ومثلما هو حاصل في الديمقراطيات العريقة، تعتبر حصيلة حكم الرئيس المنتهية ولايته والحكومات المرتبطة به ومدى تقيّدهم بأولويات الدستور وضوابطه، من أهم المواضيع التي يتّم تداولها تقييما وتحليلا في إطار الحملة الانتخابية حتى يتسنى إنارة الرأي العام ومساعدة الناخبين على تحديد موقفهم من أداء الحكومات المتتالية ومحاسبتها على اخلالاتها فضلا عن استيعاب البرامج المعروضة عليهم من قبل المترشحين المتطلعين لنيل ثقتهم.

تعدد الترشحات في ظل غياب التعددية السياسية والبدائل الاقتصادية والدبلوماسية

على خلاف ما سبق ذكره، غابت عن الحملة الانتخابية  التعددية السياسية والبرامج القائمة على تقييم شامل وموضوعي لمرحلة ما بعد الثورة في جوانبها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية مثلما غابت عنها رؤية مستقبلية واستشرافية متكاملة لمستقبل تونس تستند إلى قراءة استراتيجية للمخاطر المحدقة بها ودراسة علمية لأوضاعها السياسية والاقتصادية المتدهورة وللمستجدات الحاصلة في علاقاتها بمحيطها الإقليمي في ظل التحولات الجغراسياسية على الصعيد الدولي. وإذا استثنينا ما ورد في برامج بعض المرشحين المستقلين الذين حاولوا الارتقاء بمستوى الحوار واثبتوا قدرتهم على إدراك خطورة الرهانات وطبيعة التحديات المطروحة على تونس في ظل الاقتصاد المعولم فان الحملة الانتخابية كانت عموما مخيبة للآمال. حيث غابت الخطط الاستراتيجية المتكاملة لإعادة التوازن المختل إلى علاقاتنا الخارجية مع فرنسا والضفة الشمالية بسبب انعدام القدرة على الربط بين أوضاع تونس المتردية والاختلالات في موازين القوة الدولية المرتبطة بإكراهات العولمة.

وتجدر الإشارة إلى التوجه الإعلامي المدروس لبعض القنوات الخاصة التي تجنبت طرح القضايا الهامة واوغلت في التحيز لبعض المرشحين المدعومين داخليا وخارجيا فضلا عن تضليلها المتعمد للرأي العام وذلك من خلال التركيز على مسائل جانبية وعلى الصراعات صلب مختلف التيارات السياسية المشاركة وعلى رأسها الائتلاف الحاكم المنقسم على نفسه بعد سقوط الأقنعة وانكشاف هشاشة “التوافق” المغشوش صلب الحكومة. وقد زاد هذا الانشقاق في إضعاف من يدّعون انتمائهم إلى العائلة الديمقراطية الحداثية والحال أنهم تفرعات لحزب التجمع المنحل المُمثّل بما لا يقل عن سبعة مرشحين منحدرين أو متفرعين عن حزب نداء تونس.

واللافت ان المنتمين الى الكتل الحاكمة المتناثرة يتقاسمون الخوف من خسارة رهان البقاء في الحكم في ظل تشتت نوايا التصويت وتدني حظوظهم في عمليات سبر الآراء جراء حصيلتهم الكارثية وذلك رغم الدعم الذي يحظون به من جهات اجنبية ومحلية مقابل الخدمات الجليلة المقدمة لها من داخل السلطة. وتعمل هذه الأطراف وخاصة منها فرنسا على توظيف نفوذها وحضورها شبه المُعلن في المشهد الانتخابي التونسي للدفع باتجاه بقاء حلفائها بالسلطة وتعزيز حضورهم صلبها بهدف الحفاظ على نفس التوجهات الاقتصادية والخيارات الدبلوماسية التي تبناها الائتلاف الحاكم منذ سقوط النظام السابق خاصة فيما يتعلّق بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي والكتلة الغربية عموما. ولا شك ان الهاجس الأول لهذه الأطراف الخارجية هو استكمال ما تحقق لها من مكاسب كبيرة في هذا الاتجاه منذ انتخابات 2014 وغلق المجال امام المرشحين الوطنيين القلائل الذين يطرحون قضية الهيمنة الفرنسية الأوروبية ويطالبون بإعادة النظر في الاتفاقيات والأطر الإستراتيجية والقانونية المنظمة لهذه العلاقات غير المتكافئة وذلك استنادا إلى خطورتها وحصيلتها المدمّرة للمصالح التونسيّة.

والغريب في الامر ان شراسة المعركة صلب المنتمين الى مجموعة الأحزاب الحاكمة لا تُعزى إلى خلافات في الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية ولا تتعلق أيضا بالنتائج القاتمة لفترة حكمهم بل تُعزى بالأساس، على ما يبدو،  إلى خشية بعض هذه الأطراف من تبعات مغادرتها المحتملة للسلطة التي تحولت بالنسبة اليها- ولأسباب مختلفة- إلى حصن حصين يقيها من المحاسبة التي تلوح بها بعض أحزاب المعارضة أو بعض المرشحين الذين تعهدوا، في حالة فوزهم، بتفعيل صلاحياتهم للتسريع بالفصل في قضايا ذات صلة بالإرهاب والاغتيالات السياسية والأمن القومي وهي من الملفات الحساسة التي كان الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي قد تعهد بحلها ولكنّها ظلت متعثّرة رغم إثارتها من جديد في آخر عهدته الرئاسية.

وفي الجهة المقابلة تتقدم الكتلة المنتمية الى اليسار الديمقراطي لأول مرة الى المنافسة وهي منقسمة في اعقاب انفجار ائتلاف الجبهة الشعبية الذي كان يتميز بانسجامه النسبي وعدم تورطه في السلطة فضلا عن مواقفه النقدية ومعارضته الجدية لسياسات الائتلاف الحاكم بالنسبة للملفات الكبرى المشار اليها. لكن يُخشى على رصيده وحظوظه الانتخابية الرئاسية والتشريعية من تبعات انقساماته. مما قد يؤدي إلى تراجع التعددية السياسية بتونس في المستقبل بفعل عودة المال الفاسد والتمويلات المشبوهة المتدفّقة بسخاء من الخارج ومن قطاع المال والأعمال الساعي للتموقع بقوة صلب المشهد السياسي وداخل البرلمان. حيث اثبت قدرته على التأثير في السياسات الاقتصادية الحكومية بما يخدم مصالحه.

وهكذا يتضح أن كثرة الترشحات لا تعكس تنوّع الخيارات المتاحة للناخب التونسي بل هي محاولة لإغراق المشهد السياسي بالمرشحين المنتمين إلى السلطة أو القريبين من خطّها السياسي والاقتصاديّ، وذلك سعيا لمنع أي تداول سلمي حقيقي وجوهري على الحكم تتولى بموجبه قوى وطنية السلطة بناء على  خيارات إستراتيجية جديدة تؤدي إلى مراجعة جذرية للسياسات التي أوصلت تونس إلى هذه الأوضاع المأساوية.

ولا شك ان كسب الرهان الديمقراطي بتونس يكمن اليوم في القطع نهائيا مع منظومة اقتصاد السوق والتبادل التجاري والاقتصادي والبشري المختل الذي فرضته الكتلة الغربية منذ مطلع الثمانينات كنمط وحيد لإدارة العلاقات الاقتصادية الدولية بقطع النظر عن التفاوت في مستويات التنمية مما أدى الى ضرب الأركان الأساسية للديمقراطية والعدالة عبر العالم.

ومساهمة في إنارة الناخب التونسي ومساعدته على تحديد موقفه من المترشحين بناء على معطيات موضوعية نقترح فيما يلي قراءة لحصيلة حكم الرئيس الراحل والحكومات المرافقة له بخصوص التوجهات الاقتصادية والخيارات الدبلوماسية والأمنية الكبرى التي كانت في واقع الأمر امتدادا لسياسة النظام السابق بحكم الشروع فيها منذ مطلع التسعينات، وقد حرصت القوى العظمى على الحفاظ عليها بعد اندلاع الثورة وهو ما تم بالفعل في ظل حكومات الترويكا وكذلك بعد انتخابات 2014.

الحصيلة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لفترة حكم الرئاسة المنقضية

من ضمن القضايا السجالية والخلافية المثارة أثناء الحملة الانتخابية، برز موضوع تنقيح الدستور في جوانبه المتعلقة بالنظام السياسي وتوزيع الصلاحيات في اعلى هرم السلطة مع الإشارة إلى أنّ الرئيس الباجي قائد السبسي كان  من أشدّ المنتقدين للدستور وطالب في عديد المناسبات بتنقيحه، وقد أوضح مآخذه في حديث صحفي مطول صادر بتاريخ 6 سبتمبر 2017 بجريدتي الصحافة ولابراس حيث اعتبر أنّ النظام السياسي الحالي يشلّ العمل الحكومي ولا يمكّن من ضمان التنمية واستقرار الدولة بسبب تداخل الصلاحيات بين المؤسسات وتضخّم السلطات الموكولة للهيئات المستقلة ممّا يجعلها قادرة على تحدّي سلطة الدولة إلى درجة تهديد وجودها. وقد يكون هذا الموقف من الأسباب الرئيسة في تعثّر إرساء المؤسسات الدستورية مما حال دون إيجاد الآليات الرقابية والتعديلية الضرورية لصيانة الحقوق العامة والحدّ من استشراء الفساد داخل مفاصل الدولة والتصدّي لتجاوزات السلطة التنفيذية التي عادت الى ممارسات النظام السابق بما في ذلك التدخّل في شؤون القضاء وتوظيف الأجهزة الرسمية لخدمة المصالح الشخصية والحزبية.

لكنّ حقيقة الأمر تكمن في أنّ الرئيس الراحل كان يتطلّع على الأرجح للعودة إلى النظام الرئاسي ممّا دفعه إلى البحث عن توسيع دوره السياسي بدلا من التقيّد الحرفي بنص الدستور في مجال اختيار رئيس الحكومة وطريقة إزاحته من السلطة. ومن نتائج ذلك اللجوء الى أسلوب الحكم التوافقي مع النهضة وبلورة آلية “وثيقة قرطاج” الأولى والثانية مما أثّر على الاستقرار الحكومي وأفضى في النهاية الى المأزق السياسي الناجم عن الصراع بين الرئاستين على السلطة. وفي المقابل لم يتدخل رئيس الدولة في بعض الملفّات الحسّاسة من قبيل التهديدات المتصلة بالعلاقات المختلّة مع الاتحاد الأوروبي والحال أنّها تمسّ من صميم الأمن القومي التونسي مثلما هو الحال بالنسبة لمخاطر المديونية المنفلتة والتدخلات الخارجية في شؤوننا الداخلية وكلها قضايا مفصلية متصلة بصلاحياته الحصرية في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلّق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الخارجية والداخلية.

ولعل من اهم القضايا الدبلوماسية التي ميّزت فترة حكم الرئيس الراحل، المفاوضات التي انطلقت في أكتوبر 2015 بخصوص اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي علما أنّ إدارة المفاوضات تُركت لرئاسة الحكومة التي تعاملت مع الملف باعتباره مجرّد اتفاق تجاري ثمّ تمّ توظيفه لاحقا لأغراض انتخابية من قبل رئيس الحكومة يوسف الشاهد في إطار صراعه على السلطة للوصول لرئاسة الجمهورية. وقد بلغ هذا التوظيف حدّ إبرام الصفقات مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع التي قايضت مساعداتها المالية ودعمها السياسي في الانتخابات بإعطاء الأولوية المطلقة لتمرير الآليكا خلال 2019. وهو ما تمّ تقريبا من خلال ادماجها بسلسلة من القوانين التّي اعتمدت على عجل وآخرها القانون الافقي للاستثمار.

والملاحظ أن هذه المفاوضات كانت تكتسي منذ البداية طابعا استراتيجيا ومصيريا بالنسبة لتونس ولمستقبل علاقاتها بالضفة الشمالية للمتوسط فضلا عن ارتباطها الوثيق بالتدهور الخطير للأوضاع الاقتصادية بتونس بعد اندلاع الثورة مثلما بيّنه بجدارة الخبير الاقتصادي جمال العويديدي في دراسة شاملة صادرة في العدد 180 لأسبوعية الشارع المغاربي. وبالتالي يمكن اعتبار أنّ تعهد رئاسة الحكومة بهذا الملف، كان مخالفا للدستور وتحديدا لفصله 92 الذي يحصر اختصاص رئيس الحكومة بالنسبة للاتفاقيات مع الأطراف الخارجية في ابرام “الاتفاقيات ذات الصبغة الفنية” وهو ما لا ينطبق على الآليكا المتفرعة عن شراكة “دوفيل” المندرجة في إطار مسار برشلونة المتعدد الأبعاد؛ (الاقتصادية والأمنية والسياسية) الذي كان يهدف لإرساء فضاء متوسطي للسلم والامن والتنمية المتبادلة بين الضفتين.

على هذا الأساس يجوز لرئيس الجمهورية القادم استعادة هذا الملف وإعادة النظر كليّا في الأطر القانونية والاتفاقيات المنظّمة لعلاقاتنا مع أوروبا وما يتّصل بها من قوانين وبرامج تم ابرامها مع صندوق النقد الدولي خاصة وأنها تتعارض نصا وروحا مع الدور الموكول للدولة في الدستور الجديد في مجال الدفاع عن السيادة واستقلالية القرار الوطني وحسن التصرف في الثروات الباطنية والموارد البشرية وغيرها من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، ومنها      أولويّة إدماج تونس في محيطها العربي الإسلامي.

إجمالا فإن قضية تفعيل الدستور بكافة جوانبه ومكوّناته، خاصة المتعلقة منها ببرنامجه الاقتصادي والاجتماعي ومشروعه المجتمعي وتوجهاته الدبلوماسية، تُعدّ من الرهانات الكبرى المطروحة على الرئاسة المقبلة التي يمكنها، استنادا الى هذه الأسس المرجعية الدستورية، بلورة نمط تنموي جديد يقطع مع سياسة التبعية والارتهان الى الخارج المفروضة على تونس من خلال ادماجها منذ عقود في منظومة اقتصاد السوق غير المتكافئة.

وفي الجزء الثاني لهذا المقال سنتطرق لاحقا الى حصيلة حكم فترة الترويكا في مجال السياسة الخارجية والاقتصادية والأمنية لنبيّن أنّها تتحمل مسؤوليات جسيمة في إضاعة الفرصة التاريخية التي أتيحت لتونس بعد الثورة لاستعادة مقومات استقلالها وسيادتها ومراجعة خياراتها الاستراتيجية بما يتماشى مع مصالحها العليا.