قبل دخول شهر رمضان، أُعلن عن قائمة الأعمال التلفزية الدرامية التي تم قبول إنتاجها من التلفزة الوطنية، وهي مسلسل أركان حرب والحق وروح الروح والمطبعة وحياة، إضافة إلى 6 سلسلات سيتكوم. يتم قبول مشاريع الأعمال الدرامية التي ستنتجها التلفزة الوطنية لبثها في شهر رمضان عبر مرحلتين، الأولى هي طلب عروض تطلقه التلفزة الوطنية استئناسا بالقانون المنظم للصفقات العمومية والتي تفرض فتح طلب عروض إذا تجاوزت قيمة إنتاجها سقف مائة ألف دينار حسب الأمر المنظم للصفقات العمومية، أما الثانية فهي فحص تلك المشاريع من لجنة قراءة النصوص وهي لجنة تتكون من أعضاء تختارهم إدارة القناة الوطنية، وحسب العرف الجاري، تتكون من نقاد متخصصين في السينما أو مخرجين وكتاب سيناريو يملكون خبرة كبيرة في المجال السينمائي والتلفزي. غير أنه على غير العادة، خالفت التلفزة الوطنية العرف هذا العام، حيث لم تتضمن اللجنة التي عيّنتها لاختيار المشاريع الدرامية لشهر رمضان هذا العام، أيّ مختص في مجال صناعة السينما والدراما.
غموض اللجان والاختيار
يقول مصدر من التلفزة الوطنية، على اطلاع بحيثيات اختيار الأعمال الدرامية، في تصريح لنواة إن اللجنة المذكورة تكونت من خمسة أعضاء، وأنه لا يوجد مختص في السينما والدراما، تضمنت تلك اللجنة عضوة متخصصة في السكريبت في القناة الوطنية ومدير تصوير في القناة ذاتها وصحفي من صحيفة لابراس وصحفي آخر من التلفزة الوطنية إضافة إلى سكرتيرة مدير بالقناة بصفتها مقررة. ويضيف المصدر ذاته لنواة ”مرّت ثلاث مسلسلات فقط، من الأعمال التي تمّ قبولها، مرت بلجنة قراءة السيناريو وهي مسلسل حياة والمطبعة وحق (الذي تم تصويره قبل منعه من البث من قبل وزارة العدل)، في حين تم قبول مسلسل أركان حرب الذي توقف تصويره، وهو من إنتاج شركة Darc Entertainment للإخوة التكالي، إضافة إلى مسلسل روح الروح للمخرج عاطف بن حسين“ والذي نفذت إنتاجه شركة International Pixel Production، وهو أمر أجمعت عليه المصادر المختلفة التي تواصلت معها نواة.

يطرح إجراء اختيار الأعمال الدرامية، دون المرور بلجنة قراءة النصوص، إشكالا حقيقيا في علاقة باحترام مبدأ تكافؤ الفرص الذي تفرضه القوانين المنظمة للوظيفة العمومية وللصفقات العمومية، منها الأمر عدد 1039 لسنة 2014 للصفقات العمومية والذي ينص الفصل السادس منه على أن إبرام الصفقات العمومية يخضع إلى ثلاث مبادئ أساسية وهي المساواة أمام الطلب العمومي وتكافؤ الفرص وشفافية الإجراءات واللجوء إلى المنافسة، وينص الفصل ذاته على أنه ”يتم تجسيم تلك المبادئ باتباع إجراءات واضحة تضمن نجاعة الطلب العمومي وحسن التصرف في الأموال العمومية. تطبق هذه المبادئ وفقا للقواعد المحددة بهذا الأمر وخاصة عدم التمييز بين المترشحين واعتماد إجراءات واضحة ومفصلة خلال كافة مراحل إبرام الصفقة وإعلام المشاركين في آجال معقولة وتعميم الإجابات والتوضيحات المتصلة بالملاحظات والاستفسارات التي يطلبها المترشحون في أجل أدناه 10 أيام قبل انتهاء أجل تقديم العروض. يجب ألا تؤدي الاستثناءات والإجراءات الاستثنائية المنصوص عليها بهذا الأمر والمترتبة عن الطبيعة الخصوصية لبعض الصفقات إلى استبعاد تطبيق المبادئ الأساسية وقواعد الصفقات العمومية“.
استنادا للمعطيات التي تحصلت عليها نواة من مصادر داخل القناة الوطنية، والتي تحفظت عن الإدلاء بهويتها، فإن مبدأ التنافس ضُرب، حيث لوحظ أن شركة Darc Entertainment قد أنتجت في شهر رمضان سنة 2023، مسلسل ”الجبل الأحمر“ رغم أنها شركة فتية لم يمض على تأسيسها سوى بضعة أشهر، حيث أنشئت في نوفمبر 2022، إضافة إلى أنها أنتجت ”سلسلة حلو وحار“ الذي بث في ديسمبر 2024، من بطولة صابر الهذيلي، المعروف بالنقار. رغم ما رافق مسلسل ”الجبل الأحمر“ من نزاع مع شركة الإنتاج، أدى إلى عدم بث حلقات المسلسل الأخيرة، إلا أن التلفزة الوطنية، أعطت فرصة ثانية للشركة المذكورة من خلال إنتاج مسلسل ”الرافل“ في شهر رمضان الماضي، ثم فرصة ثالثة هذا العام، بإنتاج مسلسل ”أركان حرب“، وهو ما يطرح تساؤلات بخصوص تكافؤ الفرص واحترام مبدأ المنافسة بين المنتجين المنفذين، تساؤلات ظهرت أيضا حين شارك الممثل إكرام عزوز في سلسلتين هزليتين أنتجتهما التلفزة الوطنية وهما ”صحة برو“ و”أمور إدارية“، رغم أن الممثل المذكور كان في دائرة النزاع بين التلفزة وشركتي الإنتاج اللتين نفذتا الإنتاج، وهما شركة يسري بوعصيدة للإنتاج ومرايا للإنتاج التي تديرها زوجة الممثل إكرام عزوز.

سطو وتضارب مصالح
منذ بث الومضات الخاصة بشهر رمضان على القناة الوطنية، غلب السخط على مسارات اختيار الأعمال الدرامية التي ستنتجها القناة العمومية، إضافة إلى وجود مؤشرات لتضارب المصالح، من ذلك أن مصدرا من التلفزة الوطنية أكّد أن المحامي أحمد بن حسانة هو المستشار القانوني للتلفزة الوطنية في علاقة بحقوق بث مبارايات كرة القدم، رغم أنه محامي المخرج ربيع التكالي أيضا الذي خاض نزاعا مع التلفزة الوطنية بسبب مسلسل الجبل الأحمر وفي مسلسل ”شورّب“ الذي بُث على قناة التاسعة.
أثار تعامل التلفزة التونسية المتكرر مدى سنوات متتالية، مع شركة Darc Entertainment، تحفظ أصحاب شركات إنتاج مثل عبد الله يحيى صاحب شركة Crea Doc، التي كانت ستنتج مسلسل أركان حرب قبل خمس سنوات، ليُفاجئ بإسناد المسلسل إلى شركة Darc Entertainment. يقول عبد الله يحي في تصريح لنواة إنه قدم مشروع مسلسل أركان حرب إلى التلفزة التونسية لعرضه في شهر رمضان، وكان ضمن قائمة تتكون من ثلاثين مترشح من شركات إنتاج وكتاب سيناريو، وفحصت التلفزة كل الترشحات وأبقت على أربعة منها من ضمنها مسلسل أركان حرب، ويضيف صاحب شركة Crea Doc:
قابلنا عواطف الصغروني، مديرة التلفزة الوطنية وطلبت منا القناة الوطنية ملفا تكميليا يتضمن قائمة الممثلين وتفاصيل أخرى مثل أماكن التصوير، ثم أقيلت المديرة العامة للتلفزة، لكن فوجئنا باتصال التلفزة الوطنية بكاتب سيناريو المسلسل، وهو جنرال في وزارة الداخلية، وتقدمت شركة أخرى وهي شركة Darc Entertainment وأصبحت الشركة المنفذة للإنتاج رغم أن كاتب السيناريو وقع التزاما بحصرية نصه لشركتنا.
قانونيا وأخلاقيا قامت التلفزة الوطنية بتجاوز في حق شركتنا، واختارت بنفسها شركة إنتاج منفذة. لم تكلف القناة الوطنية نفسها العناء لمراسلتنا برفض ملفنا أو قبوله وكانت آخر مراسلة منها حين طلبت منا ملفا تكميليا للمشروع الذي قدمناه. خيّرت الصمت لأن الجو العام محبط جدا ولا يوفر مناخا لعمل فني حقيقي.
من المعلوم أنه درءا لأي نزاع مع الشركات المنتجة، تطلب التلفزة الوطنية من كاتب السيناريو أو المخرج تقديم تنازل خطي من شركة الإنتاج عن حقها في النص، وهو ما لم يحدث في قضية أركان حرب.
تواصلت نواة مع شركة Darc Entertainement لكن مديرها رفض التعليق بخصوص تصريح عبد الله يحي والانتقادات الموجهة للتلفزة الوطنية لتمكين الشركة المذكورة من أنتاج مسلسلات رغم وجود نزاع سابق معها.
التلفزة التونسية تحولت إلى تلفزة ناطقة فقط باسم السلطة، هذا هو الرأي المتداول في تونس بعد 25 جويلية حول الإعلام العمومي بصفة عامة والتلفزة التونسية بصفة خاصة. خاصة مع حالة التعتيم والانحياز والانتقائية في اختيار الأخبار والمواضيع وإقصاء المعارضة والمجتمع المدني من التغطية الإعلامية. في هذا السياق التقت نواة الأستاذ والباحث الصادق الحمامي المتخصص في قضايا الإعلام والاتصال السياسي.
لم يكن هذا النزاع الأول الذي تخوضه التلفزة الوطنية مع شركات إنتاج أو كتاب سيناريو، فقد سبق أن تسبب تراجع إدارة التلفزة الوطنية عن إنتاج مسلسل بعنوان بيت العز في مرحلة إمضاء العقد. هاجر الربيعي، كاتبة سيناريو المسلسل المذكور، قالت في لقاء مع نواة أنها قدمت سيناريو المسلسل لإنتاجه في رمضان 2024، بعد اجتيازه كل مراحل الاختيار، وتم تأجيل تنفيذه بطلب من إدارة القناة الوطنية ثلاث مرات. تقول هاجر الربيعي:
قدمت ترشحي سنة 2023، وبطلب من إدارة التلفزة الوطنية، أعدت تقديم ملف الترشح سنة 2024 من أجل إنتاجه وبثه في شهر رمضان 2025، وذلك بعد تعديل في الديكور وعدد الممثلين، واخترت شركة شغب للإنتاج، لتنفيذ العمل، ولكن معز الخضراوي مدير الإنتاج بالتلفزة طلب مني تغيير الشركة المنفذة واختيار أخرى من أجل قبول المسلسل، ورغم ضيق الوقت، استجبت لطلبه، وذهبت صحبة المنتج لإمضاء العقد، قبل أن يُطلب منا إرجاعه، ثم علمت أنه تم اختيار مسلسل الرافل للمخرج ربيع التكالي رغم أنه لم يقدم ترشحه ضمن المسار العادي لاختيار المسلسلات، وقيل لي أنه سيتم إنتاج مسلسل دار العز وبثه بعد شهر رمضان 2025، لكن ذلك لم يحدث. ورغم ذلك تواصلت معي سكرتيرة معز الخضراوي، وهي عضو في لجنة قراءة النصوص بصفتها مقرر، وطلبت مني الحضور إلى مقر التلفزة لأنه تقرر إنتاج المسلسل وبثه في ستينية التلفزة سنة 2026، قبلت ذلك الطلب رغم إخلاف الإدارة بوعودها، وتحدثت مع مدير الإنتاج وصارحته أنني فقدت عملي لأنني قررت في السابق التفرغ للمسلسل، بناء على قبول القناة الوطنية إنتاجه، فأجابني بأنه يتعين عليّ تغيير شركة الإنتاج والبدء في التصوير وأن العقد سيتم إمضاؤه في جانفي 2026، لكن كالعادة لم تلتزم القناة الوطنية بذلك.
تعددت جوانب الغموض في تعامل التلفزة الوطنية مع اختيار المسلسلات الرمضانية التي سيتم إنتاجها، وطُرحت مسألة قبول سلسلة “روح الروح“ التي أخرجها عاطف بن حسين، اعتمادا على ممثلين هواة وهم تلامذته في مركز التكوين التابع له Full Actor Space، رغم أن التلفزة تطلب قائمة الممثلين وتشترط وجود 5 ممثلين محترفين، على الأقل لقبول العمل الدرامي، وهو الأمر الذي طُلب من أصحاب مسلسل دار العز حسب كاتبة السيناريو هاجر الربيعي.

تواصلت نواة مع التلفزة الوطنية لكنها لم تتلق إجابة منها على طلب توضيحات وردود بخصوص كل الانتقادات الموجهة لإدارة الإنتاج فيها.
يمثل التعامل مع مخرجين أو ممثلين معينين في أعمال تنتجها التلفزة الوطنية مؤشرا جديا على المحاباة، إضافة إلى ذلك، وضعت القناة العمومية أموالا تجاوزت الأربعة مليارات في مسلسلين هما الحق وأركان حرب من أجل بثهما في شهر رمضان، لكن لم يُبث العملان الدراميان مع التلويح بإمكانية بثهما بعد رمضان دون تأكيدات رسمية، ما يفتح الباب أمام استفهامات جدية حول علاقة إدارة التلفزة بالسلطة وبمموليها من دافعي الضرائب.




iThere are no comments
Add yours