هشاشة المنظومة الصحية العمومية في الدول الرأسمالية في مواجهة الجائحة الوبائية قابلها تماسك للمنظومة الصحية في الدول التي تعتمد على اقتصاديات مختلطة بين الرأسمالية والاشتراكية مثل الصين والدول الاسكندينافية وألمانيا التي عرفت استجابة غير مسبوقة في محاولة لاحتواء وباء كورونا في وقت قياسي والحد من خسائره الاقتصادية والبشرية مقارنة بدول الاقتصاد الحر وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تعرف أكبر نسبة انتشار لكوفيد-19 ولم تقدر لحد الآن على احتواء هذا الوباء والتقليص من خسائره المالية والبشرية.

عندما إلتجأ “العالم الحر” إلى تدخل الدولة في الاقتصاد

هذا الارتباك الذي ظهرت عليه دول الاقتصاد الحر لم يضع فقط المنوال الصحي الذي تشرف عليه هذه الدول محل استفهام، بل وضع المنظومة الرأسمالية الغربية بشقيها الاقتصادي والحضاري محل تساؤل وتقييم عن مدى نجاعتها في تطويق الأزمات الكبرى التي تمر بها البشرية بين الفترة والأخرى، وقدرة الرأسمالية كنظام حكم على الصمود أمام التحولات العالمية الكبرى التي تحدث اثر هذه الأزمات العميقة.

استطاعت الولايات المتحدة، ومن ورائها “العالم الحر” كما يحلو للمسؤولين الأمريكيين تسميته، خلال الأزمات الاقتصادية التي عرفها سنة 1929 و2008 التوصّل لحلول وقتية ومتوسطة المدى لانتشال شعوبهم من تبعات تلك الأزمات وذلك من خلال فرض تدخل الدولة في الاقتصاد واعتماد سياسات اقتصادية اشتراكية من قبيل ضخ الأموال للمساهمة في أسهم البنوك وشراء بعضها والدخول في شراكة مع القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية لتشغيل العاطلين عن العمل وإنقاذ المؤسسات الاقتصادية الخاصة. وقد أعطت هذه الحلول العلاجية أكلها، على المدى القصير، في الأزمتين. وضمدت الوصفات العلاجية المستلهمة من الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية والمختلطة الجراح الغائرة التي تسببت بها هذه الأزمات الاقتصادية.

وفي الوقت الذي يدافع فيه أكثر المنظرين الغربيين تفاؤلا عن بقاء المنظومة الرأسمالية الغربية متماسكة بعد أزمة كورونا مع إمكانية إحداث تعديلات إصلاحية عليها، نجد أن خبراء ومفكرين اقتصاديين وتقارير إعلامية دولية تتخذ منحى آخر في تقييم آثار أزمة كورونا على النظام العالمي وتعتقد في حدوث تغييرات جوهرية على الأحادية القطبية الدولية وإمكانية انتقالها من الولايات المتحدة الأمريكية للصين.

 

تصحيح الواقع والعودة للوضع الطبيعي

بالرغم من فداحة الخسائر التي لا يزال يتسبب فيها فيروس كورونا للأنظمة الرأسمالية الغربية ولأنظمتها الصحية التي لم تستطع لحد الآن وضع حد لانتشار الوباء والقضاء عليه نهائيا، بالرغم من الدعاية الضخمة لمشاريع لقاحات، إلا أن تقديرات المواقف الغربية ترى أن الأزمة ستمر دون حدوث تغييرات جوهرية صلب الأنظمة الرأسمالية الأساسية في الولايات المتحدة وغرب أوروبا عموما.

وتعتمد هذه المقاربة على أمثلة لأزمات اقتصادية حصلت في التاريخ المعاصر واستطاعت الدول الغربية الخروج منها بأخف الأضرار، ولعل أبرزها وأقربها إلى ذاكرتنا أزمة 2008 التي أحدثت هلعا في أسواق المال الغربية وفي باقي دول العالم بدرجات متفاوتة، حيث شارفت اقتصاديات الدول الرأسمالية على الانهيار إلا أن تدخل الأنظمة السياسية في هذه الدول عدل المسار واستطاعت إنقاذ أغلب مؤسساتها المالية والعقارية من الإفلاس.

وفي هذا السياق، كتبت ماري هيلان ميوتون، مؤسسة معهد البحوث الإقتصادية والإجتماعية (شركة ربحية)، في صحيفة “لوتون” السويسرية “مما لا شك فيه أن الشركات ستسعى إلى ضمان توفير إمداداتها بشكل أفضل، وأن الأنظمة الصحية ستعيد تنظيم نفسها بشكل مفيد، كما أن من المؤكد أن الدول ستفكر في تأمين استقلالها فيما يتعلق بالمنتجات الإستراتيجية؛ ولكن هذا كله لا يعني تغييرا في النموذج الاقتصادي أو الاجتماعي”، معتبرة أن من يرى خلاف ذلك فهو “يرتكب خطأ قاتلا.”

ورأت السويسرية أنه “بدلا من التنبؤ بأن الآمال ستتحقق من تلقاء نفسها، قد يكون من الأفضل الاستعداد لتصحيح واقع يبدو صعبا على المدى القصير والمتوسط، لأن من الممكن، بل من الأرجح، أن العودة إلى الوضع الطبيعي ستصاحبها بعض التعديلات، ولكنها ليست تغييرات عميقة. وذكرت أن العالم لم يتغير على الإطلاق بعد الأوبئة الكبيرة السابقة، بل إن الجميع عالجوا جراحهم وانتهى الأمر بامتصاص الصدمة واستمر كل شيء كما كان في السابق.

المعطى الواقعي الذي يشترك فيه الكثيرون ممن يشاطرون ماري هيلان ميوتون تقديرها للموقف الغربي بعد انتهاء الجائحة الوبائية هو أن العالم لن يعود كما كان في السابق، لكنه بالنسبة إليهم سيعود بشكل أفضل مما كان عليه من قبل لا بشكل مختلف جوهريا عما كان عليه قبل كورونا، وهذا يعني المزيد من الاستثمار العمومي في الصحة، وإعطاء أهمية أكبر لتوسعة مخزون الموارد الاستراتيجية في مواجهة موجات وبائية وأزمات اقتصادية مستقبلية إن تكررت.

تغييرات جوهرية وانزياح في الأحادية القطبية

في مقابل الرؤية المتفائلة لمصير العالم الرأسمالي ما بعد كورونا، تشير تقديرات لخبراء وباحثين دوليين أن العالم لن يعود كما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا، وبأن موازين القوى العالمية ستنزاح عن أسسها التقليدية. فخارطة الهيمنة العالمية الجديدة التي ستلي حقبة كورونا ستكون مختلفة بشكل راديكالي عما كنت عليه من قبل وذلك لصعود لاعب دولي ثقيل على الساحة الاقتصادية العالمية ربما سيحجم من النفوذ الدولي للولايات المتحدة الأمريكية التي هيمنت على الاقتصاديات الدولية منذ بداية التسعينات لليوم، لتفرض أحاديتها القطبية على العالم عبر العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية التي استطاعت من خلالها أنمذجة العديد من الأنظمة السياسية عبر العالم على شاكلة نظامها السياسي الذي يعتمد على اقتصاد السوق الحر والليبرالية المطلقة.

هذا اللاعب الذي يتقدم بخطى متسارعة ولكنها ثابتة هو الصين التي استطاعت في بداية انتشار الوباء السيطرة عليه نسبياً. هذا ما خوّل لها إعادة فتح مصانعها وتشغيلها واستئناف النشاط في الصين من خلال فتح المطاعم والمقاهي وتحرير أسطول النقل وغيرها من الإجراءات التي تدل على العودة الطبيعية للحياة.

مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحدثت عن حصول حالة ركود وانكماش في الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن إعادة تشغيل الاقتصاد العالمي، ليس بالأمر السهل ومرتبط أساسا بدرجة احتواء أزمة كورونا. وتوقعت “فورين بوليسي” أن يحصل تغيير في “تضاريس الاقتصاد العالمي” بعد أزمة كورونا، وأنه “سيحصل، على الأرجح، تسريع في التغييرات التي كانت تعتمل في سيرورة الأحداث منذ فترة طويلة باتجاه شكل جديد ومختلف و محدود أكثر من العولمة”.

وهذا ما يعني تغييرات جوهرية في النظام الاقتصادي العالمي ربما تشابه تلك التغييرات التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت فيها الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة بأدنى الخسائر بما أن الحرب لم تصل لأراضيها إذا ما استثنينا الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور البحرية التي كانت أضراره محدودة جدا مقارنة بالأضرار التي تسببت فيها الحرب في أوروبا.

لهذا من المتوقع أن تخرج الصين بعد الأزمة أكثر قوة ونفوذا من ذي قبل خاصة وأن خسائرها لا  تقارن بخسائر الدول الغربية والرأسمالية. إلا أن ذلك لا يعني بشرة خير للعالم بعد القرن الأمريكي المليء بالحروب والمجاعات والكوارث البيئية. فلصين ملف أسود في انتهاكات حقوق الإنسان والأقليات، كما أن هيمنة حزب وحيد وقائد أوحد في نظام الحكم، على شاكلة رواية جورج أورويل “1984”، ليس معطى سياسيا يدعو للتفائل أو يمكنه أن يكون بديلا أو منافسا للديمقراطية وحقوق الانسان.