بينما تمكن الديمقراطيون الاجتماعيون (للإطلاع على البيان) من حسم انتمائهم للتيار الليبرالي سياسيا عن طريق التصاقهم بمختلف القضايا العادلة وتبنيهم لقيم الديمقراطية والحرية، إلاّ أنّهم ما زالوا في تونس وفي العالم يجدون صعوبة في حسم تموقعهم الاقتصادي. فبين رعاية الدولة واقتصاد السوق طيف واسع من الممكنات. لكنّ الحسم فيه لا يجب أن يمرّ عن طريق مقارنات بهذا أو ذاك، أو بناء على معادلة بهلوانية نسعى فيها للإدلال عن قربنا لعائلة على حساب أخرى.

وهذا حسب اعتقادي من أكبر أمراض منتسبي الديمقراطية الاجتماعية. فرغم أهمية التفكير بالاعتماد على التجارب المتاحة، فهذا لا يجب أن يتم عن طريق الذوبان في إحداها. أي إنه على الديمقراطيين الاجتماعيين تحمّل مسؤولية خياراتهم بمعزل عن قوالب التيارات الكلاسيكية.

هل تعتبر الديمقراطية الاجتماعية إيديولوجيا؟

تعتبر مسألة الأيديولوجيا من النقاط التي تسيل الكثير من الحبر في نقاشات الاجتماعيين الديمقراطيين. وحسب اعتقادي، الوقوف عند هذا السؤال هو دون فائدة، وذلك لسببين: الأول لكون السؤال يفضي إلى مغالطة فكرية باعتبار أن في طرحه تسليما مسبقا بأن إرساء منظومة سياسية ناجعة تمر حتما عن طريق تطبيق لإيديولوجيا معرفة من ألفها إلى يائها. والثاني لكون الإجابة عليه تختلف باختلاف تعريف الأيديولوجيا المعتمد.

فإذا عرفنا الإيديولوجيا على أنها مجموعة من القيم والأفكار التي نتمسك بها بشكل كبير ونعتقد ونؤمن أنها الشيء الطبيعي والحقيقي، فإن الديمقراطية الاجتماعية هي إيديولوجيا قائمة الذات. كذلك هو الحال لأي قناعة علمية أوعقائدية أو أخلاقية أو سياسية ندافع عنها.

لكن إذا اعتبرنا أن الإيديولوجيا هي مجموعة أفكار محددة مسبقا، غير مرنة. من اعتنقها تكفيه العودة إلى الكتابات المرجعية للإجابة عن مختلف الإشكاليات المطروحة. ففي هذه الحالة، لا يمكن اعتبار الديمقراطية الاجتماعية إيديولوجيا.

وربما التفكير في اصدار بيان الديمقراطية الاجتماعية تحت شعار “أيها الديمقراطيون الاجتماعيون … اتحدوا” اقتباسا من بيان الحزب الشيوعي لفريديريك إنجلز وكارل ماركس “يا عمال العالم … اتحدوا”، وذلك 174 سنة بعد صدور هذا الأخير أفضل تعبيرة على غياب تأصيل فكري كوني للديمقراطية الاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة إلى بقية الأيديولوجيات الكبرى كالأناركية والليبرالية والاشتراكية والإيديولوجيات الدينية التي تنتج التيارات المحافظة.

ولا إشكال في ذلك. حيث أن القبول بموضع التنسيب واختيار التفكير في حلول للمشاكل المطروحة تكون ملائمة للعصر بدل نسخ حلول جاهزة هو عنصر أساسي للانتماء والإيمان الفعلي بالفكر الديمقراطي الاجتماعي.

ما معنى أن تكون ديمقراطيا اجتماعيا؟

لا وجود لإجابة توافقية عن هذا السؤال. كل شخص منتم لهذا التيار يعرفه حسب فهمه عادة بتغليب مبدإ وتجاهل آخر. هذا التخبط يتم علاجه بالمصارحة وبالخوض في المقدسات الفكرية بدون مواربة، لأن الهدف هو الفهم والاقتناع، ومن ثم الدفاع عن قيمه ومبادئه.

أن تكون ديمقراطيا اجتماعيا يعني وجوب القبول باقتصاد السوق. عذرا! هو قبول نشيط مع مراقبة فطنة لنتائجه لكن دون رفضه أصلا. الخط الأحمر في ذلك هو بلوغ تفاوت اجتماعي وطبقي خطير يفرض تدخل الدولة للتقليص منه. ويكون الدفاع عن ذلك عن طريق الوسائل السلمية المتاحة كالحوارات والمناظرات التي يجب الإعداد لها بالحجج والأدلة والأرقام ثم المرور إلى الصندوق لحصد نتائج ما زُرع من مجهودات لإقناع المواطنين برجاحة الحلول المقترحة. هذا التوجّه الإصلاحي السلمي يعتبر من أهم نقاط الاختلاف مع الأرثودوكسية الماركسية الثورية.

أن تكون ديمقراطيا اجتماعيا يعني وجوب رفض احتكار الدولة لمختلف القطاعات الاقتصادية. فلا يعقل أن تشرف الدولة على كل صغيرة وكبيرة، مع ضمان توفير الحد الأدنى من الابتكار والتجديد والجودة لمنافسة منتجات السوق العالمية. كما لا يمكن أن تمتلك الدولة مختلف وسائل الإنتاج وتضمن عدم تعفّنها بآفات المحسوبية والفساد.

عند الاصداح بأفكارها دون اعتبارات خارجية، يتم عادة اتهام الديمقراطية الاجتماعية بأنها، في أسوأ الأحوال، إحدى الاستنتاجات لنظريات ميلتون فريدمان. وفي أفضل الأحوال، بأنها ليبرالية اجتماعية. ورغم عدم استقامة التشبيه الأول وتعدد وجوه الاختلاف معه وإمكانية دحضه بسهولة، فلا يجب أن ننكر جدية التشبيه الثاني، حيث تتقاطع الديمقراطية الاجتماعية في معظم قيمها وأهدافها مع الليبرالية الاجتماعية. الاختلاف الوحيد تقريبا يكمن في الجذور التاريخية لكلا التيّارَين. فبينما خرجت الاجتماعية الديمقراطية من رحم الاشتراكية الثورية التي تعتقد بصراع الطبقات وأصبحت إصلاحية وأقل بعدًا عن الرأسمالية، فإن الليبرالية الاجتماعية تنحدر من الرأسمالية المطلقة لكنها أصبحت أكثر اشتراكية.

ورغم حساسية الاجتماعيين الديمقراطيين من كلمة الليبرالية، وذلك لخطإ نسبها جزافا للرأسمالية، ويقظة حواسهم عند تشبيههم بالليبراليين الاجتماعيين، فإنهم في الواقع، وعند الخوض في التفاصيل التطبيقية، يعتبرون التوجه الفكري الأكثر قربا لهم.

اقتصاد السوق الاجتماعي

اقتصاد السوق الاجتماعي في تعريفه هو نظام اقتصادي يقبل الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والشركات الخاصة مع ضوابط حكومية تحاول تحقيق منافسة عادلة، يهدف إلى التقليل من التضخم، خفض معدلات البطالة، وضع معايير لظروف العمل، وتوفير الخدمات الاجتماعية كالصحة والتربية والنقل. إذن هي معادلة بين ضدَّين لبلوغ دولة الرفاه.

يمر هذا عن طريق اقتصاد سوق معدّل ومُرشد يوفر الحد الأدنى من تكافؤ الفرص. نظام يعتبر أن تجميع ثروة البلاد لدى نسبة قليلة من الأشخاص هو أمر غير صحي ويقود إلى تنامي الأحقاد وضرب السلم الاجتماعية، وهو ما يتناقض مع مفهوم الرفاه، وبالتالي يجب محاربته.

هذه المصطلحات الخشبية يمكن تلخيصها في العبارة التالية: إذا كانت الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، فإن دولة الرفاه هي أعلى مراحل الاجتماعية الديمقراطية.

دولة الرفاه هي الغاية الأسمى التي يطمح الاجتماعيون الديمقراطيون إلى إرسائها في صورة بلوغهم للحكم. وهذا حسب اعتقادهم يمرعن طريق إيجاد تزاوج بين المنافسة الحرة وتدخل الدولة للتعديل. كما قال كارل شيلر، وزير الاقتصاد السابق لألمانيا الغربية: “سوق بالقدر الكافي، دولة بقدر ما يلزم”.

هذا المبدأ كان العمود الفقري للبرنامج الاقتصادي للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني من 1959 إلى حين سقوط جدار برلين والذي تخلى فيه الحزب للمرة الأولى عن الـدوكسا (المُسلّمات) الماركسية.

هل توجد تجارب مقارنة يمكن الاعتماد عليها؟

من المعلوم أن فترتي حكم مارغريت تاتشر بالمملكة البريطانية ورونالد ريغان بالولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي تعتبران التجارب المرجعية والانطلاقة الفعلية للنظام النيولبرالي. كما تعتبر الفترة الأولى من حكم الاتحاد السوفياتي التجربة المرجعية للنظام الشيوعي.

بالتناظر، يسعى الديمقراطيون الاجتماعيون جاهدين لإيجاد مثال مرجعي تمّ فيه تطبيق “اقتصاد السوق الاجتماعي”. فنجد من يعتمد في ذلك تجربة New Deal الذي انتهجها فرنكلين روزفلت، رئيس الولايات المتحدة في ثلاثينات القرن الماضي، إثر الانهيار الاقتصادي سنة 1929 والذي تدخلت فيه الدولة لإغاثة العاطلين والفقراء وإنعاش الاقتصاد وإصلاح النظام المالي لتجنب كساد مالي جديد.

كما يوجد من يضرب مثال المعجزة الاقتصادية الألمانية الغربية غداة الحرب العالمية الثانية والتي قادها كونراد أديناور لتكون البرهان على نجاعة تمشي فتح السوق مع محافظة الدولة على دورها الاجتماعي. ولكنّ كَون أديناور هو مؤسس الحزب المسيحي الديمقراطي -حزب يميني محافظ اليوم- يجعل هذه التجربة طيّ النسيان.

كما يقع ذكر التجربة السنغافورية بقيادة Lee KuanYew الذي طبّق، بعد فترتي احتلال من بريطانيا وماليزيا، برنامج اقتصاد سوق اجتماعي رفع ببلاده إلى أعلى المراتب في تحقيق دولة الرفاه : نظام تغطية صحية الأفضل في العالم، نظام تعليمي يتنافس على المرتبة الأولى سنويا ونسبة بطالة من بين الأضعف في العالم، هذا إضافة إلى الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد في العقود الفارطة نتيجة سوقها المفتوحة : قطب اقتصادي جاذب للمستثمرين، نسب نمو هي الأعلى قبل أزمة الكوفيد. لكنّ نظام الحزب الواحد الذي يحكم سنغافورة منذ 1965 يضعف من حظوظ هذه التجربة لتكون مرجعية.

نجد كذلك من يعتبر تجربة فرانسوا ميتيرون أيضا بعد سنتي حكمه الأولى وإقرار le tournant de la rigueur سنة 1983 تجربة يمكن دراستها. حيث قرر، تحت ضغط هروب رؤوس الأموال وعدم قدرة المالية العمومية على تسديد النفقات، التخلي على سياسات التأميم والترفيع في الأجور وانتهاج تمش أقل رعاية من الدولة وأكثر تحررية. هذه التجربة دفع ثمنها غاليا اليسار الفرنسي وخاصة الحزب الاشتراكي ولا زال الى اليوم.

المثال الآخر هو تجربة الـ perestroïka التي أقرها ميخائيل غورباتشوف رئيس الاتحاد السوفياتي، الّتي شملت مجموعة الإصلاحات السياسية وخاصة الاقتصادية التي اتبعها الاتحاد السوفياتي في السنوات الخمس الأخيرة قبل سقوطه. إصلاحات كان الهدف منها القرب من المعسكر الغربي وتحرير المبادرة والتشجيع على الملكية الخاصة.

دون أن ننسى تجربة النهج/الخيار الثالث لتوني بلير وجيرارد شرودر وبيل كلينتون الذين كانوا يعتبرون أنفسهم شخصيات يسارية أو قريبة من اليسار وقرروا انتهاج خيار ثالث بين الشيوعية والرأسمالية. لكن سرعان ما تحول هذا النهج لخيارات نيوليبرالية بحتة بتعلة البراغماتية الاقتصادية أو الـ realpolitik.

اليوم نتجه نحو اعتبار سياسات البلدان الإسكندنافية كمراجع للديمقراطية الاجتماعية، لكن دراستها بأكثر عمق، كغيرها من الأمثلة المذكورة سلفا، يتطلب مقالا آخرا مخصصا لذلك.

ختاما، على الديمقراطيين الاجتماعيين تحمل مسؤولية خياراتهم والاعتماد في ذلك على ثلاثة أساسيات، الأولى هي قيم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي قمنا بتعريفه، الثانية هي الاتعاظ والبناء على ما آلت إليه التجارب المقارنة، والثالثة هي دراية مكثفة بالواقع الوطني. تقديم الحلول من زاوية واقعية بعيدا عن الإجابات الجاهزة هو المنهج الأكثر تلاؤما مع مقتضيات هذا العصر الذي تتسارع فيها الأحداث بطريقة متواترة. ولا مستقبل للاجتماعية الديمقراطية دون مصارحة نفسها.

*لا فرق فعليا بين ديمقراطية اجتماعية وديمقراطية اشتراكية وكل نقاش حول أي المصطلحين نستعمل هو نقاش شكل وليس نقاش مضمون.