صورة لحميد الدين بوعلي

لنتأمل قليلا سيرورة الأحداث: في البداية كان الصراع مع زميل قيل أنّه إخوانيّ. في المقابل، حسب الرواية الرسمية، هو زميل لم تَرُق له وضعيّة ما داخل القاعة قبل انطلاق الامتحان، وهي صورة زميلة له، شابّة في مقتبل العمر تمزح مع تلاميذها قبل بداية الامتحان في جوّ لا يمتّ بصلة إلى ما يتوق إليه من رهبة و خشوع. فخرج مطالبا بتغيير الزميلة التي قيل أن وجودها داخل القاعة تسبب في حالة من التسيّب التي لا يُمكن حسب رأيه أن تكون ملائمة لإجراء اختبار من اختبارات الباكالوريا. وكلام الزميل هنا مسموع لدى الإدارة. فهو على ما يبدو ذو خبرة واسعة في ميدان مراقبة الامتحانات. خبرة سوّلت له أن يغادر القاعة لحظة انطلاق الاختبار مناديا بتعويض زميلته. هكذا حدّثته حكمته و خبرته في ميدان مراقبة الامتحانات. وكان له ما أراد وتمّ تعويض الزميلة، إلاّ أنّ ذلك خلّف احتجاج الزميلة.

تمت محاولة تطويق الموضوع بوساطة الطرف النقابي، لكن هذه المحاولة لم توقف الماكينة المؤسساتية التي اشتغلت لتكذيب الرواية الأولى، أي رواية أحمر الشفاه. فلقد انطلقت ولن تتوقف إلى أن يبدو لها أن عملية ردّ الاعتبار للمؤسسة التربوية قد تمّت. فتوالت شهادات زملاء في نفس ذلك المعهد لم يكونوا حتى على عين المكان لحظة الحادثة. ثمّ تلتها شهادة المتفقّدة والتي زوّقت الرواية بقراءة في نوايا صاحبة أحمر الشفاه باتّهامها باختلاق قضيّة رأي عامّ لتفرض نقلتها من الدهماني. ونصعد شيئا فشيئا في سلّم النفوذ الإداري لنستمع إلى شهادة المندوب الجهوي للتربية بالكاف الذي تبنّى حرفيّا كلّ مكوّنات رواية الأستاذ ذو الخبرة في مراقبة الامتحانات وفرض الأمن داخل قاعات الامتحان حتّى نصل أخيرا إلى أعلى سلّم النفوذ المعرفي في ربوع هذه البلاد بتبنّي قامة من قامات الفلسفة وطنيّا و إقليميّا الأستاذ محمّد محجوب للرواية الرسمية للمندوب ولقراءة المتفقدة الغيورة على الجهة.

لا أحد كان موجودا داخل القاعة عدى طرفا النزاع لكن الجميع (أو لنقل أغلبية من أدلوا بشهادتهم) اصطفّوا وراء رواية واحدة، وهي رواية الأستاذ الخبير في استتباب الأمن داخل القاعات. كأنّما تعلّقت ديمومة المؤسسة التربوية بمصير تلك الرواية. فلنتأمّل المشهد قليلا: على يسارنا أستاذة في الفلسفة خرّيجة دار المعلّمين العليا، في مقتبل العمر و ريعان الشباب لم تُنهِ بعد أولى سنواتها في التعليم، يُسند روايتها بعض زملائها و زميلاتها المتخرّجين حديثا وبعض رفيقاتها و رفاقها من أطفال الشوارع والساحات. لكنّها حظيت كذلك بدعم الساحة النسوية في البلاد وصار أحمر الشفاه رمز هذه المعركة، وهذا الذي يبدو أنّه أحدث تشنّجا كبيرا لدى من نصّبوا أنفسهم حماة المؤسسة التربوية. أمّا على يميننا فنجد أستاذا “ذو خبرة” وعلاقات زمالة ضاربة في القدم داخل المعهد والجهة وبعض الزملاء والمتفقّدة والمندوب والقامة العلمية المذكورة أعلاه… ولا يسعنا هنا إلاّ أن نحيّي الأغلبية من زملاء مريم بوزيد الذين لم ينساقوا وراء حملة التشويه. نعرف جيّدا أن الصمت في مثل هذه الحالات هو ضرب من المقاومة لما يمكن أن يسلّطه البعض من ترهيب وتخويف داخل أي مجموعة، خاصّة إن كان هؤلاء أصحاب رصيد علائقي و ذو نفوذ. و يبدو أنّ الزميل هنا له من النفوذ ووعي و ثقة بهذا النفوذ لأن سمح لنفسه الخروج حين انطلاق الامتحان و فرض تغيير الزميلة.

ماذا يمكن إذا أن تزن حقيقة أحمر الشفاه أمام السلط الرمزية والإدارية والمعرفية؟ إنه جحيم المؤسسات يا رفيقة: لا قيمة لأفعالك أمام كفرك بالمقدس. لا خلاص لك خارج ولائك للجدران وحرس الجدران. يردّد بورديو نقلا عن سبينوزا  أن “الأفكار الحقّة لا تحمل في جوهرها قوّة خاصّة”. ما حصل لا يمكن إلا أن يكون  مثالا داعما لهذه المقولة. لسائل أن يسأل: لم هذا التحالف الواسع؟ أيّ مبرّر لهذه الجبهة العريضة من حُماة حمى المؤسسة التربوية لإعلاء راية حقيقة الزميل؟ أيّ خطر تمثّله رواية أحمر الشفاه؟ فما ضرّ المؤسسة التربوية أن يسود قاعة الامتحان جوّ من المرح إن كانت العملية التربوية تتمّ بسلام؟ لم كلّ هذا الحرص على استتباب الأمن والخشوع داخل القاعة قبل أن يبدأ الامتحان؟ كذلك لماذا لا نرى تجنّد المؤسسة التربوية بمديريها و مندوبيها و وزرائها إلا خلال فترة الامتحانات؟

مرّ جيلان منذ رفع فوكو الحجاب عن وظيفة المؤسسة التعليمية: المراقبة والعقاب. يمكن أن نُضيف: المراقبة و المكافأة والعقاب لنعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية نفسها: نكافئ أبناء الفئات العليا و المتوسّطة صاحبة الرصيد الثقافي  والمستفيدة من المنظومة بصفة أو بأخرى (فقد وصلنا مرحلة أن يكون العمل الوظيفي المستقر ضربا من الامتياز) بتمكينهم من الولوج إلى الشعب النبيلة وضمان مستقبل ورديّ للجيل الموالي، نعاقب الفئات الهامشية والمتوسّطة الفاقدة للرصيد الثقافي أو المادي أو العلائقي الكافي عبر إقصائهم لعدم تملّكهم للحدّ الأدنى من الأدوات في تعاملهم مع المؤسسة التربوية وعدم انضباطهم لسلطة المعلّم والقيّم والأستاذ، ونرسل البقية إلى شعب جامعية هشّة لمدّ بيروقراطيات القطاع العام والخاص بيد عاملة تستجيب للمتطلّبات الدنيا للعمل الإداري  وبجيش احتياط من حاملي شهائد معطّلين لا خيار لديهم سوى انتظار شغور في الوظيفة. فهؤلاء أكبر الضحايا: فرضت عليهم المنظومة أن يؤمنوا بثقافة النجاح المزعومة لكن أسقطتهم لفقدانهم للأرصدة الثقافية والمالية والاجتماعية الكافية لتصطفيهم بين الناجحين.

وأهم من يظنّ أن الدور الأساسي للمدرسة هو نشر المعرفة. وحتّى إن تحدّثنا عن معرفة في السياق التربوي فهو بالأحرى حديث عن إعادة توزيع الثروة المعرفية دون المساس بجوهر التراتبية الاجتماعية. فلازلنا ننتظر أن تبلغ نسبة ولوج أبناء الملاسين أو القصرين إلى “الشعب النبيلة” نفسها نسبة ولوج أقرانهم من ضواحي قرطاج والمنازه والمدن الكبرى. فالعقل المدرسي هو عقل ترتيب: عبر الأعداد وعبر التقييمات الساذجة حول السلوك المهذّب والنجيب والهادئ والمطيع. وكلّ ترتيب في باطنه عنف رمزي يفرض السلوك المناسب وأحيانا عنف حقيقي عبر صورة المعلّم\الأستاذ العبوس القمطرير المزمجر أحيانا والمتنمّر أحيانا أخرى. فلا مكان لمريم أو لأيّ شابّة أو شابّ لا يزال حالما بأسلوب آخر في التعليم ودمقرطة المعرفة والعلاقات التربوية. ولامكان لأيّ شابّ مقبل على التعليم عازما على إحداث تغيير ما في تلاميذه على أمل أن يشعّ هؤلاء على محيطهم وتنتشر الروح الجديدة في جميع ربوع الوطن. كم من مُربّ طموح مرّ من مرحلة “النافح” إلى مرحلة “نقرّي سوايعي و نروّح” في ظرف بضع سنوات. فإمّا أن تلبس لباس المؤسسة وممارساتها و إمّا تغادرها طوعا. وإمّا ستلفظك.

يحدّثنا فريديريك لوردون في كتابه “Vivre Sans” عن أن المؤسسات هي نوع من الجحيم. تتحوّل شيئا فشيئا من أداء مهامّها الموكلة إليها نظريّا (التعليم بالنسبة للمؤسسات التربوية، الحماية بالنسبة للأمن، نقل الحقيقة بالنسبة للإعلام…) إلى مهامّ ترتبط أكثر فأكثر بديمومتها. فلا تحرّك المؤسسة التربوية ساكنا أمام الأستاذ المتقاعس لكنّها تسارع بطرد التلميذ المشاكس والمهدّد لسلطتها. لا تنشر الوسائل الإعلامية إلا الحقائق والأخبار التي لا تهدّد مصالحها المالية في الإشهار ولا تهدّد الموقع الذي يحتلّه مالكوها. لا نرى تجنّدا للأمن لحماية المواطن بقدر تجنّده لقمع الاحتجاجات وتحرّكه السريع لحماية منظوريه من المحاسبة أو تجنّده لملاحقة كل من ينتقد المؤسسة الأمنية. وتصبح أيّ مؤسسة تشتغل داخليا و خارجيا على المحافظة على تماسكها و صون مصالحها وسمعتها. يبقى أفضل مثال حيّ على هذا هو الناطق الرسمي للمؤسسة الأمنية: “لطفي نقّض مات بسكتة قلبية”، “شباب يمارسون الرياضة في الشعانبي”، “مريم و صديقها كانا في وضعيّة مُخلّة بالحياء”، “المدعوة لينا بن مهني هي التي اعتدت على الأعوان”، “مخرّبون اختلطوا بالمتظاهرين”، “تدخّل الأعوان كان في إطار حماية الممتلكات العامة و الخاصة”… إلخ… كم صعبة هي حياة الناطق الرسمي وكم حزينة، يقول كلّ ذلك في سبيل حماية المؤسسة و سمعة المؤسسة والتغطية على ممارسات المؤسسة وكل ذلك استنادا إلى شرعيّة الوظيفة النظرية للمؤسسة.

فكيف نفهم إذا مسخرة “التحقيق الإداري” لمندوب التربية الذي تبنّى رواية الزميل دون أدنى مراجعة وكأنّ الطرف المقابل الذي بادر بالتظلّم غير موجود؟ و كيف نفهم تدوينة المتفقّدة التي غلّفت رغبتها في إقصاء الزميلة التي لم تنضبط للنواميس بتبنّي استراتيجيا العزل عن محيطها عبر ادّعاء ما ادّعته  في أنّ الأستاذة افتعلت المشكل لتعزّز حظوظها في النقلة وهي التي لم تقدّم ذلك المطلب أصلا؟ كيف نفهم كذلك ما سمحت المتفقّدة لنفسها من استهداف مباشر وعلى الملأ لإحدى منظوراتها والتسويق لها بصورة المتعالية على الناس (رغم أنّ أصل الإشكال هو عكس ذلك تماما وهو قربها المبالغ من التلاميذ)؟ كيف نفهم أنّ مسؤولة بيداغوجية تعرّض منظورتها (أي في مقام تلميذتها) إلى عداء مشروع من طرف كلّ من سيصدّق تلك الرواية من تلاميذ وأولياء؟ أخيرا، كيف نفهم انخراط القامة العلمية في ما أتى به المندوب والمتفقّدة؟ كلّ هاته المواقف هي إذا بمثابة رسائل، بعضها واضحة و بعضها مشفّرة. إلى الخارج نبعث برسالة طمأنة: المؤسسة التربوية مؤسسة محافظة لكنها مؤسسة تؤمن بحقوق المرأة و تساند الحريات وهي طريق الخلاص لأبناء الشعب المضطهد و المفقّر. في الداخل نلقّن الزميلة درسا لن تنساه: إيّاك أن تحيدي عن الخطاب العام. إيّاك أن تعتبري نفسك أستاذة كاملة الشروط. لا تزالي صغيرة، تعوزك الخبرة. إياك أن يحبّك التلاميذ أكثر منّا، فذلك الحب اعتراف، وأنت لم تحصّلي بعد رصيدا كافيا ليتمّ الاعتراف بكفاءتك: لم تدرّسي لمدّة عشرات السنين مثلنا. لم تُقضّ الساعات لبناء و توطيد العلاقات مع زملائك. لم تُؤدِّ فروض الطاعة والاحترام للجيل السابق حتى أشّروا لك بأهليّتك في المهنة وسلّموا إليك المشعل. كأنّ لسان حالهم يقول: تتدرّجي ولا تتسرّعي! أخيرا، لَستِ رجلا: فجميع المؤسسات ذكورية، والمؤسسة التربوية نفسها لن تَشذّ.

إنه جحيم المؤسسات بعينه. يعادي كلّ شاذّ عن تقاليد المؤسسة وممارساتها. يخلق حوله رأيا عامّا معاديا، يعزل ويعاقب ويلفظ. إلى أن يوافق، أو ينافق أو يغادر. أو يقلب الطاولة على كلّ بالٍ قديم. وجرّبنا بما يكفي وعاينّا أن قلب الطاولة هو مسألة سياسيّة قبل كل شيء، لا يتمّ عبر أفراد معزولة داخل ماكينات مؤسساتية. فالماكينة المؤسساتية تستمدّ قوّتها من الأفراد والبُنى الموجودة في حركة أخذ و ردّ من إسناد من هؤلاء وبسط نفوذ من الماكينة عليهم. ويتمّ ترويض الداخلين الجدد شيئا فشيئا: إمّا أن يقبل بقواعد المؤسسة طوعا أو تُفرض عليه تحت التهديد العلني أو الضمني بالإقصاء. إلى أن يجد الصحفي نفسه يكتفي بجرد صدى المحاكم. إلى أن يجد العون نفسه يقبل برؤية ممارسات الإهانات والابتزاز تتكرر ضدّ المواطنين، هذا إن لم يكن طرف. إلى أن يجد الأستاذ نفسه بعد بضع السنوات في راحة من باله عندما يكتفي بتدريس بعض السويعات و لا يرى مانعا من القيام ببعض الدروس الخصوصية و لمَ لا ينصّب نفسه وصيّا على الداخلين الجدد إلى المهنة. وإن لزم الأمر يُقصي زميلة من قاعة الامتحان لم يَرُق له سلوكها أو لباسها أو أحمر شفاهها.