لا يمكن حصر قضية أحمد صواب في كونها قضية شبيهة ببقية قضايا الرأي التي تعيشها تونس منذ سنوات، بل تتجاوز ذلك لتمثل امتحانا لاحترام مبدأ حق الدفاع ومبدأ حرية التعبير، قضية فضحت زيف ادعاءات استقلالية القضاء الذي سمح لنفسه بسجن أحمد صواب بسبب تصريح صحفي تضمن استعارة تعبر عن الضغط المُسلط على القضاة خاصة أولئك الذين يباشرون قضايا سياسية وقضايا رأي.
محاكمة الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة
قضت المحكمة الابتدائية بتونس، في أكتوبر 2025 بسجن المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب خمس سنوات من أجل ”تعريض حياة أشخاص معنيين بالحماية إلى الخطر بالإفصاح عمدا عن معطيات من شأنها الكشف عنهم“ وفقا للفصل 71 من قانون مكافحة الإرهاب، و”التهديد بما يوجب عقابا جنائيا المرتبط بجريمة إرهابية“. وأقرت المحكمة حكما تكميليا بالمراقبة الإدارية لمدة ثلاث سنوات وفق ما ينص على ذلك الفصل السادس من قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال. حكم ابتدائي صدر إثر محاكمة عن بعد دامت دقائق معدودة، لم يتمكن فيها أحمد صواب من الدفاع عن نفسه ودون مرافعات من فريق الدفاع.

نواة في دقيقة: السلطة تعتقل الصواب
22/04/2025
يعتبر فادي سنان، المحامي وعضو فريق الدفاع عن أحمد صواب، أنه لا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة دون حضور المتهم أمام رئيس الجلسة ومنحه حقه في الدفاع عن نفسه أمام هيئة المحكمة. ومن باب أولى أن يترافع لسان الدفاع عن المتهم في جلسة علنية، لكن الحكم صدر دون مرافعات وفي جلسة لم تدم سوى سبع دقائق حسب قوله.
لا تخفى الخلفية الكيدية لمحاكمة أحمد صواب منذ إيقافه إلى حين صدور الحكم الابتدائي، فقد جاء إيقاف صواب على خلفية تصريح أدلى به لوسائل الإعلام أمام قصر العدالة بباب بنات إثر جلسة من جلسات قضية ما يُعرف بالتآمر على أمن الدولة والتي يمثل فيها صواب لسان الدفاع عن السياسيين المتهمين في القضية. تحدث المحامي والقاضي السابق عن سير القضية وعن الضغوطات المسلطة على القضاة في مثل هذه القضايا مستعيرا تعبيرا مجازيا ”السكاكين ليست مُسلطة على الموقوفين ولكن على رئيس الدائرة الذي سيُصدر الحكم الآن“ للقول إن القضاة لا يتمتعون بالاستقلالية الكافية للبت في القضية دون تدخل سياسي، السكاكين بالنسبة لأحمد صواب هي ضغوطات السلطة السياسية على القضاء. لكن حملة شرسة من التشويه والتحريض شُنت على صواب من خلال صفحات مساندة للسلطة داعية إلى إيقافه، وبعد يومين اعتُقل أحمد صواب بناء على الفيديو التحريضي الذي نشرته هذه الصفحات وأودع السجن بمقتضى تهم إرهابية.
شهدت العاصمة مساء الاثنين 21 افريل 2025، تحركًا احتجاجيًا شارك فيه عدد من النشطاء والسياسيين وممثلي المجتمع المدني، تنديدًا بإيقاف المحامي وعضو لجنة الدفاع عن المعتقلين في ما يعرف بملف “التآمر على أمن الدولة”، أحمد صواب، من قبل فرقة مكافحة الإرهاب.
وعبّر المحتجون عن غضبهم مما وصفوه بـ”التمادي في سياسة القمع ” مؤكدين أن إيقاف صواب يُمثّل استهدافًا مباشرًا لدور المحاماة والأصوات الحقوقية التي تدافع عن المعتقلين السياسيين. كما رفع المشاركون شعارات تطالب بالإفراج الفوري عنه ورفض سياسة التضييق على الحريات، معتبرين أن الاعتقالات المتكررة للمعارضين والمحامين بعد حملات تحريض ممنهجة لن ترهبهم ولن تمنعهم عن كشف التلفيق والدفاع عن المساجين السياسيين.
حسب منظمة هيومن رايتس ووتش فإن:
أحمد صواب، المحامي والقاضي الإداري السابق والمدافع الشرس عن استقلال القضاء، يقبع خلف القضبان لمجرد أنه ترافع عن متهمين وأدلى بآراء جريئة. محاكمته التعسفية بسبب دفاعه عن الآخرين بوجه الملاحقة القضائية التعسفية تظهر إلى أي حد تتمادى السلطات التونسية في قمع أي معارضة.
صواب لم يكن مجرد محام ينوب في قضية سياسية في قاعة المحكمة وعند مكاتب التحقيق فحسب، فقد كانت مداخلاته وتصريحاته الإعلامية المتعلقة بملف قضية التآمر مُفصلة تمكن من خلالها من تفكيك الملف وإثبات خلوه من أي أركان أو قرائن ثابتة قد تدين المتهمين فيها، بالإضافة إلى تأكيد الجانب السياسي والكيدي للقضية. بفصاحته المعتادة وحججه القانونية والسياسية المتينة ومصطلحاته المُبسطة وأسلوبه الطريف، كشف أحمد صواب للرأي العام فراغ الملف وهو ما مثل احراجا كبيرا للسلطة، لكن ثمن هذا الأداء كان باهظا جدا حيث كلفه شهورا طويلة من الإيقاف ومن المعاناة التي امتدت لعائلته ومحيطه.

مناضل دائم من أجل دولة القانون
أحمد صواب، 68 عاما، خريج كلية الحقوق بتونس، سنة 1983 التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة ثم بوزارة الفلاحة إلى حدود بداية التسعينات، حيث شارك في مناظرة الالتحاق بالمحكمة الإدارية التي عمل فيها قاضيا إلى حين التقاعد سنة 2017. كانت لأحمد صواب مواقف جريئة بالمحكمة الإدارية حيث أصدر قرارات قبل الثورة ضد الإدارة والتجمع الدستوري الديمقراطي، منها تسوية وضعيات عمال الحضائر بالبلديات ومنع الحزب الحاكم آنذاك من وضع موارد الدولة وموظفيها لفائدته… وغيرها من القرارات التي سُجلت بأحرف من ذهب في تاريخ القضاء الإداري التونسي.
بعد تقاعده من المحكمة الإدارية، التحق صواب بسلك المحاماة في 2018، وعُين مستشارا قانونيا للاتحاد العام التونسي للشغل، وبدأ بذلك مسيرة حقوقية ونضالية من نوع آخر. حيث كان من الوجوه الرافضة لقانون المصالحة الذي اقترحه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ودافع بقوة عن مسار العدالة الانتقالية ضد مساعي السلطة تمتيع الفاسدين بالحصانة والإفلات من العقاب، وقدم في ذلك محاضرات ومداخلات فضحت زيف ادعاءات السلطة بأهمية قانون المصالحة. كما كان المحامي الذي أعد ملف الشكوى، بتكليف من منظمتي البوصلة وأنا يقظ في 2019، ضد الرئيس الباجي قائد السبسي في تجاوز السلطة بعد إصداره عفوا خاصا على برهان بسيس المدان بسنتين سجنا في قضية فساد. كانت له مواقف جريئة ضد سلطة 25 جويلية وإجراءاتها التعسفية خاصة عزل عشرات القضاة، حيث كان أحمد صواب من أبرز المدافعين عن قضيتهم، وكان أيضا ضمن فريق الدفاع عن المعتقلين السياسيين المتهمين في قضية التآمر على أمن الدولة.
منذ الإعلان عن حل المجلس الأعلى للقضاء من مبنى وزارة الداخلية، استهدف نظام الرئيس سعيد بطريقة آلية متواصلة السلطة القضائية عبر خطابات متشنجة سرعان ما ترجمت إلى نصوص ومراسيم وقرارات عزل ونقل تعسفية. بمناسبة مرور سنتين على عزل 57 قاضيا، التقت نواة الأستاذ احمد صواب لنقاش الحالة التي أصبح عليها المرفق القضائي.
سيد أحمد، كما يناديه أصدقاءه، يعرف نفسه باختصار على أنه مدافع عن دولة القانون، ويشارك في اي تحرك أو تظاهرة من أجل دولة القانون، انتصر دائما إلى الخط المدافع عن الحقوق والحريات والعدالة والكرامة ومناهضة الإفلات من العقاب. كرس سنوات طويلة من حياته في الدفاع عن دولة القانون ورقابة القضاء على أعمال السلطة التنفيذية وعلى الحق في المحاكمة العادلة. مقولته الشهيرة تعبر عنه: انا لست حقوقي، انا حقاني.
قضية صواب والاتحاد ضد الظلم
ربما يكون إيقاف أحمد صواب من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها السلطة، فقد حرك إيقافه المياه الراكدة في الشارع السياسي وخلق حركية حقوقية نتجت عنها مسيرات نوعية كما وكيفا. منذ إيقافه دعت لجنة الدفاع عن صواب إلى تحركات ميدانية للمطالبة بإطلاق سراحه أبرزها مسيرة 25 أفريل 2025، وبعد ذلك تحولت المسيرات من المطالبة بإطلاق سراح أحمد صواب إلى مسيرات ضد الظلم والقمع دعت لها لجنة مساندة صواب وشهدت مشاركة مكثفة من مختلف الفئات والتيارات السياسية. رصيد أحمد صواب لا يقتصر على دفاعه عن المتهمين في قضية التآمر أو مواقفه المعروفة بالدفاع عن استقلالية القضاء، بل كان نضاله من أجل دولة القانون والحريات عنوانا اجتمعت حوله مختلف القوى والفئات وحولته إلى رمز للحرية ومناهضة سياسات القمع والتنكيل.
”خبز وماء وسعيد لا.“ أبرز شعار رفعته مسيرة ”الظلم مؤذن بالثورة“ التي نظمتها لجنة مساندة المعتقل السياسي أحمد صواب للمطالبة باطلاق سراح المعتقلين السياسيين والتنديد بدولة البوليس وقضاء التعليمات وسياسة القمع وتكميم الافواه، شعارات وصور ساخرة رفعت خلال المسيرة رفضا لمحاولات السطو على التاريخ اضافة الى الشعارات التقليدية المميزة للحراك المناهض للفاشية والاستبداد والرداءة والعبث.
بالنسبة للقيادي في الحزب الجمهوري وسام الصغير فإن إيقاف أحمد صواب ساهم في خلق ديناميكية واسعة لعدة اعتبارات، أهمها أن ”استهداف أحمد صواب لم يكن موجها إلى فاعل سياسي تقليدي بل إلى فاعل حقوقي وسياسي مستقل وغير متحزب عرف بدفاعه عن الجميع عند تعرضهم للظلم، وهو ما جعله خارج حسابات الاصطفاف الضيقة ومحل تعاطف عابر للانتماءات. بالإضافة إلى صداقاته الواسعة وقربه من الشباب وروحه الخفيفة ووديّته وهو ما جعله نقطة التقاء طبيعية بين أطراف مختلفة في المواقع والمجالات“. ويضيف الصغير أن الالتفاف حول أحمد صواب يعكس بحثا أعمق عن نموذج جامع ويؤشر إلى أن التفكير في مشروع توحيدي أو جامع ليس وهما، بل إمكانية قابلة للتحقق متى توفّرت الإرادة السياسية والحقوقية اللازمة حسب قوله.

لقد تحول إيقاف أحمد صواب في أفريل 2025 الماضي من صدمة في صفوف النشطاء والرأي العام إلى إرادة جماعية لمناهضة الظلم والتعسف وضرب حق المواطنين في حرية الكلمة والمحاكمة العادلة، صواب حول محاكمته إلى محاكمة لسجانيه وأعاد النقاش حول حق الدفاع واحترام الحق في المحاكمة العادلة إلى واجهة الأحداث، وساهم إيقافه في خلق أطر للاحتجاج ضد الظلم وتحريك الشارع ضد سياسات القمع والظلم والتهميش.




iThere are no comments
Add yours