كما يحلو لقادة حركة نداء تونس القول “معارضتها لمشروعها الرّجعي”. معارضة لم تدم طويلا وانتهت بتحالف بين الحزبين بعد الانتخابات أسقط ورقة التّوت عن الجميع. نتحدّث عن انتخابات فاز فيها حزب حركة نداء تونس بالأغلبية في البرلمان ومرشحها الباجي قائد السبسي لرئاسة الجمهورية كتأكيد عن رغبة الاغلبية في المحافظة على “النّمط”.

ولسائل أن يسأل أيّ نمط دفعنا الغالي والنّفيس من أجل المحافظة عليه؟ وعن إذا ما كانت هناك فعلا تلك الهوّة الواسعة بين ما كان عليه المجتمع التّونسي وما أصبح عليه بعد ظهور الحركات الاسلامية على السّاحة؟ ألم تكن أرضية مجتمعنا بتلك الخصوبة الكافية ليسهل تعميق التّشدد فيه؟ يحقّ لنا نحن سكّان هذا الوطن وبعيدا عن النّرجسية التّشكيك فيما يُروّج عن تسامح مجتمعنا وتحرّره. كيف لمجتمع عنصري ذكوري لا وسيلة لديه غير العنف لفرض قيم يجب أن يشترك فيها الجميع أن يكون بهذا القدر الذّي يُروّج له من التّسامح والتّقدميّة؟ الواقع اليومي، الشّوارع، صالون الحلاقة، المخبزة، السّوق الأسبوعية، الحافلات، سّيارات الاجرة… كلّها تعجّ بأصحاب الافكار المتشدّدة منذ زمن بعيد. كلها تسقط ورقة التّوت عن “نمطنا الحقيقي” بعيدا عن زيف الومضات الاشهارية. كلّها تؤكد أنّ المجتمع التّونسي رجعي وإن تظاهر بالتقدميّة والتّحضّر، متعصّب وإن ادّعى التّسامح، ذكوري حتّى النخاع وله ما يكفي من ذلك لتبرير العنف الجسدي والجنسي ضد النّساء وإن افتخر في الاعياد والمناسبات بما انجزته المرأة التّونسية. هذه الاخيرة بدورها منقوصة الحرية والكرامة وإن احتفلت في كل ثالث عشر من شهر اوت بما منّت عليها مجلّة الاحوال الشّخصية من مكتسبات. نتحدّث عن مجلّة تنص في فصلها الثامن على ان أنّ الولي يجب ان يكون ذكرا.

كلّ هذه الآفات لم تنتظر حلول التّيارات الاسلاميّة لتتفشى وتطفو في شكل ممارسات أصبحت تعتبر عاديّة ومألوفة.

وما تشهده البلاد من سكوت عن ممارسات بوليسية مخالفة للقانون لم تنتهي لتعود ومحاولة تبريرها بشتّى الطرق، من تعذيب في السّجون، من تجريم كل حراك اجتماعي من قبل بعض من صنّفوا أنفسهم “بالديمقراطيين” قبل ان يصابوا بحمّى المحافظة على استقرار البلاد أو “الحكم”، من نبذ لسكان المناطق الدّاخلية وتخوينهم إذا ما طالبوا بأبسط حقوقهم، من تشويه للعمل النّقابي. هو الوفاء بعينه للنّمط المجتمعي التّونسي الاصيل. ف”الحفاظ على النّمط ” لا يكون بغير تجريد سكان هذا الوطن من مواطنتهم.