jemna-09-oct-16-3

تبدو جمنة ملحمة واقعية، إنك تدخلها و هي تلك البلدة/القرية المتوسطة بين قبلي و دوز. تدخلها و أنت لا تعرف الكثير عنها معايشة و معاشرة، لذلك يكون الإلتقاء بأبناء جمنة و معهم، حتى لا نقول الأهالي و الأهالي هنا إصطلاح إستعماري إستعمله الباحثون التابعون لجيش الإحتلال الفرنسي الذي سعوا لتطويع المجتمعات و المحلية و إخضاعها و قد ورثت دولة الإستقلال المفترض نفس الشحنة المعرفية و الخطابية تجاه مواطنيها المفترضين. دخول جمنة طقس مقدس، إنه الوقوف على حدود الكرامة، و الكرامة من شعائر الإنسانية العظيمة.

يبدو لكم هذا النص، هنا و أنتم تقرؤنه الآن، غريبا. نعم هو كذاك. أعلم. لا بأس. فحتى أنا و عند دخول حدود الكرامة و تجاوزها نحو جمنة لم أستطع ممارسة أي فعل بداية سوى البكاء و البكاء، الرقص و الرقص. ربما لأن قداسة المقام متجاوزة لأي مقال أو كلام. و حتى لا أتطرف و أشطّ في النص و أعلم أني أفعل، كيف يمكن فهم و قراءة جمنة كفعل خارج التوافقات السياسية الكبرى كوعي ممارس و فق مقتضيات مسار 17 ديسمبر 2010.

تجاوزت جمنة الصراع داخل الكهوف و القلاع الأديولوجية و قدمت إجابة واضحة أمام إرتباك الحزب و النخبة و الجماعة و تهافت الدولة، أمام هجومات النيوليبرالية المتوحشة. الدولة و النخبة و الحزب و الجماعة جميعهم عراة أمام جمنة، جمنة تكشف سوءاتهم. دولة ستين عاما من ”الإستقلال“ و أكثر تتوعد و تهدد قرية في أقاصي الجنوب الغربي على أبواب الصحراء عندما تمسّك أبنائها بالبقاء بالعيش بممارسة الكرامة بالحياة وفق متطلبات الثورة، ثورة الحرية و الكرامة. دولة ستين عاما من ”الإستقلال“ التي مارست الإقصاء و الإستبعاد في مواجهة هذه القرية و غيرها من قرى و بلدات هذا ”الوطن“، و لما قرر أبناء قرية جمنة ممارسة الكرامة تقف الدولة و كل أبواقها و أجهزتها و وزرائها و كلاب حراستها من نخب الإلتفاف السياسي على مسار 17 ديسمبر 2010 في مواجهة قرية قصية عصية على الإخضاع و التركيع.

إستردّ أبناء جمنة منذ 12 جانفي 2011 هنشير ستيل/المعمر و هو واحات نخيل تحوي عشرة آلاف و ثمان مائة شجرة نخيل و غرسوا به ألفين فسيلة من النخل، تتم إدارة هذه الواحات من خلال جمعية حماية واحات جمنة التي مثلت إستمرارًا للجنة حماية الثورة بجمنة، تدير الجمعية منذ خمس سنوات هنشير المعمر/ستيل بشكل تشاركي و من خلال تسيير ذاتي محلي أنهى حالة الفساد و إهدار المال العام لصالح الربح الخاص الفردي و العائلي و الطبقي. من خلال عشرة آلاف و ثمان مائة شجرة نخيل تمكنت جمعية حماية واحات جمنة من إقامة و إحداث مشاريع تنموية بالمنطقة و دعم المؤسسات العمومية من مرافق تربوية و تنموية و الجمعيات الخيرية و الثقافية و المعنية بذوي الإعاقات إضافة إلى العمال القارين الذين يشتغلون بالهنشير. أنهى بذلك أبناء جمنة الحصار و الإذلال الذي مارسته الدولة لمدة أكثر من ستين عاما عندما حلت محل نظام الإحتلال الفرنسي و افتكت الهنشير و تحيلت على أبناء المنطقة في مبلغ أربعين ألف دينار في فترة الستينات ثم إنتصبت شركة ستيل مستغلة للهنشير حتى أفلست و أحاله النظام لمستثمرين خواص بمعلوم كراء مخجل لا تقارن مع مردوديته الحقيقية دون إستفادة الدولة و لا أبناء المنطقة من الموارد التي يحققها الهنشير.

تمكنت جمعية حماية واحات جمنة من تحرير هنشير ستيل/المعمر من سيطرة جشع الناهبين الخواص الذين مارسوا النهب تحت رعاية الدولة نحو تكريس إدارة و توظيف موارد الهنشير لصالح المصلحة العامة للمجتمع المحلي و ضدّ هيمنة منطق الربح الخاص الذي يغتصب الموارد لصالحه.

في مسرحية ”عمار بزور“ يصيح الشخصية الرئيسية عمار ”مازلتو تخافو من الجدرمية“ (جنود الإحتلال الفرنسي)، ما حدث في 12 جانفي 2011 و ما تلاه في جمنة أنهى اكثر من ستين عاما من هيبة دولة ترعى الفساد و نهب ثروات المجتمع، و بذلك أنهى مقولة أن التنمية لا يمكن خلقها إلاّ بالإستثمار الخاص و تحت رعاية النيوليبيرالية المتوحشة، جمنة قدمت الحلّ/البديل واضحًا أمام تآكل الدولة وأمام تمدّد القطاع الخاص و الإستثمار الذي يغتصب حق المجتمع في الإستفادة من ثراوته.
قدمت جمنة شعارات مسار 17 ديسمبر 2010 ; ”التشغيل إستحقاق يا عصابة السراق، الأهالي جاعت و الأراضي تباعت، شغل حرية كرامة وطنية“ كممارسة واقعية في ارتباط وثيق بمحورية المجتمع المحلي في إشعال الحراك الثوري و دوره في تقديم البديل لدولة ينخرها الفساد، مرتهنة لرأس المال الذي يمارس التدمير و الإستنزاف المتواصل لثروات البلاد و الجماهير، جيلا بعد جيل.
جمنة ليست النهاية، جمنة بداية، و السيروة مستمرة…