ظهرت المحامية دليلة بن مبارك مصدق والناشطة غفران بينوس يوم 15 أفريل في جلسة استماع أمام لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي للحديث عن وضع الحقوق والحريات والعدالة في تونس، ما أثار حفيظة المتشنجين في صفوف المعسكر المؤيد لسعيّد، ليطلق العنان لخطاب المؤامرة والتخوين هربا من الواقع بما يحمله من حقائق وأدلة.

عند التطرق إلى مثل هذه المواضيع ”الحساسة“ لا يجب أن نغفل عديد الجوانب الأساسية، أهمها الإجابة عن الأسئلة بوضوح والردود الموضوعية على كل ما يُطرح داخل هذه الأطر، وخاصة علاقة الدولة التونسية بهذه الأطر الإقليمية والأممية على غرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي ومنها البرلمان الأوروبي، إضافة إلى هيئات التحكيم الدولية على غرار محكمة العدل الدولية أو المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. ومن البديهي أن تونس مرتبطة بهذه الأطر سواء بالعضوية المباشرة أو عبر شراكات واتفاقيات مختلفة. هذه العلاقة تضع على الدولة التزامات واضحة منها احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية واستقلال القضاء، والدولة مُطالبة أيضا بالرد على كل ما يُثار من قضايا بداخلها، وتقديم تقارير دورية حول قضايا معينة خاصة أمام مجلس جنيف لحقوق الإنسان. وتضمن نفس هذه الأطر حق المجتمع المدني والمعارضة تقديم نظرتها لما يحدث في البلاد، انطلاقا من قاعدة بسيطة قائمة على أن الدولة ليست فقط السلطة، بل مؤسسات ومجتمع مدني، والسلطة تتحدث باسم الدولة ومُطالبة باحترام تعهداتها الدولية في كافة المجالات منها حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

لا نتحدث عن هذه الأطر بوصفها مثالية أو مرجعية في احترام حقوق الإنسان، بل الواقع أقرب للعكس، فعديد الدول والاتحادات الإقليمية كانت تدعم الدكتاتوريات وتؤيد بشكل لا مشروط حرب الابادة الصهيونية في قطاع غزة وقمعت حق الشعوب في تقرير مصيرها. لكن الأمر يتعلق باحترام دولتنا لتعهداتها، بعيدا عن منطق اعوج يعتبر أن انتهاك الغرب لقيم حقوق الإنسان ودعمه للاستعمار والصهيونية مبررا لانتهاك حقوق الإنسان وكرامة المواطنين. والأهم من ذلك احترام السلطة لحق مواطنيها في التعبير والعمل المدني السلمي والمحاكمة العادلة، وهي حقوق أساسية، دون الحاجة إلى اللجوء إلى هيئات أممية أو مؤسسات إقليمية. الخطأ لا يكمن في مداخلة قدمتها دليلة مصدق أو غفران بينوس أمام البرلمان الأوروبي، بقدر ما يقع الخطأ على سياسات ضربت المحاكمة العادلة وقمعت الأصوات المعارضة وفتحت السجون لمن تريد بتهم ثقيلة وملفات فارغة ستبقى شاهدة على إحدى أحلك فترات الظلم واستغلال النفوذ التي عرفتها تونس منذ استقلالها. الخطأ لا يقع على عائلات ظُلم أبناؤها وزج بهم في السجون ثم تم ابعادهم امعانا في التنكيل والتشفي فلم يجدوا من السلطة وانصارها غير التشفي والشماتة وهتك الاعراض والسحل الالكتروني المتواصل. فالمنطق يقول إن أردت الحفاظ على صورتك أمام الرأي العام العالمي، فلا تجعل بلدك مصدرا لأخبار الاعتقالات والمحاكمات التي يُضرب فيها حق الدفاع وتصدر فيها أحكام مشددة بالسجن في قضايا الرأي والسياسة، ويُضطر فيها الشيخ الثمانيني عز الدين الحزڨي إلى قطع مئات الكيلومترات أسبوعيا من أجل زيارة ابنه وتقديم القفة. دليلة مبارك لم تخطئ، بل قامت بدورها في الدفاع عن شقيقها السجين السياسي وعن كل ضحايا المحاكمات السياسية، والمفارقة أن الهجوم على دليلة لم يقتصر على أبواق السلطة، بل انخرط في ذلك جزء من المحسوبين على المعارضة.

إن طرح مسألة المداخلات التي يقدمها نشطاء تونسيون أمام هيئات أممية أو مؤسسات إقليمية كالاتحاد الأوروبي لا يجب أن يكون معزولا عن السياق العام، لا نتحدث هنا عن سياق المحاكمات الكيدية والتضييق على العمل المدني والسياسي وهو ما تطرقنا إليه أعلاه، ولكن نطرح هنا مسألة مهمة تتعلق بالاتفاقيات التي تمضيها الدولة التونسية مع الشركاء الدوليين والهيئات الأممية. فمنذ عهد بن علي كانت بعثات دبلوماسية تونسية تقدم تقارير عن حالة حقوق الإنسان وحرية الصحافة والحريات السياسية في تونس أمام الهيئات الأممية وأثناء المحادثات مع الاتحاد الأوروبي والتي تتناول دائما هذا الجانب باعتبار تعهدات التزمت بها الدولة التونسية آنذاك تتعلق بمسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وكانت وفود من المعارضة والمجتمع المدني تقدم أيضا مداخلات في هذا الشأن، وبطبيعة الحال كانت أبواق النظام وصحافته الصفراء بارعة مختصة في التشويه والتخوين والاتهام بالعمالة. وها نحن اليوم أمام مشهد مكرر في شكل مهزلة، فالسلطة وأنصارها يروجون لخطاب القطع مع الماضي والمقاربات الجديدة، لكن الواقع يؤكد أن الأمر لا يعدو كونه استنساخا لأسوأ أساليب الاستبداد والفاشية مع فسح مساحة أكبر لثقافة التشفي والانتقام والكراهية.

 والمفارقة أن السلطة مهما تغير لونها السياسي تحرص دائما على تنفيذ جميع التزاماتها خاصة المتعلقة بالمبادلات التجارية أو مجال الهجرة غير النظامية، لكنها تغض الطرف عن التزاماتها في مجال حقوق الإنسان والحريات. ولا ننسى أيضا أن جزء من هذه الاتفاقيات تبقى غير معلومة لدى المواطنين باعتبار سياسة التعتيم التي تمارسها السلطة، فمذكرة التفاهم الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي بخصوص الهجرة غير النظامية بقيت أمرا مجهولا لدى عامة الناس وأيضا على مؤسسات الدولة ومجلس النواب الذي يطالب أعضاءه بالاطلاع على تفاصيل الاتفاقية. هي مذكرة تفاهم تفاقمت بموجبها وضعية المهاجرين غير النظاميين في تونس وساهمت في ارتفاع وتيرة الترحيل القسري للمهاجرين التونسيين غير النظاميين في الدول الأوروبية، مذكرة تكافح بمقتضاها تونس موجات الهجرة غير النظامية في اتجاه السواحل الأوروبية وخاصة الإيطالية بدلا من الأوروبيين ولعبت دور حرس الحدود البحرية عوض تأمين حدودنا مع الجارتين ليبيا والجزائر. واعتمادا على سياسة الهروب إلى الأمام توجه الاتهامات والأحكام السجنية المشددة إلى نشطاء العمل المدني ومناهضة العنصرية تبريرا لوهم التوطين وتغيير التركيبة الديمغرافية مع ما تيسر من حملات التشويه والتخوين، عوض أن تُحاسب السلطة على فشلها في إدارة ملف الهجرة، وحرصها على إرضاء الإيطاليين على حساب مصلحة تونس، مع اقتصار على الحل البوليسي وتحميل نشطاء العمل المدني مسؤولية الفشل الحكومي. هل يندرج هذا في إطار حماية السيادة الوطنية؟ لماذا يقبل الرأي العام وخاصة المساند للسلطة أن تدفع تونس ثمن سياسات واتفاقيات لا تخدم إلا ”الشريك“ الأوروبي؟ ولماذا تقبل كل هذا ويضيق صدرك بمداخلة علنية أمام لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي!؟ أليس ذلك هو نفس البرلمان الذي يصادق على قروض وهبات واتفاقيات مع دولتك؟ 

طبعا قد نختلف حول فحوى هذه الاتفاقيات وعلاقتها بالسيادة الوطنية وتكافؤ العلاقة بين تونس وشركائها، لكننا لا نختلف مطلقا في أن الدولة مطالبة باحترام حقوق مواطنيها وحرياتهم الأساسية دون أن تنتظر توصيات غربية، وأن تحفظ صورة البلاد كدولة منفتحة لا تعاقب فيها السلطة المخالفين بالسجن والتنكيل. لكن وضع النعامة هي السياسة السائدة وإنكار الواقع وتسليط الميليشيات الإلكترونية على المخالفين لتشويههم وتخوينهم واتهامهم بالعمالة وتشويه صورة تونس في الخارج، عوض اتباع سياسة انفتاح وإصلاح تعيد للمواطن كرامته وحريته، فالسيادة لا تعني مطلقا الدوس على كرامة المواطنين، فالوطن الحر المستقل يكون مواطنوه ومواطناته أحرارا بالضرورة.