من الأعراف التي يعلمها الجميع أن يصحب كل مسؤول سياسي جديد طاقما يختاره للعمل معه خلال عهدته، بما في ذلك المكلّفين بالاتصال، تلك عادة كل الوزراء والرؤساء في العالم. وما يعرف عن قيس سعيد أنه أحيط في بداية عهدته الرئاسية بمجموعة من المسيرين لشؤونه الاتصالية في العلن والخفاء، وظهر اسم نادية عكاشة مديرة ديوانه، ثم رشيدة النيفر، عضوة الهايكا السابقة، بصفتهما حارستي الممر الذي يؤدي إلى الرئيس. وفي 22 نوفمبر 2019، حال استلام قيس سعيد، أعلنت النيفر في بلاغ مقتضب موجه للصحفيين أنّ “جميع أعضاء فريق دائرة الإعلام والاتصال برئاسة الجمهورية سيكونون بخدمة الصحفيين”،  وذيّلت الإعلان بإمضائها بصفتها مستشارة أولى لدى رئاسة الجمهورية، وبرقم هاتف مفترض لدائرة الإعلام. بعد ذلك التاريخ بقرابة العام، استقالت رشيدة النيفر من منصبها، وانتشرت الأقاويل هنا وهناك بأن نادية عكاشة مديرة ديوان قيس سعيد كانت وراء استقالتها. لكن لا أحد يعلم التفاصيل بدقة، فقصر قرطاج  موصد الأبواب، ولا منفذ له سوى صفحة الرئاسة على موقع فايسبوك.

اتّصال رئاسي مزاجي

لم يكن قصر قرطاج جنة بالنسبة للصحفيين في عهد رشيدة النيفر. لكن حينها كانت وجهة الصحفيين واضحة، فيمكن  على الأقل التفاوض من أجل الحصول على بعض التلميحات، وكان من السهل التعامل مع مكتب الاتصال في رئاسة الجمهورية، خاصة أن إحدى أعضاء الفريق كانت تتجاوب مع الصحفيين وتقدم معلومات في نطاق ما يتوفر لديها.

منذ  25جويلية الماضي، أوصدت أبواب  قصر قرطاج تماما أمام الصحفيين، وكان السؤال الملحّ لمن نتوجه بالسؤال؟ أصبحت هذه الحيرة محل تندّر. هو أمر لا يبشّر بخير، فتجربة البحث عن معلومة من قصر قرطاج تكلفك يوما ونصف للحصول على هوية المسؤول عن مكتب الاتصال، دون أن تتمكن من محادثته مباشرة.

بدأ اليوم بتململ كبير، وبدا أيضا أنه سيكون يوما شاقا بعد طلب رئيس التحرير التثبت من معلومة. فالمصدر هو رئاسة الجمهورية، وكل الصحفيين يعلمون أنه منذ إجراءات  25جويلية، لم يعد هناك مجال لطلب المعلومة مهما كان حجمها. وكان لا بدّ أولاً من وضع تمشّ منطقي لمعرفة المكلف بالاتصال في رئاسة الجمهورية. فكانت الخطوة الأولى هي الاستفسار عن هوية المسؤول عن العلاقات مع الإعلام، والوجهة الأولى هي ريم قاسم، وهي موظفة سابقة في مكتب الاتصال بقصر قرطاج، فكان جوابها أنه لا يوجد أي مكلف رسميا بعد خروجها من القصر. وكان الملاذ الثاني هو صفحة رئاسة الجمهورية الرسمية في موقع فايسبوك، من أجل البحث عن إمكانية وجود بيان ممضى باسم المكلف بالاتصال في القصر، غير أنّ البحث لم يكن موفّقا. ولكن ظهر في الصفحة عنوان بريد إلكتروني. قد تجدي رسالة مقتضبة تعرف بها نفسك وتستفسر فيها عن إمكانية التواصل مع مسؤول عن الاتصال في القصر أو من ينوبه. فكان ذلك، ومضى أكثر من أسبوع ولم يصل أي رد على تلك الرسالة.

كان الخيار الثالث هو البحث عن رقم مكتب الإعلام الذي نشرته رشيدة النيفر حال تعيينها مستشارة أولى برئاسة الجمهورية. رن الهاتف، بعد عشر ثوان رد أحدهم، كان الصوت مشوّشا، قد يكون الأمر عاديا فالرقم يخص قصر الرئيس. لم تدم المكالمة إلا ثواني عديدة، بدأت بـ”مرحبا،  أنا صحفية من موقع نواة هل بالإمكان التحدث مع المسؤول عن العلاقة مع الإعلام في القصر الرئاسي؟” وكان الردّ حادّا “هذا منزل وليس القصر. لا تتّصلي مجددا”، وأغلق الخط. لا يمكن أن تنشر رشيدة النيفر رقما خاطئا، والحل هو الاستنجاد بتطبيقة “ترو كاللر” True caller للتثبت  من صاحب الرقم، ثم ظهر الاسم في التطبيقة بعد اتصال قصير وكان مسجّلا باسم “رئاسة الجمهورية”.

طريق مسدود

مضى نصف يوم كامل، ولم يُجد البحث عن الجهة التي يمكن الاتصال بها في القصر الرئاسي، فكانت الوجهة الرابعة هي الرائد الرسمي للبحث في حزمة التعيينات التي قام بها رئيس الجمهورية، في خطة ما يسمى بـ”ملحق برئاسة الجمهورية”، وظهرت خمسة أسماء كان لا بدّ من التخمين بينها عن هوية العاملين في مكتب الاتصال بالقصر، وهم حسام المزوغي، وأمير العرفاوي، وسعاد الطرابلسي وماهر غديرة وإحسان الصبابطي. لا يبدو أي من الأسماء مألوفا، باستثناء إحسان الصبابطي المكلف بالإشراف على صفحة الرئاسة الرسمية في فايسبوك، وبدأ البحث عن الأربعة البقية في موقع فايسبوك، لكن لا توجد أية إشارة على مهامهم الجديدة.

بدأ خناق الوقت يضيق، استُنفذت أغلب  الحلول وبقي خيار أخير وهو التوجه بالسؤال إلى الصحفيين في المجموعة المغلقة التي تضم 1300 صحفيا ومكلّفا بالاتصال في تونس، وهي خزان أرقام هواتف المسؤولين والسياسيين. يبدو السؤال غير مجد، فردة فعل أغلب الصحفيين المتفاعلين مع السؤال كانت ساخرة  لأن أغلبهم يعلمون أنه لا يوجد مكلف رسمي  بالاتصال في القصر.

في نهاية اليوم، وصلت رسالة من أحد الصحفيين كان مضمونها رقم هاتف يمكن أن يقود إلى مكتب الاتصال بالقصر .كان  الوقت متأخر حينها، لذلك كان الخيار تأجيل الاتصال بذلك الرقم إلى صباح يوم الغد. حين رن الهاتف، ردّ أحدهم مُرحِّبا ومؤكِّدا أنه القصر، وأنه في خدمة الصحفيين، فكان أول سؤال موجه له “هل يوجد مكلف بالاتصال؟” فكان الرد “نعم، السيد حسام المزوغي، سأدون المعلومات التي ستطلبينها، وستصل إلى السيد المزوغي، ونتّصل بك قريبا”.

كان ذلك يوم الخميس 18 نوفمبر، ولم يصل الرد السريع إلى غاية الآن، وفي نهاية ذلك اليوم وصلت رسالة من أحد الصحفيين بها حساب الملحق بالرئاسة حسام المزوغي على فايسبوك، والذي عينته نادية عكاشة مدير الديوان بالرئاسة في القصر في منصب “كاهية مدير مكلف بمهام في الرئاسة” حسب الرائد الرسمي. هي بالفعل معركة سطوة داخل القصر: فرشيدة النيفر دخلت القصر وأرادت تركيز مكتب للإعلام هناك حسب قولها، وكان من ضمن المقربين منها المشرف على صفحة رئاسة الجمهورية، لكن بعد استقالتها المُكرهة، وضعت نادية عكاشة مديرة الديوان يدها على منافذ الاتصال الرسمية في القصر، وكُلف أحد من أدخلتهم إلى القصر بالإشراف على تلك المهمة  في الخفاء.