جدارية لزواولة

جدارية لزواولة

كلما قبض على أحد الناشطات/النشطاء وتحركت حملة للدفاع عنه، تتحرك حملة في المقابل لل”تشهير” بنخبوية هذه الحملة وعدم رغبتها في الدفاع عن “أبناء الشعب” الذين يعانون نفس المظالم دون أن تتحرك من أجلهم الأقلام والأصوات للدعم والمساندة.
وجب التفريق قبل كل شيء الفرز بين بعض التعميمات التي نطلقها جزافا حتى لا تختلط الأمور علينا وتضيع المعاني.

فالنشطاء لفظ عام يحوي داخله تنوعا كبيرا من الفاعلين الذين تختلف أشكال الحشد والمساندة لهم وفيما بينهم بشكل كبير. وإن إعتبرناهم ناشطين بشكل أو بأخر في الحقل السياسي فإن منهم من يحتل مركزا مهيمنا ومنهم من يحتل موقعا بينيا ومنهم من يمثل هوامش الحقل.

يمكن أن يكون النشطاء المعنيون بالانتهاك من المنتمين أو المقربين من دوائر التأثير النهضاوية مثلا، عندها فإن آلة محددة دون غيرها ستنتفظ نصرة لهم وهي عموما آلة نافذة في كل دوائر السلطة، لذلك تجدها تتحرك أولا بشكل مباشر لدى السلط المعنية وإن لم تنجح العملية فإنه يتم دمجها بالحشد “الشعبي”.

إن كان النشطاء المعنيون من المقرببن من النداء وما لفّ لفه، فإنك تجدهم يحتمون أساسا بالتحركات المباشرة في اتجاه السلطة وإن لم تكفي فيعاضده لوبي “الإعلام المستقل الرسمي” ذي التأثير القوي جدا.
أما النشطاء المقربون من الجبهة فإن النصرة تأتيهم من بعض من هذه الدوائر مشتركة (السلط، الإعلام، الحشد الشعبي) لكن بدرجة ضعيفة في منها.

يبقى نوع أخير أساسي من النشطاء/الناشطات الهاميشيين والذي يتمثل في الدائرين (أفرادا وتنظيمات) خارج فلك هذه القوى الثلاثة الكبرى عبر تكتلات صغيرة بينية، ويفتقد هذا النوع من النشطاء نسبيا إلى التأثير الإعلامي والرسمي. ورغم الاقرار بأن هذه الفئة أيضا تختلف فيما بينها بدرجة “الإعتراف” (إعلامي أساسا) وقوة العلاقات مع بقية الأطراف الأكثر تأثيرا في هذه الفئة من النشطاء (مع أخذ تناقضاتهم الداخلية بعين الإعتبار) ومع القوى الموجودة في دوائر الهيمنة، فإن تأثيرها على دوائر السلطة والإعلام يبقى دائما فعلا غير مباشر ونتيجة لتعاضم الحشد الشعبي (في شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية أو/و في المجتمع المدني والسياسي أو/و في الساحات النضالية التقليدية أحيانا…).

أكثر الشبكات التي تتعرض لتهمة “النخبوية” هي شبكة النشطاء الهامشيين. ويمكن تفسير ذلك بأنها الوحيدة التي تخوض معارك الحشد دفاعا عن الأشخاص بوصفهم أشخاصا بعيدين عن الاستقطابات المختلفة. كما أنها شبكة هشة كمكوناتها، معرّضة بشكل مفتوح إلى النقد عكس الشبكات الحزبية والمصلحية والتي تختفي خلف طبقات من الأغطية القانونية والشرعية والسياسية والرياضية وغيرها.

يتحرك هؤلاء النشطاء كل ما تعرض واحد منهم لمظلمة قانونية في شبكات التواصل الاجتماعي ويحاولون أيضا أن يتحولوا إلى حراك شعبي في الشارع لكن دون نجاح يذكر في غالب الأحيان. ويمكن أن نجزم بأن هؤلاء النشطاء يدافعون عن أنفسهم عندما يدافعون عن بعضهم البعض، خصوصا بوعيهم بغياب هياكل وقوى نافذة تدافع عنهم بشكل صريح، وهو ما قد يفسر كفاحيتهم في الدفاع عن نفسهم قبل كل شيء.

وتلخص حملات مساندة هؤلاء النشطاء معنى النجومية في الحقل الحقوقي. إذ أن المحددات الشخصية لهؤلاء الأفراد تجعل الدفاع عنهم أمرا مقبولا من فئات متعددة عندما تصبح حملة المساندة قوية. إذ أن هؤلاء النشطاء/الناشطات يتميزون عن غيرهم من النشطاء الذين سبق ذكرهم (المرتبطين بالثلاث تجمعات الحزبية الكبرى) باستقلاليتهم السياسية وهي عنصر محدد في تحييد عديد الاعاقات التي قد تمنع طيفا واسعا من المهتمين بالشأن العام من مساندة غيرهم. كما أن تأثيرههم الرمزي بوصفهم ممن ساهموا بنشاط (وبشكل مرئي ومعترف به في جل الدوائر خصوصا) في الحراك الثوري. إن أضفنا إلى هذا إشعاع هؤلاء الأفراد على صفحات التواصل الاجتماعي وقوة حلقات الدعم من بقية النشطاء فإن مساندتهم تتحول إلى ظاهرة عامة تفرض على الصحافة (جزء صغير عبر إيمانه بعدالة قضيتهم) التي تبحث عن المواضيع التي تثير الناس (أو قد تثيرهم) ومن بعدها على منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية أن تتفاعل.

أما فشلهم في الدفاع عن بقية المعنيين بقضايا مماثلة لقضاياهم (قانون 52، الفصل 230، الفصل 128…) فيعود تقريبا إلى نفس الأسباب التي أدت إلى فشل الحركة الديمقراطية في أن تتحول إلى قوة اجتماعية فعلية وهي أسباب يطول شرحها.

لكن تحميل هؤلاء النشطاء مسؤولية بثقل مسؤولية الأحزاب أمر غير معقول، فهي حلقات صغيرة لا تتعدى دور تنظيمات الدفاع الذاتي حاليا. ويمكن تلخيص النقد الموجه لهؤلاء النشطاء في ثلاث انواع كبرى:

  1. نقد النشطاء الهامشيين داخل هذه الحلقة الهامشية: وهم نشطاء لا يحسون بقوة دعم هذه الشبكة لهم، أي أنهم معنيون بشكل مباشر بما يعانيه الغير نشطاء من ضحايا الانتهاكات القانونية والبوليسية وهم الأقرب إلى تقديم أطروحات جدّية نتقد نقائص عمل شبكات النشطاء دون السقوط في الرغبة في تدميرها لأنهم معنيون بدوامها بشكل أو بأخر.
  2. نقد المتأثرين/المقربين بأحد دائرتي السلطة الكبيرتين (إعلام/جهاز دولة) وهو نقد يخوض صراعا سياسيا مفتوحا مع هؤلاء النشطاء دفاعا عن نفسه كتواصل لشبكاا وبنى سلطوية مهيمنة في المجتمع. ويعتبر نقد المنتمين إلى هذه الفئة على تنوعاته نقد نفي.
  3. نقد المنتمين لفئات إجتماعية هامشية خارج الحقل السياسي، مهددة بهذه القوانين التعسفية والتعرض لنفس المظالم، والذين تبنوا بشكل شبه عفوي خليطا من خطاب الفئتين السابقتين مع هيمنة واضحة لخطاب الفئة الثانية (طبعا في مسألة نقد النشطاء فقط).

ما يعنيني هنا هو خطاب هذه الفئة الاخيرة. فهي فئة مازالت تستبطن في داخلها القناعة بعجزها عن المقاومة الذاتية والتريدينيونية، وبقائها في وضعية بلادة مواطنية، أي في وضعية سلبية من الفعل المواطني والدفاع الجماعي عن النفس. فتجد أشكال مقاومتها تندرج في إطار مشاريع جماعية اخرى لا تتبنى صراحة مطالبها الجزئية. وتجد هذه الفئات تبحث، عبر خطاب هجومي عنيف على شبكات النشطاء الهاميشيين، عن دفع هذه الشبكات لتبني مطالبها. وهنا تكمن المفارقة، إذ أن هذه الفئات الاجتماعية الهامشية تشعر رغم كل شيء بأن شبكات النشطاء هم أقرب من في الحقل السياسي إليها. ورغم فشل هذه الشبكات في التعبير عن هذه الفئات فعليا فإنها تحتفظ ببعض الأمل في أن يعبوروا عنهم يوما ما خصوصا وأن هؤلاء النشطاء قد نجحوا في دفاعهم عن أنفسهم وحققوا مكاسب وهو رمزيا شيئ ليس بالهين في ظل تقهقر الحراك الاجتماعي الشعبي.

هذا لا يعفي هؤلاء النشطاء من مسؤوليتهم في دعم ومساندة الحركات الاحتجاجية وهي مسؤولية متأكدة، لكن المهم أن نخرج من عقلية استبطان عجز هذه الفئات والإيمان بقدرتها على الفعل والمقاومة وهي التي فعلت سابقا وستواصل ذلك في المستقبل.

يبقى المطروح اليوم على هذه الفئات أن تخرج من وضع البلادة المواطنية هذا، وتتوصل إلى تنظيم مطالبها والتحول إلى حركات احتجاجية وإلى حركات دفاع ذاتي مما سيدفع بهؤلاء النشطاء إلى تغيير مواقعهم وتغيير استراتيجياتهم النضالية نحو الانفتاح على فئات اجتماعية أرحب. كما أن هذه الفئات قد راكمت في السنوات الفارطة تجربة نضالية لن تذهب سدى رغم الركود الاجتماعي الحالي ولها من الامكانيات الذاتية كما وكيفا ما يؤهلها لقيام بذلك، وقد تكون عودتها إلى الساحة إعلان عن إنطلاق حركات احتجاجية أكثر عمقا وجذرية منها.