المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

كما رحل من سبقه من رؤساء وسياسيين، عاجلًا أم آجلًا، سيرحل سعيّد،. لكن دعونا، هذه المرّة، لا ننظر إليه بوصفه مجرّد أستاذ «نظيف» انتُخب رئيسًا، ثم أغواه المنصب وفقد صوابه، فتحوّل إلى حاكم مستبدّ، فاشل في إدارة البلاد، يتعلّل بمحاربة الفساد والمتآمرين ليبرّر بقاءه في الحكم إلى ما لا نهاية.

دعونا ننظر إليه بوصفه تجسيدًا قاسيًا لبعض تناقضات المجتمع التونسي.

فرغم غرابة طريقته في الإلقاء، وأسلوبه غير المعتاد في الظهور والخطاب، فإن قيس سعيّد لم يأتِ من خارج هذا المجتمع، ولم يهبط عليه مصادفة، ولم يصنع وحده المناخ الذي سمح لخطابه بالانتشار. ربما تكمن أهميته، أبعد من شخصه ومن تجربته في الحكم، في قدرته على تجسيد مجموعة من القيم والمخاوف والتناقضات الكامنة فينا، ثم إعادتها إلينا في صورتها الأكثر وضوحًا وتطرّفًا.

وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن رحيل قيس سعيّد يومًا ما لن يكون، في حدّ ذاته، جوابًا عن السؤال الأهم. فالرؤساء يرحلون، لكن المجتمع الذي أنتج شروط صعودهم يبقى.

لذلك، بدل أن نسأل: ما الذي رآه جزء من المجتمع التونسي في قيس سعيّد، فرأى فيه نفسه؟ لعلّ السؤال الأكثر إزعاجًا هو: ما الذي يرفض المجتمع التونسي أن يراه في قيس سعيّد، لأنه يرفض أن يراه في نفسه؟

لطالما سمعت أننا شعب «عيّاش»، شعب يحب الحياة. ولعلّنا كذلك فعلًا. لكن أيّ حياة نحب؟

فينا من يعيش حياة تشبه، في بساطتها على الأقل، الصورة التي ارتبطت بالأستاذ قيس سعيّد قبل الرئاسة: بيت متواضع، وسيارة شعبية، ومقهى شعبي يرتاده بانتظام. وفينا من يقترض ليشتري سيارة وشقّة، ثم يرتاد المقهى كل يوم ليخفّف شيئًا من ضغوط الحياة بقهوة وسجائر ونقاش لا ينتهي حول أحوال البلاد أو أخبار كرة القدم. وفينا من يضيف إلى تلك القروض قرضًا آخر لقضاء بضعة أيام على شاطئ البحر في الصيف، ويخفّف ضغوط الحياة بـ«بلعة»: جلسة خمرية تُقام بعيدًا عن أعين الناس وبأقلّ التكاليف، ينفكّ فيها، لساعات قليلة، ما ظلّ مشدودًا طوال الأسبوع؛ فتخرج المشاعر دفعة واحدة، ضحكًا وصراخًا وبكاءً، قبل أن يستيقظ صاحبها في اليوم التالي مثقل الرأس، خفيف الوجدان، وقد عاد كل شيء تقريبًا إلى مكانه.

لا أذكر هذه الصور احتقارًا لهذه الحياة البسيطة، ولا إنكارًا لما فيها من لحظات فرح حقيقية، بل لأنها تطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل تخفي هذه البساطة شيئًا أعمق وأكثر تعقيدًا؟ هل نحن فعلًا شعب يحب الحياة، أم شعب يتقن احتمالها ويختلس منها، من حين إلى آخر، لحظات صغيرة من المتعة، مكلفة أحيانًا أو مصبوغة بالذنب؟ وما ثمن هذا التحمّل على الفرد والمجتمع؟

إنّ فينا، وعلى غرار الأستاذ قيس سعيّد، من يضبط مشاعره ورغباته ونزواته إلى حدّ التصلّب. ولنتذكّر ظهوره الشهير في الكاميرا الخفية «الزلزال» عام 2013. ففي موقف صُمّم لإثارة خوف غريزي على البقاء، لم يهرب، ولم يختبئ، ولم يصرخ أو ينهَر، بل حافظ على تماسك لافت حتى النهاية.

ولعلّ الأهم من ردّة فعله نفسها هو ردّة فعلنا نحن تجاهها. فقد رأى كثيرون في ذلك التماسك علامة على الثبات ورباطة الجأش وقوة الشخصية، في مقابل السخرية من مشاهير آخرين هلعوا وصرخوا خوفًا على حياتهم، مع أن الخوف في مثل هذه الحالة استجابة بشرية طبيعية.

هنا يصبح السؤال أعمق من شخص قيس سعيّد: لماذا أُعجبنا بمن أخفى خوفه أكثر ممن أظهره؟ ولماذا بدت لنا السيطرة على المشاعر فضيلة في ذاتها؟

ليس في وسعنا أن نستنتج من مشهد تلفزيوني ما يجري داخل نفس رجل، ولا أن نشخّص شخصيته من بعيد. لكن يمكننا أن نتساءل عمّا ترمز إليه هذه الصورة داخل ثقافتنا: الرجل الصلب، قليل التعبير، شديد السيطرة على نفسه، الذي لا يبدو محتاجًا ولا خائفًا ولا مندفعًا وراء متعة. وهي صورة قد تتحول، حين تُرفع إلى مرتبة المثال الأخلاقي، من ضبط للنفس إلى تمجيد للكبت، ومن بساطة إلى تمجيد للحرمان.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين من الحرمان. ثمة حرمان استراتيجي، يؤجّل فيه الإنسان لذّة آنية من أجل غاية أبعد تعود عليه بالنفع: يدّخر بدل أن ينفق، يتعب اليوم من أجل أن يرتاح غدًا، ويضبط رغبةً لأنه اختار رغبةً أكبر منها. في هذه الحالة، لا يكون الحرمان غاية، بل ثمنًا مؤقتًا يدفعه الإنسان في سبيل حياة يريدها.

لكن ثمة حرمانًا آخر لا يبدو أن وراءه حياة مؤجّلة، بل يستمد قيمته من الحرمان نفسه. هنا لا أمتنع لأن امتناعي سيمنحني شيئًا أعظم لاحقًا، وإنما لأن قدرتي على الامتناع تمنحني شعورًا بالتفوّق الأخلاقي على من لم يمتنع. لا تصبح السيطرة على الذات وسيلة لتحقيق غاية، بل تتحول هي نفسها إلى غاية، وإلى برهان أقدمه لنفسي وللآخرين على صلابتي وطهارتي واستقامتي.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الصورة التي ارتبطت بقيس سعيّد : ليست المسألة مجرد رجل يعيش ببساطة ويضبط نفسه، بل نموذج أخلاقي تُمنح فيه البساطة والصرامة والامتناع قيمةً في ذاتها. والخطر يبدأ حين لا يعود هذا التفوق الأخلاقي شأنًا شخصيًا، بل يصبح معيارًا يُقاس به الآخرون.

وهنا يصبح التحول من «الأستاذ قيس سعيّد» إلى «الرئيس قيس سعيّد» أكثر إثارة للاهتمام. فالرجل الذي ارتبطت صورته العامة بالبساطة والتقشّف وضبط النفس وجد نفسه، فجأة، في أعلى موقع للسلطة. وما كشفته السنوات التالية، في قراءتي، ليس بالضرورة سرًا نفسيًا يمكننا الجزم به، وإنما شيئًا سياسيًا أوضح: أن الحرمان، حين يتحول إلى فضيلة، قد لا يكتفي بصاحبه؛ قد يبحث عن سلطة تجعل فضيلته معيارًا للآخرين.

فالإنسان المتقشّف لا يمثل مشكلة لأنه متقشّف، كما أن الزاهد لا يمثل مشكلة لأنه زاهد. تبدأ المشكلة عندما تصبح البساطة دليلًا على الطهارة، والوفرة مدعاةً للشبهة، وضبط الرغبات دليلًا على الاستقامة، والاستمتاع بالحياة قرينةً على الانحلال. وعندئذ، لا يعود المرء مكتفيًا بأن يحرم نفسه؛ بل قد يبدأ في النظر إلى حرمان الآخرين بوصفه عدلًا، وإلى عقاب المترفين بوصفه واجبًا.

وفي جانب من ثقافتنا الاجتماعية، يبدو الحرمان أحيانًا أقرب إلى الفضيلة من الوفرة، والتقشّف أقرب إلى الاستقامة من الاستمتاع بالحياة. نرتاب ممّن يعيش جيدًا، ونبحث خلف نجاحه عن خطيئة، وخلف ثرائه عن فساد، وخلف حريته عن انحلال. وكأن الإنسان لا يستحق احترام الجماعة إلا بقدر ما يُظهر من صبر على الشقاء، وضبط لرغباته، وتنازل عن نصيبه من المتعة.

لا تكمن المشكلة في الزهد حين يكون اختيارًا فرديًا، ولا في البساطة حين تكون قناعة، بل حين يتحول الحرمان إلى معيار أخلاقي يُقاس به الآخرون؛ حين لا يعود كافيًا أن أختار أنا حياة متقشفة، بل يصبح عليّ أن أزدري من اختار حياة أكثر بهجة ووفرة.

ولعلّ أحد أكثر الأمثلة اليومية وضوحًا يظهر في شهر رمضان. فليس المقصود هنا الصيام نفسه، بوصفه عبادة واختيارًا دينيًا، وإنما ذلك الميل لدى البعض إلى ألا يكتفوا بصيامهم، بل أن يراقبوا من لا يصوم، ويبحثوا عنه، ويطالبوا بمنعه أو معاقبته. هنا يحدث تحوّل بالغ الدلالة: لم يعد امتناعي أنا عن الطعام والشراب كافيًا كي تكتمل فضيلتي؛ أصبح مطلوبًا، بطريقة ما، أن تمتنع أنت أيضًا. وكأن قيمة الحرمان الذي اخترته لنفسي تنقص بمجرد أن أراك تمارس أمامي ما حرمت نفسي منه.

وقد رأينا هذه الآلية تتجاوز العلاقات اليومية لتدخل المجال السياسي نفسه. ففي موجة الاعتقالات التي انطلقت في فيفري 2023 وطالت سياسيين ومعارضين وإعلاميين وقضاة ورجال أعمال، لم تكن الإدانات القضائية قد صدرت بعد، ومع ذلك استقبل جزء من الرأي العام الاعتقالات كما لو أن العدالة قد تحققت بالفعل. وضجّت شبكات التواصل بمن رأى فيها بداية «تطهير» للبلاد من الفاسدين والمتآمرين، حتى إن بعضهم تحدث عن بدء «ساعة الزحف» لمحاسبة من اعتبرهم خونة.

وهنا لا تعنيني براءة هذا السياسي أو إدانة ذاك، بقدر ما تعنيني تلك اللحظة التي يسبق فيها التشفّي الحكمَ، ويصبح سقوط الإنسان دليلًا كافيًا على أنه كان يستحق السقوط.

ثمة لذّة غريبة يمكن أن تنشأ هنا: لذّة رؤية النافذ وقد فقد نفوذه، والمشهور وقد أُهين، والثري وقد جُرّد مما كان يميّزه. لا أملك ما تملك، لكنني أستطيع أن أفرح بفقدانك له. لا أعيش كما تعيش، لكن سقوطك يعيد، للحظة، نوعًا من المساواة بيننا.

ليست المساواة هنا أن أصعد أنا، بل أن تنزل أنت.

ومن هنا يولد تناقض غريب: مجتمع يتمنى أفراده حياة أفضل، لكنه قد ينظر بعين الريبة إلى من استطاع أن يعيشها بالفعل. يريد الرفاه، لكنه يشكّ في المترف؛ يريد الحرية، لكنه يراقب من يمارسها؛ يريد السعادة، لكنه يطالب السعيد بأن يخفيها أو يعتذر عنها.

وحين يعجز الفرد عن بلوغ ما يتمناه، يصبح من السهل أن يقلب سلّم القيم: ما عجز عن امتلاكه يصبح تافهًا، وما حُرم منه يصبح مذمومًا، والحرمان نفسه يتحول من واقع مؤلم ينبغي تجاوزه إلى فضيلة ينبغي الدفاع عنها، بل وتعميمها.

هنا لا يعود البؤس مجرد حالة اجتماعية، بل يبدأ في التحول إلى منظومة أخلاقية. يصبح الألم دليلًا على الأصالة، والتضحية برهانًا على الشرف، والصرامة علامة على النزاهة. أما الفرح العفوي، والراحة، واللذة، والجمال، والوفرة، فتُحاط جميعها بشيء من الشبهة. وكأن الحياة لا تكتسب قيمتها مما تمنحه للإنسان من إمكانات للسعادة والازدهار، بل مما يستطيع الإنسان أن يتحمله منها من حرمان.

ومن هذه التربة تحديدًا يمكن أن نفهم شيئًا من جاذبية قيس سعيّد، وربما شيئًا عن أنفسنا أيضًا.