وجدير بالذكر بأن الدستور كلّف هذه المحكمة بضمان علويّته وجعلها حصنا له من مخاطر تأويله أو تحويله أداة للتعسف في استعمال السلطة أو في التمتع بالحق.والغالب أن التخوّف من إرساء المحكمة الدستورية وخشية الآثار القانونية التي قد تترتب عن قراراتها أو آرائها فاق التخوف مما قد تشهده مؤسسات الدولة من تعطيل وانحرافات خطيرة تؤثر في الحقوق والحريات. كما لم يعد خفيا عن الجميع الدور الذي سيلعبه القاضي الدستوري – إذا انتصب – من أجل ضمان علوية الدستور التي لا يمكن أن تكون حكرا على سلطة بعينها، والفصل 49 من الدستور خير دليل على ذلك. كما يتعين التذكير بأنّه حتى إصدار القانون المنظّم لعمل المحكمة، بل ولطريقة انتخاب أعضائها من قبل الجهات المجلسيّة، جاء خارج الآجال التي ضبطها الفصل 148 من الدستور، سنة بعد أول انتخابات تشريعية.

ثمّ تتالت مسببات تأخر الإرساء دون أن يزاحم أي سبب آخر الصراعات السياسية في الصدارة. فقد فشلت عديد الجلسات العامة التي عقدها مجلس نواب الشعب خلال الفترة النيابية 2014-2019 في انتخاب بقية أعضاء المحكمة الدستورية لتُرحّل المسألة إلى فترة نيابية موالية كان منتظرا أن تكون أعسر من سابقتها.

وقد أطلقت مختلف الحساسيات السياسية في المشهد البرلماني المتشظّي “صيحات” لاستكمال مسار إرساء المحكمة الدستورية، بل وقدّمت في هذا الشأن مقترحات قوانين ودفعت نحو تقديم الحكومة لمشروع قانون للتسريع في استكمال انتخاب أعضاء المحكمة دون أي نتيجة. حيث قرّرت الجلسة العامة للمجلس النيابي بتاريخ 8 أكتوبر 2020 إرجاء النظر في مقترح ومشروع القانون المتعلّقين بإتمام وتنقيح قانون المحكمة الدستورية.

إلا أنّ تواتر الأزمات السياسية، المتبوعة بأزمات قانونية ودستورية، حتّم عودة الحديث عن ضرورة إرساء المحكمة. ومن الغريب والخطير بالنسبة إلينا أن تتناسى كافة السلط أهمية إرساء بقية المؤسسات الدستورية بل وتطويعها لتكون أداء للضغط ولعب الورق السياسي، فالمُلاحظ أن فكرة إرساء المحكمة الدستورية صارت “سلاحا” يُستغلّ من أجل التأثير في التوازن بين مختلف السلط.

وهنا، لا يفوتنا التنويه بأن نجاح التجربة الديمقراطية يفترض، من جهة أولى، الاقتناع بأهمية الدور المحوري للقاضي الدستوري في ضمان حسن سير مؤسسات الدولة والعلاقة بين السلطات التنفيذية والتشريعية. ومن جهة ثانية، لابدّ من الاعتراف بجملة من الضمانات والصلاحيات لأعضاء المحكمة الدستورية من أجل تمكينهم من ممارسة أعمالهم في إطار الحياد والنزاهة مع ضمان الحدّ الأدنى من الكفاءة المطلوبة في أعضاء قد تقوّض آرائهم قوانين نافذة أو تنهي مهام رئيس الجمهورية.

مما لا شكّ فيه، فإن الأزمة السياسية بين رأسي السلطة التنفيذية،والتي وضعت ضلالها على محرّكات السلطة التشريعية، كانت عاملا لإحياء ذكرى فكرة إرساء المحكمة الدستورية، فكان أن تُفتح أدراج مجلس نواب الشعب سريعا للتعجيل في ممارسة الوظيفية التشريعية الطبيعية والمُضي في تعديل قانون المحكمة المؤرخ في 3 ديسمبر 2015.

الحق في التعديل والحق في الردّ

من الضروري التذكير بأن الوظيفة التشريعية للمجلس النيابي هي وظيفتها لأصلية والطبيعية، أي وضع القواعد القانونية وتعديلها. وبغضّا لنظر عن تكييفه كوظيفة، فإنه قبل كل شيء حقّ لكل نائب بمجلس نواب الشعب حسب الإجراءات والطرق التي حددها الدستور ثم النظام الداخلي. وفي هذا الإطار، قدّم عدد من النواب مقترحات قوانين أساسية لإتمام وتنقيح قانون المحكمة الدستورية الصادر سنة 2015، والتي تزامنت مع تقديم الحكومة لمشروع قانون أساسي عدد 2018/39. ولوحدة الموضوع، عُرض على الجلسة العامة للمجلس النيابي مشروع القانون الذي تقدّمت به الحكومة مع استيعاب بعض المقترحات واستبعاد أخرى. وفي ختام نقاشها، صادقت الجلسة العامة، بتاريخ 25 مارس 2021، على مشروع القانون المتعلق بإتمام وتنقيح قانون المحكمة الدستورية.

وتتمثل أهمّ معالم هذا التعديل في التخلي عن ترتيب جهات التعيين والاستعداد لتغيير الأغلبية المستوجبة لانتخاب أعضاء المحكمة عند ختام الدورات الانتخابية للترشحات الجارية. حيث وافقت الجلسة العامة على اعتماد أغلبية الثلاثة أخماس كنصاب للانتخاب سواء تعلق الأمر بمجلس نواب الشعب أو المجلس الأعلى للقضاء.ويمكن تقديم جملة من الملاحظات في هذا الصدد.

تهمّ الملاحظة الأولى مسألة التخلّي عن الترتيب الذي فرضه قانون المحكمة الدستورية طيلة سنوات، ذلك أنه من المفترض- حسب الصيغة الحالية للفصل 10 من القانون – أن ينطلق حصرا المجلس النيابي في انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية. وتتعين الإشارة هنا إلى أن هذا الترتيب الذي فرضه القانون يُخالف الدستور الذي لم يشترط أن يقع انتخاب/تعيين أعضاء المحكمة الدستورية باتباع ترتيب محدّد. علاوة على ذلك، فإنّه من غير الممكن أن نتوصّل إلى اعتبار أن عدم احترام الترتيب الذي أورده قانون المحكمة الدستورية يُرتب آثارا قانونية جزاء لعدم احترامه. وبالتالي، فإنه كان بإمكان رئيس الجمهورية خلال السنة التي تلت إجراء الانتخابات التشريعية أن ينطلق في تعيين أعضاء المحكمة الدستورية. لكن من الضروري التذكير بأن السنة الموالية لإصدار الدستور شهدت تعثرا كبيرا في إرساء المؤسسات حيث أنه كان من المستحيل استكمال مسار إرساء المحكمة الدستورية وذلك لغياب إحدى جهات التعيين، وهو المجلس الأعلى للقضاء،اعتبارا إلى أنه خلال سنة 2015، كان قانون المجلس الأعلى للقضاء محلّ النظر من قبل الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين. وبالتالي، فإنه كان حتميا ألاّ يتم إرساء المحكمة في نطاق المهلة الدستورية المحددة بسنة.

أما الملاحظة الثانية فتهمّ البحث في تفاصيل هذا التعديل الذي اُدخل على قانون المحكمة الدستورية. حيث أنه من المشروع التساؤل حول مسألتين:

  • ما الجدوى من التعديل الذي اقتصر على تغيير الأغلبية المستوجبة دون إيجاد آليات تحلحل العوائق التي تقف، فعلا، أمام عدم تمكّن المجلس النيابي من استكمال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية؟ هل أن الإشكالية تتمثل فعلا في عدم الوصول إلى الأغلبية المطلوبة للتصويت أم في آليات الترشيح والاختيار؟
  • ما مدى قابلية تغيير الأغلبية بالنسبة إلى انتخاب بقية أعضاء المحكمة في حين أنه تم سابقا انتخاب عضوة بأغلبية الثلثين؟ هل سيتم مستقبلا، إفراد هذه العضوة بأغلبية تختلف عن بقية الأعضاء عند تجديد العضوية بالمحكمة طبقا للفصل 118 من الدستور؟

ومهما يكن من أمر، فإن تأخر إرساء المحكمة الدستورية قد بانت ملامحه وقُطفت ثماره منذ السنوات الأولى لعدم تركيزها، ذلك أنه قد تكررت الإشكالات القانونية والواقعية التي استوجبت تدخل سلطة التأويل العليا لأحكام الدستور.

وقد جـوبه حق تعديل قانون المحكمة الدستورية من قبل مجلس نواب الشعب بممارسة رئيس الجمهورية لحقّه في ردّ التعديل طبقا للفصل 81 من الدستور. وعلّل رئيس الجمهورية ردّ مشروع تعديل قانون المحكمة الدستورية بعدم احترام الأجل الدستوري لإرساء المحكمة معتبرا أن “القيام بالإجراء بعد فوات الآجال التي حددها القانون للقيام به يُضاهي عدم القيام بالإجراء أصلا” مُحمّلا المجلس النيابي وحده المسؤولية والآثار المترتبة على التأخر في إرساء المحكمة.

ويؤدّي الموقف الدستوري لرئيس الجمهورية إلى استنتاج استحالة إرساء المحكمة الدستورية خارج الأجل الدستوري بسنة واعتبار أن إرسائها خارج هذا الأجل يجعل منه إجراء ” لا دستوريا “. فكيف يمكن أن نحرم الدستور من السلطة العليا الضامنة لعلويته واحترامه.

مأزق دستوري أم ملاذ سياسي؟

يتعين في البداية التذكير بأنه من المؤكّد أن الأحكام الانتقالية الواردة بالدستور تعدّ جزءا منه ولا يمكن أن تنفصل عنه، فلا يمكن أن نعتبر بأي حال من الأحوال أن ما ورد في باب الأحكام الانتقالية أقل مرتبة قانونية مما جاء ببقية أحكام الدستور. إلا أنه في مقابل ذلك، فإن الأحكام الانتقالية صالحة لمدة محددة وتنتهي”صلوحيتها” بانتهاء موضوعها، خلافا لبقية الأحكام الصالحة طيلة “الحياة الدستورية”. وبالتالي، فإنه لا يمكن الاعتداد بما جاء بأحكام انتقالية لتقويض أحكام دائمة، على غرار الأحكام التي تهمّ المحكمة الدستورية. وإضافة إلى ذلك، فإن الاعتداد باعتبار عدم احترام أجل سنة يجعل إرساء المحكمة خارجه إجراء غير دستوري يؤدّي إلى نسف مبدأ علوية الدستور التي كُلّفت المحكمة بضمانها.

كما أنه من الواضح والجليّ أن تجاوز الآجال وعدم إرساء المحكمة الدستورية لم يكن أمرا قانونيا بحتا، بل لطالما كان مسارا متصبّغا بالاعتبارات السياسية التي حالت دون استكمال تركيز المؤسسة الدستورية. وفي نفس الاتجاه، لا يخفى على الجميع أن ردّ مشروع قانون تعديل قانون المحكمة الدستورية لا يخفي الاعتبارات السياسية، فالتخوّف من تطويع نشاط المحكمة واستغلال أعضائها لتصفية الحسابات فاق التخوف من تسرّب أي شوائب إلى المنظومة القانونية التونسية. وبالتالي، فإن عدم إرساء المحكمة الدستورية صار ملاذا سياسيا لكافة السلط المتدخلة في مسار تركيزها.

في نفس هذا الإطار، تقدّم مجموعة من النواب بطعن في دستورية مشروع قانون إتمام وتنقيح قانون 3 ديسمبر 2015 أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين. وتجدر الإشارة إلى أن تقديم هذا الطعن يوقف آجال الختم التي حددها الفصل 81 من الدستور. وتستوجب القراءة الأولية لعريضة الطعن المقدّمة للهيئة الوقتية التساؤل حول إمكانية الطعن بعدم دستورية مشروع قانون وقع ردّه من قبل رئيس الجمهورية ثمّ تمت المصادقة عليه ثانية من قبل المجلس التشريعي دون تعديل. يتعيّن في هذه الحالة الرجوع إلى أحكام الفصل 81 من الدستور الذي ينصّ على أنيختم رئيس الجمهورية القوانين ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في أجل لا يتجاوز أربعة أيام من تاريخ: … 4- مصادقة المجلس ثانية دون تعديل على مشروع قانون تبعا لردّه، ولم يطعن فيه بعدم الدستورية إثر المصادقة الأولى أو صدر قرار بدستوريته أو أًحيل وجوبا إلى رئيس الجمهورية وفق أحكام الفقرة الثالثة من الفصل 121.

تبعا لذلك، فإنّ مصادقة مجلس نواب الشعب ثانية ودون تعديل على مشروع القانون، بالإضافة إلى غياب طعن بعدم الدستورية إثر المصادقة الأولى، يؤدي مباشرة إلى ختمه ونشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية. وبالتالي، فإنه لا يمكن الاعتداد بما ورد بقانون الهيئة الوقتية المؤرخ في 18 أفريل 2014 بأن الهيئة تبت في كل الطعون في مشاريع القوانين دون تحديد لمجال تطبيق هذا الإجراء، أي هل يتعلق فقط بمشاريع القوانين في القراءة الأولى أو القراءة الثانية. ومردّ ذلك أن أحكام الفصل 81 من الدستور، الذي يعلو قانون الهيئة مرتبة، تبيّن انقضاء إمكانية الطعن بعدم الدستورية في صورة المصادقة الثانية دون تعديل على مشروع قانون وقع ردّه.

بين المأزق الدستوري المترتب عن اعتبار إرساء المحكمة خارج الآجال إجراء غير دستوري وجملة الاعتبارات السياسية المشحونة بالمصالح، يبدو أننا في حضرة مشهد وداع مسار تركيز المحكمة الدستورية الذي رُحّل إلى أجل غير مسمّى. وتبقى التساؤلات المشروعة مطروحة: هل يمكن أن يمتنع رئيس الجمهورية عن تعيين 4أعضاء بالمحكمة الدستورية إذا أتمت بقية جهات التعيين المجلسية انتخاب الأعضاء المتبقيين؟ ألا يفتح غياب المحكمة الباب أمام استغلال النفوذ السياسي لتطويع أحكام الدستور وسوء تأويلها خدمة للمصالح الذاتية والحزبية والإيديولوجية؟