rarefaction-especes-animales-naturelles-Tunisie-big

بقلم محسن الكلبوسي، ترجمة غسّان بن خليفة

تقتصر الأنواع (أو الأجناس) التي سيتمّ التطرّق إليها في هذا المقال على الثديّيات والطيور الأرضيّة. لن يتمّ تناول الأجناس البحريّة إلاّ عرضًا، وعند الضرورة. وضمن الأجناس البرّية، سينحصر الحديث على الحضريّة منها بهدف محاولة الإلمام بأسباب نُدرتها، لأنّه يمكن أن تكون المخاطر المحيقة بالأنواع المهاجرة (الطيور) ذات أسباب غير محلّية.

معطيات تاريخيّة

وتتميّز الأنواع التي انقرضت، أو انحسر تواجدها خلال الحقبة الاستعماريّة، أساسًا بخاصيّة حجمها الكبير. تلك التي تمّ توثيق اختفائها هي المهَا، المها أبو حراب، الفهد، أسد الأطلس، الهرتبيس، والنعَام.

والأجناس التي تراجع عددها هي بالأساس غزال الجبل، أيل الأطلس، الحبارى والأروى المغاربي. والنوع الوحيد، من ذوي الأحجام الصغيرة، الذي نجا من هذا المصير هو حيوان القطّ المرقطّ (أو البجّ) الذي أدخل إلى الحديقة الوطنية بالفايجة في ثمانينات القرن الماضي.

كان الصيْد هو السبب الرئيس لاختفاء ونُدرة الأنواع المذكورة أعلاه. وتشير بعض الروايات إلى الضغط الهائل الذي تعرّضت له هذه الحيوانات في إفريقيا الشماليّة والعدد اللافت للحيوانات التي قُتلَت، خاصّة على يد عسكريين، خلال حملات صيدهم.

ولا شكّ في أنّ الأسلحة التي كانت بحوزة السكّان الأصليين وقتها لم تكن تسمح بالقضاء على الحيوانات بشكل مكثّف. جدير بالذكر أيضا أنّ الطرائد كانت تُباع في أسواق المدن الكبيرة، تحديدًا في تونس العاصمة، وبشكل أخصّ خلال فترة الخريف، التي تقابل وصول عدد كبير من الطيور المهاجرة.

مثّل تركُّز الاستعمار منعرجًا في الأنشطة الزراعيّة بدخول المَكْنَنَة وفلاحة أجزاء واسعة من أراضي البلاد. وهذا يفترض خاصّة استصلاح أراض لم تُفلَح من قبل بالوسائل المعتادة (الجرّ بالحيوانات والعمل اليدوي بالأساس). ونتج عن هذه الأساليب الجديدة بالخصوص تدمير مواطن سكن حيوانات وتغيير طبيعة العديد من المواقع التي لم يكن فيها ضغط بشري كبير (على وجه الخصوص جفاف المناطق الرطبة).

اتسّم تطوّر البلاد في العقود الأخيرة، بين أمور أخرى، باختفاء بعض أنماط العيش (الانتجاع)، تكثيف أنماط الاستغلال الفلاحي والتعميم شبه التامّ لاستعمال المبيدات الحشريّة في الإنتاج الزراعي المعيشي، تزايد الضغط على الموارد المائيّة عبر الصناعة كما عبر الفلاحة، تدمير المساكن الطبيعيّة بشكل واسع (السُهبُ على سبيل المثال) وتحويلها إلى أراض فلاحيّة. تتعرّض الفضاءات الطبيعيّة المتبقّية (خاصّة الغابات والمسالك) أكثر فأكثر إلى ضغط من قبل الماشية التي تضاعفت أعدادها في الأثناء. ما نتج عنه باطّراد تدهور جودة السكَن المتوفّر للحيوانات البرّية.

واقع الحال

هنالك ما يقال بخصوص وضع الأجناس المعلَن عنها في تونس، خاصّة وأنّه لم تُدلِ أيّ جهة مختصّة بموقفها من الموضوع. فالدفتر الوطني للأنواع البرّية، الذي أعدّته وزارة البيئة في محاولة لرصد حالة الحفاظ على الأنواع الطبيعيّة في تونس، لا يمكن اعتماده في العمل الحالي. وذلك بسبب عدم تطرّق هذا السجّل لمجمل السلالات المعلن عنها في تونس (أنظر مؤخّرًا في هذا الصدد الدراسة الوطنيّة حول التنوّع البيولوجي، لسنة 2008). لا يصمد هذا الدفتر أمام النقد.

إلى جانب الأنواع ذات الحالة التصنيفيّة غير المؤكّدة (مثل العديد من القوارض والسِنَّوْرِيّين، والتواجد الممكن للذئب الرمادي في تونس، الزُباَبَات…)، صار البعض منها أكثر نُدرة بالبلاد. يتعلّق الأمر أساسًا بالأجناس الليليّة التي تقلّ وتيرة ملاحظتها، أو تصعب بسبب خصوصيّة المناطق التي تُشاهَد فيها (الأماكن الوعرة، النتوءات، المساحات الصحراوية أو شبه الصحراويّة…). وتجدر الإشارة إلى أنّ عدم الإعلان عن عدد من الأجناس يعود بالأساس إلى قلّة، وربّما غياب ،الاستكشاف في العديد من جهات البلاد. هناك أمل في تحسّن هذه الأوضاع في حال اعتماد التقنيات التي ظهرت منذ حوالي ثلاثين عامًا (الرصد بالكاميرا…). وللأسف، لم يغيّر بعث العديد من مؤسّسات التعليم العالي في مختلف الجهات من واقع الحال، لأنّ الاهتمام بالعمل الميداني في تناقص، ولتطلبّه وسائل لوجستيّة لا تقدر هذه المؤسّسات على توفيرها. هذا فضلاً عن نقص المتخصّصين في هذه الأنواع.

الثدييّات

السفج من بين الأنواع الليليّة التي انحسر وجودها في الوسط الطبيعي، لمطاردتها في بعض الجهات لأسباب “علاجيّة”. تدهورت مواقع سكن هذا النوع، الذي يعيش في السُهُب والمناطق شبه الصحراويّة، إضافة للصيد المكثّف الذي يتعرّض إليه.
كذلك، حيوان إبن عُرس، هذا اللاحم صغير الحجم القادر على الوقوف على قدميه الأماميّتين. إذ صار تواجده نادرًا بسبب نُدرة توفّر فرائسه (القوارض بشكل خاصّ) ولتدمير مواطن سكناه.

Belette

إبن عُرس، صورة من الظهر. مصدر الصورة: محسن الكلبوسي

ويُصنّف الوشق كذلك في حالة حفظ غير مؤكّدة. إذ لم يُسجّل تواجده في تونس منذ سنوات عديدة، وإن كان الانتشار الجغرافي يمسح العديد من الجهات الغابيّة بالبلاد. تعود ندرة الإعلان عنه على الأرجح إلى ضعف في الاستكشاف. يعاني هذا النوع من تدهور مواطن سكناه، ومن ندرة فرائسه.

الأرنب البرّي، وقريبه جينيًا الأرنب الأوروبي هم ضحايا هذا الصيد المكثّف. يستوطن النوع الأوّل كامل البلاد، وتتواجد المجموعة الأكبر من الثاني في أرخبيل قوريا. تتعرّض الأخيرة إلى تهديد جدّي بسبب الصيد، لكن أيضًا بسبب قطيع من الماعز، أدخله البعض إلى الجزيرة، وبدأ في تغيير الوسط.

Lievre

أرنب الرأس. مصدر الصورة: محسن الكلبوسي

لا نملك أيّة معلومة حول حالة حيوان أرو كورسيكا، الذي أُدخل إلى جزيرة زمبرة منذ الستينات من القرن الماضي.

حالة مجموعات المها ليست معلومة كذلك، منذ أن احتلّ الإرهابيون جبل الشعانبي. تضمّ الساكنة الحيوانيّة للشعانبي جلّ الحيوانات الموجودة في تونس. ولا نعرف هل تفرّقت هذه الحيوانات على امتداد سلسلة جبال الظهريّة التونسيّة، أم أنّها كانت ضحايا المعارك التي شهدتها المنطقة.

ويعاني غزال الريم، الذي يسكن العرق الكبير، ضغطًا كبيرًا من صيّادي المناطق المحاذية للصحراء. يضاف إلى ذلك ظروف الجفاف الشديد السائدة في المساحات التي ينتشر فيها.

وكذلك صارت حالة الشيهم، أكبر القوارض في تونس، موضوع تكهّنات. إذ رغم انتشاره الجغرافي الواسع فإنّ تواجد هذا النوع يُعدُّ نادرًا جدًا، بسبب التدهور المستمرّ في مواطن سكنه ولكونه مطلوب للصيْد بالعديد من جهات البلاد.

Porc-epic

الشيْهم، صُوّر بحديقة حيوانات شننّي، ڨابس. مصدر الصورة: محسن الكلبوسي

سبق أن تمّ الإعلان بصفة مؤكّدة عن تواجد الضبع المخطّط، أكبر الحيوانات المفترسة في تونس، في جبل الشعانبي. إلاّ أنّ الأمر لم يعد كذلك بسبب ما يجري بالمنطقة (أنظر أعلاه). ومازلنا في انتظار تأكيد وجوده في بقيّة الجهات.

يعاني حيوان القُضاعة من تدهور جودة سكنه. ويحتاج انتشاره الجغرافي إلى عمليّة تحيين فيما تحتاج بعض مناطق عيشه إلى إعادة تأهيل. إذ تنحو إلى الاقتصار على حواجز السدود حيث يوجد ما يكفي من غذاء (السمك) وسكن آمن (شمال البلاد).

Hbtt-loutre

سكن حيوان القضاعة. مصدر الصورة: محسن الكلبوسي

الطيور

هناك نوعان يعانيان من ضغط مستمرّ: الحبارى والحجل البربري. طورد الأوّل، الذي يستوطن السُهُب شبه الصحراوية، طويلا من الصيّادين للحمه. وقد ضاعف ذيوع صيت لحمه المحفّز جنسيًا لدى أمراء الخليج من الضغط على المجموعات المتبقّية في تونس. ويعيد هذا الصيد الإستثنائي النظر في كلّ الجهود الوطنيّة للمحافظة على النوع، كما يفترض وجود تواطئات سياسية مع هؤلاء القتلة القادمين من زمن آخر. أمّا الحجل البربري فقد كان بشكل واسع ضحّية الصيادين المحلّيين، إلى درجة القضاء على العديد من تجمّعاته. كما يتمّ جمع بيضه عند العثور على أعشاشه في الطبيعة. ولا يوجد أّيّ برنامج لتربيته في أماكن محروسة من أجل إعادة توطينه في بعض المناطق، ممّا ينبئ بمستقبل مظلم لهذه الفصيلة.

تعاني فصيلة الحماميات أيضا من ضغط الصيد، سواء بالنسبة للجماعات المقيمة (الحمام الزاجل ويمامة النخيل بشكل أخصّ) أو تلك المهاجرة (الحمام البرّي المطوّق). ويتكثّف ضغط الصيّادين على هذين النوعين أكثر في فصل الصيف، تحديدًا في الفترة التي تسبق هجرة النوع الثاني، عندما يتجمّع أفراد السرب قبل الرحيل إلى مواطن عيشهم الخريفي بافريقيا. ونفس الأمر ينطبق على حمام الغابة، رغم تحديد مكانه وقلّة تواجده بالمناطق التي يسكن بسبب ضغط الصيد الهائل الذي يتعرّض إليه.

T-maillee

يمامة النخيل. مصدر الصورة: محسن الكلبوسي

تنتمي الطيور المُنشدة إلى سجل آخر، بما أنّها ضحايا صيّادين استثنائيين آخرين يبحثون عنها بنشاط. وقد نجحوا في القضاء على الحسّون الأوراسي، الذي كان قبل ثلاثين عامًا ساكنًا مألوفًا في حدائقنا وبساتيننا. كانت المرّات النادرة التي شوهدت فيها حيوانات في أماكن معزولة وبعيدة عن حضور البشر. ويبدو أنّ ضغط الصيد من أجل المرعى يتركّز حاليًا على فصيلتين: الحسّون الأخضر الأوروبي والكناري الأوروبي. وإذا لم يتمّ اتّخاذ أيّ إجراء ضدّ المخالفين فإنّه لا يجب أن نتفاجأ بتسجيل انقراض هذين الفصيلتين في وقت قريب.

وصار وجود فصائل أخرى في تونس نادرًا بسبب تدمير مواطن سكنها. يتعلّق الأمر تحديدًا بـ العقعق الأوروبي الذي لم يبق منه سوى بعض الجماعات في السُهُبُ السفلى. إذ أنّ تدمير السُهُب المليئة بأشجار العناب، التي كان يرتادها الطائر أثّر على وجوده في العديد من المناطق التي كان يتواجد فيها خلال القرن الماضي.

Pie-bavarde

العقعق. مصدر الصورة: محسن الكلبوسي

ومن بين الأجناس التي تعاني من ضغط الصيد، يمكن إضافة بعض طيور الماء المستقرّة، تحديدًا الغرّة، دجاجة الماء والبطّ البرّي المطاردة من الصيّادين على امتداد السنة. وإلى جانب ضغط الصيد، تعاني هذه الفصائل من تدمير سكنها وتراجع جودته.

الخاتمة

قائمة الأجناس المقدّمة أعلاه ليست شاملة، ولم يتمّ ذكر العديد من الأجناس الأخرى لعدم إثقال النصّ، وكذلك بسبب غياب المعلومات الموثوقة.

من البديهي أنّه يجب اتّخاذ بعض الإجراءات العاجلة من قبل المؤسّسات المعنيّة، تحديدًا التصدّي للصيد المكثّف والصيد غير المرخّص. يجب كذلك مراجعة وتحيين حالة الحفاظ على مجمل الأجناس المسجّل وجودها في تونس. تنقصنا كذلك متابعات ميدانيّة مستمرّة لمجمل الأنواع التي تحتاج المتابعة.

يجب بعث برامج تكوينية للصيّادين. يجب كذلك تطوير الهياكل المعنيّة بهذا المجال. من ذلك التكوين المتواصل لحرس الصيد، بما يسمح لهم بتطوير أساليب عملهم وتعلمّ تقنيات جديدة لجرد ومتابعة الحضور الحيواني بالوسط الطبيعي المكلّفين بحمايته.

مؤسّسات التعليم العالي والبحث العلمي مدعوّة أيضا لتكوين كوادر كفؤة وناجعة في مجال جرد مختلف المجموعات الفقاريّة التي تعيش في الأنظمة البيئية الطبيعية المتنوّعة الموجودة في تونس.

يجب وضع برامج للحفاظ على بعض الأجناس في مواطن عيشها. كذلك يجدر العمل على الإمساك بأجناس الطرائد وتوليدها، ثمّ إطلاقها في الطبيعية (إعادة توطين). يمكن تمويل هذه البرامج من قبل جامعات الصيّادين الموجودة.

ويجدر بمنظمات المجتمع المدني المساهمة في تكوين الجمهور وتحسيسه بخصوص ضرورة الإلمام بثرواتنا الطبيعيّة الحيّة من أجل الأجيال القادمة. إذ لا نريد أن يصير ربيعنا أخرسًا وأن تفرغ أريافنا من كلّ حياة!