هي صدمة أو شبهها، نقلتها مقاطع فيديو توثق انحطاطا ما بعده انحطاط، حملات ملاحقة وطرد واذلال واغتصاب ممارسة وتهديدا..تنفذها ميليشيات شبيهة بتلك التي تلاحق المهاجرين التونسيين في أوروبا. صدمة متكررة، فالانفلات العنصري غير جديد، بل تعايش وترعرع داخل تابوهات وأطر شبه محظورة عن التداول والنقاش الصريح، حتى وصل إلى حناجر شباب راكم الخيبات السياسية وركب موجة الشعبوية، فأنتج تنظيما شوفينيا عنصريا يرتع في البلاد ويبث سموم حقده عبر حملات ميدانية ورسائل تقطر كراهية وتحريضا. لكن التغيير الجذري حصل بعد بلاغ الرئاسة الشهير في فيفري 2023، بلاغ مؤامرة تغيير التركيبة الديمغرافية الذي اقتبس نظرية الاستبدال الكبير للعنصري الفرنسي رونو كامي. بلاغ أشادت به وصفّقت له شخصيات يمينية متطرفة خارج تونس ودافعت عنه الخارجية التونسية بلويها عنق المنطق خلال ندوة صحفية نظمتها بمقرها يوم 6 مارس 2023. ندوة نفى فيها وزير الخارجية بتلعثم وجود نفس عنصري، مجيبا الصحفيين حول العبارات الواردة ببلاغ الرئاسة بأنها نتاج معلومات وعمل بعيد عن كل اقتباس عنصري أوروبي.

بلاغ فيفري 2023 كان بمثابة المحرر للنزعات العنصرية، فبعده ظهرت حملات طرد المهاجرين من افريقيا جنوب الصحراء من المنازل التي يكترونها، قبل ان يتطور الامر إلى حملات تجميع واعتقال تلقي بهؤلاء المستضعفين على الحدود التونسية الليبية سرعان ما تم تعويضها بتجميع مهاجري جنوب الصحراء في غابات الزيتون بمناطق العامرة وجبنيانة من ولاية صفاقس. وهذا ”أفضل من تواجدهم بالمدن“ على حد تعبير وزير الداخلية الأسبق كمال الفقي أمام مجلس النواب بتاريخ 26 جويلية 2023.

ولأن العنصري كائن جبان بطبعه، فقد انتظر هذا الغطاء السياسي واطمأن إلى استحالة عقابه، لتبدأ بعدها حملات تعقب المهاجرين والقبض عليهم واحتجازهم بالتوازي مع إشعال نار الكراهية وتخوين كل صوت يجرأ على الاصداع بالحقيقة. كراهية مقيتة لم تبق حكرا على ابواق جوفاء حبيسة شبكات التواصل، بل صارت تصدر دون خجل عن كتاب وصحفيين وشعراء قادهم جبنهم إلى محو تدويناتهم العنصرية أو حذف العبارات العنصرية منها لا عن قناعة، بل خوفا من مساءلة قانونية لا ولن تسقط بالتقادم. عنصرية جبانة تعي جيدا أن مهاجري جنوب الصحراء يتوافدون أساسا على بلادنا وباقي دول شمال افريقيا المطلة على المتوسط، لا للاستقرار بها بل لركوب قوارب ”الحرقة“ رياضة الشباب الأولى في تونس. عنصرية جبانة تدرك جيدا أن سبب الأزمة سياسات الدولة الفاشلة في مجال الهجرة وأن البلاد تحولت الى حارس حدود لشواطئ إيطاليا بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي بقصر قرطاج يوم 16 جويلية 2023، لكن جبنهم يمنعهم من مواجهة سلطة تجيب من ينتقدها بالسجن، فخيروا سحل منظمات مدنية وإنسانية بالتشويه والتخوين وهتك الأعراض وتحميلها مسؤولية سياسات سلطة يدعمونها ويرتجفون منها في آن واحد.

كل هذه المعطيات الموثقة بالحجج والبراهين انتجت كرة حقد عنصري لم تكف عن التعاظم، تستفيد من حرج السلطة وصمتها لكنها لا تترد أحيانا في مهاجمتها لا احتجاجا على العنصرية بلا مطالبة بالمزيد منها.

هي ممارسات إذا صادمة لمن كان يرفض مشاهدة انعكاس المجتمع في المرآة أو لمن راهن على التسامح والانفتاح التونسي فإذا به ينقلب تشنجا وتشفيا أو من كان فعلا مغيبا عن هذا الواقع حبيس عالم آخر. ممارسات صارت الأقلام تتجنب طرحها بجرأة حتى لا تقودها الكلمات إلى السجون، فصار الترحيل القسري عودة طوعية والجريمة العنصرية تجاوزا يعالج باللوم اللطيف وحتى بالرفع من المعنويات والتطبيع مع الاغتصاب رأيا يجد ألسنة تتجند للدفاع عنه على اعتباره اخرج من سياقه حتى داخل البرلمان. فها نحن نطرح مرة أخرى هذه الجرائم كما سبق وأن طرحناها لا بحثا عن بطولات أو زعامات موهومة، إنما احتراما لأنفسنا لإنسانيتنا ولأخلاقيات مهنتنا، فالصمت اليوم عن هذه الجرائم وهذا الانحطاط أو حتى محاولة تلطيفه والتقليل من شأنه، هو مشاركة في الجريمة العنصرية ومشاركة في التطبيع معها.