منذ تسع سنوات، دخلت حديقة الحيوانات البلفدير في مرمى الاتهامات بالإهمال والتقصير في توفير ظروف ملائمة للحيوانات المقيمة بها، وأصبحت تحت مجهر منظمات دولية متخصصة في مراقبة الحيوانات داخل المحميات وحدائق الحيوان، وذلك بعد موت تمساح بسبب ضرب زوار له بالحجارة، أو انتشار صور دب بني في حالة وهن شديد، قبل أن يطفو الجدل من جديد بعد وفاة أنثى الفيل (العيثوم) ”بايبي“.
”بايبي“ بين افريقيا وأروبا
ينتظر المالك السابق ومروّض العيثوم بايبي، ”جيلبار بويير“، إضافة إلى كل من رافقها طيلة سنوات، تقرير الطب الشرعي في تونس لتحديد سبب وفاتها، تقرير لم يصدر بعد رغم مرور قرابة العشرين يوما عن وفاتها في 29 جانفي الماضي. منذ ذلك التاريخ سيقت روايات نقلتها وسائل إعلام فرنسية عن منظمات غير حكومية، عن البؤس الذي عاشته الفيلة بايبي منذ سن مبكرة، وهي روايات نفتها روزين بيرو، مربية فيلة ومؤسسة جمعية Elephant’ Home في فرنسا، ورافقت الفيلة ”بايبي“ قرابة العقدين.

تروي روزين في تصريح لنواة قصة الفيلة، مؤكدة أن ما تم تداوله حول البؤس الذي عاشته لدى مالكها، مجانب للحقيقة، وتضيف ”أعرف بيبي منذ قرابة خمسة عشر عاما، مالكها كان مؤديا في السيرك، في تلك الفترة كان هناك الكثير منهم يملكون فيلة. كانت يتيمة وهو من رباها وساهم في صنع شخصيتها. عائلتها ماتت بسبب صيادين عشوائيين في إحدى الدول الإفريقية، هذا ما روي عنها. أخذ بايبي وهي صغيرة جدا، ومنذ ذلك الحين، كان يرعاها بعناية كبيرة. وعلى عكس البلفدير، كان يضع كاميرا صغيرة لها لان الفيل ينام ساعات قليلة في الليل، وينهض باكرا في الصباح. وكان يراقبها ايضا للتأكد من انها نامت في الليل ويراقب حالتها. وكان يعتني بها جيدا وعاش معها طويلا“.
تعرّفت روزين بيرو على جيلبار بويير مروّض الفيلة بايبي في السيرك، قبل أن يتوقف تدريجيا عن المشاركة في عروض السيرك، وتقول إن بويير علّم ”بايبي“ الكثير وحرص كثيرا على توفير ظروف مريحة. تقول روزين ”قبل عقود، كان امتلاك الفيلة أو بعض الحيوانات البرية التي تشارك في عروض سيرك شيئا مألوفا، ولم يكن مالك بايبي ليسمح بتعذيبها أو بتعريضها للأذى. وبعد قراره التوقف عن المشاركة في عروض السيرك، وقبل نقلها إلى حديقة الحيوانات بالبلفدير، كانت بايبي تعيش في ظروف جيدة جدا، رغم أن الفيل يحتاج للعيش ضمن مجموعات، فقد وفر لها مالكها مسبحا خاصا، وغابة في شمال فرنسا، وكانت لها مساحة شاسعة للتجول بين الأشجار والسباحة، وعاشت في ذلك المكان ثلاث سنوات“.
العديد يعرفون البلفيدير من خلال حديقة الحيوانات، لكن هذه الحديقة العمومية التي تمسح أكثر من 100 هكتار هي من أكبر المناطق الخضراء بالعاصمة وغطاءها النباتي يجعلها بمثابة رئة العاصمة التي تعرف كثافة سكانية متصاعدة وتختنق بحزام المناطق الصناعية المحيط بها. لكن الارتجال على مستوى التهيئة العمرانية يهدد مساحة البلفيدير بالتقلص لتفسح المجال لباعثين عقاريين خواص أو لطرقات تحد من الاختناق المروري وتُضَاعف من التلوث. في لقاء مع نواة، نبهت آمنة الشرفي، الكاتبة العامة لجمعية أحباء البلفيدير، من هذه المخاطر مشددة على الأهمية الوطنية لهذه الحديقة وضرورة المحافظة عليها.
رغم أن بويير مالك بايبي حسّن حياة فيلته كثيرا، حسب ما يتناقله عدد من معارفه، إلا أن ذلك لم يضع حدّا للدعاوى القضائية التي لاحقته من قبل جمعيات تدافع عن الحيوانات البرية من بنها منظمة One Voice، حيث نشرت الجمعية عرائض ضدّ مالكها، مؤكدة أنه عرضها لتدريب قاس منذ صغرها حتى تتأقلم مع عروض وحركات السيرك. تقول روزين بيرو لنواة:
كانت الجمعية تريد أخذ بايبي بعيدا، ولم تتحدث مع الأشخاص العاملين في السيرك للاطلاع على وضعيتها، كما لم يكن هناك حوار مع مالكها رغم أن ظروف حياتها تحسنت كثيرا. في فرنسا، يُنظر إلى السيرك بدونية وليس هناك تنسيب في ذلك. رغم حرص تلك الجمعيات مقاضاة مالك بايبي، إلا أنه من المفارقة أنها لم تقدم أية مساعدة ولو بثمرة واحدة للحيوانات حتى في فترة كوفيد. كانت بايبي خلال مشاركتها في السيرك تتغذى جيدا وتخرج للتجوال، لكن تلك الجمعيات ضغطت بشكل كبير وهو ما جعل الوضع صعبا جدا بالنسبة لمروّضها الذي حاول وضعها في مأوى في فرنسا، لكن الملجأ رفض استقبالها.
سنة 2023، ارتأى جيلبار بويير تقديم فيلته إلى حديقة الحيوانات بالبلفيدير بتونس العاصمة بعد أن نصحه صديقه محمد عطية بأنه من الجيد لها العودة إلى أرض تقع في قارتها الأصلية وهي القارة الإفريقية.

تحدثت نواة إلى محمد عطية الذي توسّط لجلب الفيلة بايبي إلى حديقة البلفدير سنة 2023، وقال إنه اقترح على صاحبها إهداءها إلى تونس خاصة أنه أراد أن يختار بنفسه المكان الذي ستعيش فيه، واطلع على المكان المخصص لها في الحديقة فرأى أنه مناسب خاصة أن به مسبح والفضاء الخارجي شاسع وهو ما يناسبها. ويضيف محمد عطية ”بايبي فيلة ذكية جدا وتحب اللعب دائما، وتوفير بركة مياه لها ضروري حتى نحاكي الوسط الطبيعي الذي تعيش فيه الفيلة، لكن للأسف، جفّت تلك البركة بالبلفيدير ولم يُعد المشرفون على الحديقة ملأها“.
بعد الجدل الذي صاحب موت الفيلة بايبي، قال الدكتور عمر النيفر مدير حفظ الصحة وحماية المحيط ببلدية تونس في تصريح لإذاعة ديوان أف ام إن الفيلة احتُجزت لمدة عشرة أيام في غرفتها خوفا من الأمطار والرياح التي شهدت فيها تونس أمطارا غزيرة، وأنها وُجدت ممددة في تلك الغرفة قبل أن تفارق الحياة. وصف محمد عطية ذلك الاحتجاز بأنه يشبه العزل الانفرادي، في غرفة لا تتجاوز خمسة على أربعة أمتار، وهي عملية يدرك المهتمون انها تسبب حالة اكتئاب عميقة لدى الفيلة تكون تأثيراتها بالغة على صحة الحيوان، خاصة بالنسبة لبايبي، التي تحتاج الهواء الطلق واللعب والتحرك في مساحات أكبر. من جهتها تفسّر روزين بيرو فرضية سبب وفاة بايبي بالقول ”يبدو أنه كان هناك دفعة من الأدرينالين في المخ وذلك نتيجة للضغط الذي يسببه احتجازها مطولا في مساحة ضيقة، ما يخلّف ضررا كبيرا لجسم الفيل ويؤدي إلى تراجع كبير في المناعة. لم تكن ”بايبي“ في وضعية جيدة ومن المفترض أنها أفرزت الكثير من الكورتيزول وهو ما يسبب توترا شديدا. وأيضا كان الزوار يرمون لها أشياء لتأكلها، غير مناسبة لنظامها الغذائي. لست متخصصة وننتظر نتائج التشريح التي وعدنا المسؤولون بالاطلاع عليها“.
التقينا رئيس جمعية اصدقاء البلفيدير السيد “زين العابدين بن عيسى” في حوار استعرض فيه مجموعة من المشاكل و الصعوبات التي عانتها حديقة البلفيدير في زمن الزعبع و تنفست الصعداء على اثر هروبه. كما استعرض عديد المشاكل و المخاطر التب تتهدد الحديقة الى اليوم. هذا و قد قدم محدثنا بسطة حول الجمعية التي براسها و انشطتها وسعيها الى التعاون لما فيه مصلحة حديقة البلفيدير مع كل من المصالح البلدية المعنية و المواطنين الى جانب لمحة عن الحديقة بصفة عامة واعددنا لكم الروبرتاج التالي.
الحديقة المزرعة
يُجمع كل من زار حديقة البلفيدير قبل عقود أن حال الحديقة تغيّر إلى الأسوء، حيث فقدت عددا كبيرا من الحيوانات دون تعويضها. عند التجوّل في حديقة البلفدير، يمكن للزوار ملاحظة الأقفاص الفارغة التي كانت تأوي أنواعا من الحيوانات البرية، في المقابل، تعددت الأقفاص التي تضم أنواعا من الحيوانات الأهلية مثل الأغنام والطيور والجمال والأحصنة والأبقار، فأصبحت الحديقة شبيهة بمزرعة.
حسب موقع Zootier Listeفإن حديقة البلفدير خسرت 68 نوعا من الحيوانات والطيور. يقول أحد عمال حديقة البلفدير إن الحديقة فقدت فرس النهر والحمار الوحشي والفقمة والوشق والزرافة وأنواعا من البقر الوحشي والدببة والتماسيح وأنواعا أخرى من الثدييات، ويضيف ”كل تلك الأنواع ماتت ولم يتم تعويضها. أعمل منذ سنوات طويلة في الحديقة، ويمكنني القول إن حالها ساء خاصة بعد فقدان التنوع الذي كانت تتميّز به“.

لم يكن مشكل حديقة البلفدير منحصرا في فقدان أنواع من الحيوانات البرية فحسب، بل في العناية بها، حيث يمكن ملاحظة تراكم الأوساخ وقوارير المياه البلاستيكية وسط الفضاءات التي تأوي حيوانات كثيرة. يقول أحد العملة هناك بعد طلب عدم كشف هويته، إن قردا توفي وعند تشريحه وُجدت قطع من البلاستيك داخل جسمه.
تكفي جولة صغيرة في الممرات الموازية لأقفاص الحيوانات البرية لإدراك حجم الإهمال داخل الحديقة، حيث تبرز أضلاع الأسود وتبدو في حالة من الكآبة الواضحة، حتى إن طفلا صاح مخاطبا والدته ”شبيه فاقد للأمل؟“. يقول العامل بالحديقة إن طعام الحيوانات يختلف من نوع إلى آخر، حيث يتم إطعام الأسود لحم الحمار الطازج، وتقدم للقردة بعض الغلال و”طاجين“ المعجنات، أما الدببة فتأكل معجنات (مقرونة) مسلوقة ولحم مسلوق أيضا إضافة إلى الخس.
عند المرور بمأوى نوع من الغزلان، يمكن ملاحظة بقايا قرون يبدو أنها قًطعت، وفسّر العامل بالحديقة إنه يتم قطع قرونها حتى لا تتشابك عند العراك بينها وحتى لا تؤذي بعضها. تقول روزين بيرو ”حديقة البلفدير لا تستجيب للمعايير الصارمة لرفاهية الحيوانات البرية، وهناك محاولة من منظمة إفريقية تعتني بالحيوانات البرية لإنقاذ الدب الموجود في تونس بسبب سوء وضعه“.

سنة 1910 افتتح منتزه البلفيدير لأول مرة أمام زواره في مساحة تمتد على نحو 110 هكتار ما جعلها متنفسا ورئة للعاصمة وسكانها. سنة 1963 وعلى مساحة 10 هكتارات، أُضيفت حديقة الحيوانات إلى منتزه البلفيدير، ومنذ ذلك التاريخ تحول البلفيدير إلى جزء من الذاكرة التونسية يتعلق به التونسيون ويحتفظون بذكريات زياراتهم العديدة إلى أم منتزهات العاصمة. إلا أن هذه المكانة الخاصة للمنتزه العمومي في قلوب التونسيين لم تشفع له من ناحية تطويره وصيانته والحفاظ على سلامة الحيوانات المقيمة به، التي نفق بعضها دون أن يهتم لذلك أحد. ما شفع لقصة ”بايبي“ بالخروج إلى العلن هي الضجة التي رافقت جلبها من فرنسا إلى تونس بعد مضي نحو 20 سنة على وفاة انثى فيل الحديقة دون ان يتم تعويضها، إلا ان بايبي نفقت هي الأخرى 3 سنوات فقط بعد جلبها إلى تونس في انتظار ما سيكشفه تقرير الطب الشرعي في علاقة بأسباب وفاتها وما سيترتب عن ذلك خاصة من حيث سمعة حديقة البلفيدير ومستقبل جلب حيوانات برية للإقامة بها.


iThere are no comments
Add yours