أتاح الظرف الاستثنائي الذي فرضته جائحة الكورونا للمنظومة البوليسية في تونس بأن تعيد إنتاج نفسها بعيدا عن الانتقادات الشديدة، الشعبية والحقوقية خاصة، والدعوات الملحة من الداخل والخارج لإصلاحات عديدة في سياساتها وهياكلها .أمام حالة الذعر الجماعي وهشاشة الحكومة المنتخبة حديثا و افتقادها لأي خبرة تذكر في التعامل مع الأزمات، التجأت الدولة التونسية، كما في كل مرة منذ الاستقلال، إلى المؤسسة الوحيدة التي لديها تاريخ طويل وموثوق في التخطيط السريع وتكثيف أدوات المواجهة والاحتواء: وزارة الداخلية وكامل منظومتها الأمنيّة.

رغم أن هذه العودة للمنظومة الأمنيّة كانت ولاتزال في ظاهرها سلسة وتمت الدعوة لها وفق ما تتيح له القوانين والبيروقراطية التونسية بعد الثورة، إلاّ أنّ هذه المنظومة وجدت في ذلك  فرصة مرة أخرى لكي تتماهى الدولة التونسية وحكومتها الجديدة بالمنظومة البوليسية المحنّكة.

أثناء الفترة الأولى التي تلت الإعلان عن حظر التجوال والحجر الصحي الشامل، واثناء ما تم تداوله عن التخبط الحكومي، خاصة على الصعيد الاتصالي، فرضت الداخلية التونسية نفسها كقوة رادعة عالية التنظيم والحرفية ميدانيّا واتصاليّا، بشكل جعل العديد من التونسيين يتغاضون عن الواقع العنفي والاستبدادي للبوليس التونسي. على منصات التواصل الاجتماعي كـ”فايسبوك” وغيره، أجمعت أطياف كثيرة من المجتمع التونسي، على اختلاف خلفياتهم الاقتصادية والثقافية، على الثناء على مجهودات أعوان الأمن في تطبيق الحجر الصحي والردع لكل من خالف الأوامر. في ظل هذا الحالة الخاصة، يصبح التعسف البوليسي شرا لابد من منه، أو أكثر فداحة، بتعلّات رخيصة على شاكلة “حيوانات ما تفهم كان هكاكة” وتتخذ حيزا هاما داخل الفضاء العام في تونس، تسعة سنوات بعد ثورة الكرامة.

الخطّة الاتصالية

هذه القدرة المتجددة على تلميع صورتها وتحسين حضورها شعبيّا كانت ولازالت مقترنة بالقدرة العالية للـ”دولة البوليسية” في تونس في التحكم الكامل في القنوات الاتصالية. من جهة، هناك سرّية مريبة تكتنف أغلب ما يحيط بكافة دواليب صنع القرار وتنفيذه داخل مختلف مؤسساتها ودوائرها بطريقة تجعل من تقصي أبسط المعلومات حولها يصبح أمرا شاقا وأحيانا مستحيلا. فالمواطن التونسي العادي مثلا لا يعرف شيء يذكر عن أساليب المراقبة والمحاسبة بين أعوانها، حيث أن كل التجارب الصحفية والحقوقية القليلة التي سعت إلى تقصي الحقائق ونشر المعلومة عن العمل البوليسي في تونس تصطدم دائما بعراقيل لا تحصى ولا تعد بما عزز بشكل كبير القناعة بأن الداخلية التونسية، بمبناها المنفّر في الشارع الرئيسي للعاصمة، هي منظومة مغلقة على نفسها ترى في الشفافية وحرية المعلومة تهديدا لكيانها. من جهة أخرى، استفادت المنظومة البوليسية من تماهي الدولة التونسية بها لتحكم في قنوات الاتصال الرسمية وغير الرسمية. فمثلا أي بيان مهما كان تافها من وزارة الداخلية ومن إحدى النقابات التابعة لها ينشر كما هو وبحذافيره في أغلب القنوات التلفزية والإذاعية، فعندما تحرق سيارة نقيب بالأمن الوطني وتنشر النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي بالمنستير بيان استنكاري، لا تجد إذاعة خاصة واسعة الانتشار مشكلة في نشره كاملا. هذه العلاقة التي تجمع الداخلية التونسية والإعلام العام والخاص والتي تتغطى عليها سياسة “خوذ وأعطي” ورسوخ فكرة “ابعد على البلاء” أدت إلى الهيمنة الكاملة للبوليس التونسي على المعلومة الاتصالية التي تتعلق به من قريب أو من بعيد، وبشكل يفوق حتى ما تعودنا عليه أثناء حكم الدكتاتور السابق.

طوال الفترة التي زامنت تفشي جائحة كورونا في تونس وحتى الآن، استطاعت الدولة التونسية أن تلمع صورتها بشكل كبير جدا من خلال تقنين حملتها الاتصالية المباشرة والغير المباشرة للدفع المكثف والكامل لفكرة واحدة شديدة التأثير في الذهنية التونسية: في غياب الدولة، تصبح الداخلية التونسية نفسها الدولة ذاتها فهي الحامي والمنقذ والمنجي. فيصبح إذن توجيه موارد الدولة لصالح تمويل وتوسيع برامجها ومخططاتها أمرا سهلا لا يطلب تعبئة سياسية كبيرة لأن التعبئة الشعبية قد حصلت وبشكل غير مسبوق لأن “الشعب يريد” هذه المرة أن تتحصل الداخلية التونسية على كافة الموارد (الطائرة المسيرة بدون طيار، الروبوتات..) لتكمل ما بدأته ويصدق الجميع أسطورة أن “البوليس قوة لحفظ النظام.”

توظيف التكنولوجيا العالية

حنكة البوليس التونسي وقدرته على التموقع من جديد وبقوة ترجع بالأساس إلى فهمه الكبير، عن طريق الاحتكاك اليومي وخبرته الطويلة مع التخطيط والاستباق، للشخصية التونسية العامة (أو ما يسمى بالــ collective narcissism) ورغبتها الملحة والدائمة في أن تكون مواكبة لم يحدث في “البلدان المتقدمة” و “كيفاش هوما باش يشوفونا.” لم يكن مثلا قرار اعتباطيا لدى صانعي القرار دخل المنظومة البوليسية في تونس بأن يسوقوا بشكل واسع للاستعانة بالتكنولوجيا العالية والحديثة كالروبوتات البوليسية (robocop) أو الطائرات بدون طيار (drones) لفرض النظام. رغم أن طريقة التنفيذ والجدوى الفعلية لهذه التكنولوجيا العالية ظلت محدودة جدا واستعراضية بحتة، فإن انتشار خبر استعمال هذه الروبوتات مثلا في الصحف ومواقع الأخبار العالمية استثمرته كدليل على نجاح هذه الحملة الاتصاليّة خاصة بعد ما قوبلت بثناء ورضا  العديد من التونسيين.

هذا التوجه الاتصّالي نحو التركيز على الاستعانة بالتكنولوجيا فائقة التقنية أو (مستقبلا) فائقة الذكاء، كالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، هو طبعا نقلى حرفي لما يحصل في دول ديمقراطية وشبه ديمقراطية. فليس لدى الداخلية التونسية أدبيات الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة داخل هياكلها أو مراكزها. عليك فقط أن تزور احدى مراكز الحرس الوطني المنتشرة بشكل عشوائي لترى أن أغلبها مازال يستعمل تكنولوجيات الثمانينات من القرن الماضي وتتساءل عن الارتباط العاطفي لأعوان الأمن بجهاز الفاكس. غير أن هذا التوجه نحو الأدوات الفائقة تقنية، مهما كان ساذجا واعتباطيا، يبقى مهما في إنجاح وترسيخ عودة سلطتها. فاعتماد الخطط الاتصالية والتكنولوجيا العالية هما أساس مشروع سلطوي مؤثر جدا في صفوف التونسيين: البروباجندا الاستيتيقية.

البهرجة السلطويّة الجديدة

إذا كان هناك خاصية تميز البوليس التونسي وتجمع في الآن نفسه مركز قوته وضعفه فهي خضوعه الكامل للبهرجة السلطويّة الجديدة. في كل حدث وفي كل حضور ميداني أو اعلامي، هناك دائما رغبة في الاستعراض والتنصيص بشكل مهووس على الدقة والتنظيم والانتباه للتفاصيل في الزي الرسمي والبروتوكولات وتنظيم المسيرات مرورا بالتنظيم النقابي والجمعيات التعاونية ووصولا إلى الخدمات الإدارية وحملات التدخل بشكل يرسخ وجوبا الاعتقاد بأن البوليس التونسي هو منظومة “قوية، حازمة وعازمة.” هذه البهرجة الأمنيّة تهدف الى مزج الدهشة بالرهبة لدى المتلقي، أكان ذلك عن طريق أعوان الأمن أو من المواطنين العاديين، من خلال الإستعانة بشكل يكاد يكون حصري على الاستيتيقيا الوحشية (أو ما يسمى بال brutalisme). حيث أن الهوس بالبهرجة لدى “الحاكم” يعتمد خاصة على مقومات يرى العديد من التونسيين أنها خصائص ذكورية عالية الرمزية كالضخامة وانعدام المرونة والبساطة القاسية. في الآن نفسه يكشف هذا اللجوء المقنن للجماليات الوحشية عن رغبة في إقناع الجميع بأسطورة أن الداخلية التونسية لديها مشروع تحديثي طوباوي.

اعتماد الدولة “البوليسية” في تونس على اختيارات اتصالية، تكنولوجية وإستيتيقيّة جديدة في مقاربتها الأمنيّة لم يؤدي فقط إلى عودتها بقوة وبأكثر سلطويّة بل عزز كذلك من قدرتها على تمرير قوانين وبرامج لطالما روجت لها كما حدث مؤخرا مع المعرّف الوحيد للمواطن، ومستقبلا قانون زجر الاعتداء على الأمنيين.