المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

لقد قطعت الجمهورية التونسية أشواطاً مهمة في مجال حماية النساء، خاصة مع صدور القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة. فهذا القانون لا ينظر إلى العنف باعتباره اعتداءً جسديًا فقط، بل يدرج العنف المادي والمعنوي والجنسي والاقتصادي والسياسي ضمن منظومة متكاملة، ويقرّ آليات للحماية والتعهد والبحث والتنسيق بين مختلف المتدخلين. كما أحدث مرصدًا وطنيًا لمناهضة العنف ضد المرأة ووحدات مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة والطفل، بلغ عددها 131 وحدة مركزية وجهوية، إلى جانب وجود نحو 16 مركز إيواء للنساء ضحايا العنف وأطفالهن. تعكس هذه الأرقام تطوراً مهماً في المنظومة المؤسساتية. لكن الأهم من عدد الوحدات والمراكز هو مدى قدرتها على حماية المرأة عندما تكون في دائرة الخطر وكلما سقطت امرأة ضحية جريمة قتل، تعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: من قتلها؟ كيف قتلها؟ أين وقعت الجريمة؟ وهل كان الجاني زوجًا أو شريكًا سابقًا أو أحد أفراد العائلة؟

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الأسئلة هو: هل كان يمكن منع الجريمة؟

ان تقتيل النساء لا يعد جريمة فردية معزولة، بل هي نتيجة محتملة لمسار طويل من العنف والتهديد والسيطرة والإفلات من الردع. “فالفيمينيسيد” لا يبدأ بالضرورة لحظة إزهاق الروح قد تبدأ مقدماته بإشارات، فالمرأة لا تظهر أمامنا فجأة ك”ضحية قتل”. وفي حالات كثيرة تكون هناك سابقة مثل شكايات وتهديدات وعنف متكرر تليها ملاحقات وانفصال متوتر وأحيانا يكون في شكل عنف اقتصادي ونفسي، أو ابتزاز أو عزل اجتماعي أو خوف عبّرت عنه الضحية لعائلتها أو محيطها أو السلطات المحلية .ثم تتدرج المخاطر إلى أن تصبح حياة المرأة نفسها مهددة. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا فعلنا قبل أن تصل المرأة إلى لحظة الموت؟

فالمرأة التي تتعرض للعنف المتكرر أو التهديد بالقتل تحتاج إلى أكثر من تسجيل شكوى. تحتاج إلى تقييم حقيقي لدرجة الخطر، وإلى حماية عاجلة، وإلى تنسيق سريع بين الوزارات المعنية كالمرأة والمؤسسات الأمنية والقضاء والصحة والشؤون الاجتماعية ومراكز الإيواء.التي تؤمن خدمات الإقامة، والاعاشة، والمرافقة النفسية، والاقتصادية. وهو فضاء آمن يمكّن للمرأة من استعادة حياتها، نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.

إن مواجهة تقتيل النساء تقتضي منا أكثر من وقت مضى الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع العنف إلى منطق الوقاية قبل وقوع الجريمة. لذلك نحتاج اليوم إلى قراءة عميقة لكل حالة عنف باعتبارها احتمالاً لتصاعد الخطر، وإلى قاعدة بيانات دقيقة تساعد على اكتشاف الأنماط والمؤشرات وإلى متابعة جدية للحالات التي تحمل علامات الخطر.

كما نحتاج اليوم إلى أن يتحول التقرير السنوي حول جرائم تقتيل النساء من مجرد رصد للضحايا إلى أداة لتقييم منظومة الحماية قائمة على الأسئلة التالية : ماذا حدث قبل الجريمة؟ هل كانت هناك شكايات؟ هل كانت هناك تهديدات؟ وهل كان يمكن التدخل في وقت أبكر؟

إن حماية النساء من التقتيل ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية منظومة كاملة. والقانون وحده لا يكفي، كما أن وجود الوحدات المختصة ومراكز الإيواء لا يكفي إذا لم تعمل جميعها في الوقت المناسب وبالتنسيق المطلوب. وتكون عناصر التدخل متوفرة في 24 ولاية من الجمهورية التونسية.

لقد حققت تونس مكاسب مهمة في مجال حقوق المرأة، لكن التحدي اليوم هو أن نجعل هذه المكاسب قادرة على حماية حياة النساء، لا فقط على حماية النصوص. ويبقى السؤال الذي يجب أن يرافقنا دائماً:

هل ننتظر أن تصبح المرأة ضحية حتى نتدخل، أم نمتلك القدرة والشجاعة على حمايتها قبل فوات الأوان؟

هل كانت الشكاية السابقة تُعامل باعتبارها مجرد خلاف عائلي أم باعتبارها احتمالًا لخطر على الحياة؟

وهل كانت هناك متابعة حقيقية للجاني المحتمل؟ هل كانت أوامر الحماية فعالة؟ هل تملك المرأة مكانًا آمنًا تستطيع اللجوء إليه؟

هذه الأسئلة هي جوهر الوقاية. فالقانون التونسي نفسه يقرّ وسائل حماية يمكن أن تشمل نقل الضحية إلى مكان آمن وإبعاد المشتبه فيه أو منعه من الاقتراب منها عند وجود خطر محدق كما ينص على دور للوحدات المختصة وقاضي الأسرة. إذن القضية ليست دائمًا غياب القانون. قد تكون القضية أحيانًا هي المسافة بين القانون وتطبيقه.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: لماذا لا نملك بصورة أكثر انتظامًا، قواعد وبيانات وطنية موحدة وشفافة حول جرائم قتل النساء تسمح بالمقارنة ؟ والتعرف على علاقة الجاني بالضحية وهل هناك وجود شكايات سابقة ووجود أوامر حماية، وما نوع السلاح أو وسيلة الجريمة وهل هناك أطفال و ما مآل القضايا والأحكام والمدة بين أول إشارة خطر ووقوع الجريمة؟ إن غياب البيانات الدقيقة لا يجعل المشكلة أصغر، بل يجعل قدرتنا على مواجهتها أضعف.

ونجد مثلا ان البلدان العربية وكذلك اوروبا أيضًا ليست جنة خالية من الفيمينيسيد بل هي ظاهرة تخص الكل بنسب متفاوتة.

ففي إيطاليا، على سبيل المثال، سجلت وزارة الداخلية 97 امرأة مقتولة خلال سنة 2025 مقابل 118 في 2024، وبيّنت أن 85 من الضحايا في 2025 قُتلن على يد شخص من المحيط العائلي أو العاطفي.

لكن الأهم أن إيطاليا لم تكتفِ بالإحصاء، فقد أدخلت في نهاية 2025 جريمة الفيمينيسيد كجريمة مستقلة في القانون الجنائي، مع عقوبة تصل إلى السجن المؤبد، وربطت تعريف الجريمة بدوافع مثل كراهية المرأة أو التمييز ضدها أو قمع حقوقها وحرياتها. ان تجربة إيطاليا الحديثة تجيب باتجاه الاعتراف القانوني المستقل بالجريمة. أما تونس فلديها منذ 2017 قانون متقدم نسبيًا في معالجة العنف ضد المرأة، لكنه لا يجعل الفيمينيسيد جريمة مستقلة بالاسم على غرار النموذج الإيطالي.

وتقدم إسبانيا تجربة أخرى تستحق التوقف عندها. فوزارة المساواة الإسبانية لا تكتفي بتسجيل جرائم قتل النساء في إطار الزوج أو الشريك السابق، بل طورت تصنيفًا رسميًا للفيمينيسيد خارج هذا الإطار، يشمل الفيمينيسيد العائلي، والجنسي، والاجتماعي، إلى جانب الفيمينيسيد المرتبط بالشريك أو الشريك السابق.

وفي سنة 2023، سجلت إسبانيا 22 حالة من الفيمينيسيد خارج إطار الشريك أو الشريك السابق، وصنفتها رسميًا إلى حالات عائلية واجتماعية وجنسية.

وهنا يبرز سؤال مهم أمام تونس: هل نحتاج فقط إلى تشديد العقوبات، أم إلى إعادة بناء منظومة الوقاية بأكملها؟ فالردع مهم لكنه يأتي بعد الجريمة. أما المرأة فتحتاج إلى حماية قبل الجريمة.

وهنا نصل إلى سؤال جوهري من لديه قانون أقوى، بل أي نموذج أكثر قدرة على حماية المرأة فعليًا؟ ومن المسؤول عندما تفشل الوقاية؟

هذه من أصعب الأسئلة. التي تطرح فعندما تقتل امرأة، من الطبيعي أن تكون المسؤولية الجنائية الأولى على مرتكب الجريمة. لكن إذا كانت الضحية قد أبلغت سابقًا عن تهديد خطير، فهل تنتهي المسؤولية عند الجاني؟

وهل تستطيع امرأة في منطقة داخلية، مثلها مثل امرأة في العاصمة، الوصول بالسرعة نفسها إلى الحماية والإيواء والمساعدة القانونية والنفسية؟

هذه الأسئلة تكشف أن الفيمينيسيد ليس قضية عدلية فقط، بل إنها قضية اجتماعية وتنموية ومؤسساتية أيضًا. فالمرأة لا تحتاج إلى الحماية بعد الموت. لذلك تحتاج تونس الان إلى تغيير فلسفة التدخل. فلا ينبغي أن تبدأ الحماية عندما تصبح الجريمة خبرًا في وسائل الإعلام، بل ينبغي أن تبدأ عند ظهور مؤشرات الخطر.

ومن هنا أقترح:

أولًا: إرساء منظومة وطنية موحدة لرصد جرائم تقتيل النساء والفيمينيسيد.

ثانيًا: اعتماد تصنيف وطني واضح لأنواع الفيمينيسيد، على غرار التجربة الإسبانية.

ثالثًا: وضع بروتوكول وطني لتقييم درجة الخطورة في كل شكاية تتضمن تهديدًا خطيرًا أو عنفًا متكررًا.

رابعًا: ربط وزارة الاسرة والمرأة والطفولة وكبار السن بالوحدات الأمنية والقضائية والاجتماعية والصحية بمنظومة معلوماتية تسمح بمتابعة الحالات عالية الخطورة.

خامسًا: تقييم فعالية أوامر الحماية، لا الاكتفاء بإصدارها.

سادسًا: توفير حماية وإيواء فعليين للنساء المهددات، خاصة في الجهات الداخلية.

سابعًا: تكوين مستمر للأمن والقضاة والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في تقييم مخاطر العنف القاتل.

ثامنًا: إصدار تقرير وطني سنوي لا يكتفي بعدد النساء اللواتي قُتلن، بل يجيب عن السؤال الأهم: كم جريمة كان يمكن منعها؟

والسؤال الأخير: ماذا نريد أن نفعل بعد أن نعدّ الضحايا؟

إن التقرير السنوي حول جرائم تقتيل النساء ليس مجرد وثيقة إحصائية. إنه مرآة للمجتمع والدولة. وكل رقم فيه يحمل اسم امرأة، وحياة انقطعت وأسرة فقدت ابنة أو أمًا أو أختًا وأطفالًا قد يكبرون وهم يحملون سؤالًا لا يملك أحد جوابًا عنه: لماذا لم ينقذها أحد؟

إن معركتنا المقبلة يجب ألا تكون فقط مع الجريمة بعد وقوعها، بل مع كل ما يسبقها.مع التهديد الذي نستهين به والعنف الذي نعتبره “شأنًا عائليًا”. والشكاية التي لا تؤخذ بالجدية الكافية. ومع المرأة التي تطلب النجدة ولا تجد مكانًا آمنًا. ومع البيانات الناقصة.

ومع ثقافة تبرر أحيانًا سيطرة الرجل على المرأة باسم الغيرة، أو الحب أو الشرف أو الأسرة فهل نريد مجتمعًا يحسن عدّ النساء بعد موتهن أم دولة تنجح في حمايتهن وهن على قيد الحياة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نخرج به من كل تقرير عن جرائم تقتيل النساء. لأن الهدف النهائي ليس أن نعرف كم امرأة قُتلت. بل أن نصل إلى اليوم الذي نسأل فيه كم امرأة نجحنا في إنقاذها قبل أن تُقتل؟​

​ومن المثير للاستغراب والارتياب أن تقارير منظمات المجتمع المدني مثل تقارير جمعية “أصوات نساء” المتتالية وإطلاقها لمنصات رقمية مستقلة للرصد هي التي تسد الفراغ المؤسساتي والمرصد الوطني للعنف التابع لوزارة الاسرة بقي متفرجا.

وإلى متى ستظل الدولة تتعامل مع هذه الجرائم كحالات “فردية شاذة” وليست “ظاهرة بنيوية” تتطلب إعلاناً لحالة طوارئ اجتماعية؟ ​وكيف للدولة أن تحمي النساء والحد الأدنى من طاقة استيعاب مراكز الإيواء المخصصة للنساء المعنفات لا يكفي سوى لعدد أصابع اليد على الصعيد الوطني، بطاقة استيعاب هزيلة جداً مقارنة بحجم الطلب؟ ​في المقابل، حين نقارن الواقع التونسي بالنموذج الإسكندنافي أو بعض الدول الأوروبية التي تربط بين توفير المأوى الفوري والدعم النفسي والتعقّب الإلكتروني للمعتدين، ألا تبدو الهوة شاسعة بين”نصوص الفصول القانونية” و”واقع التطبيق الميداني”؟

​إن إطلاق التقرير السنوي والمنصة الرقمية الجديدة لرصد وتوثيق جرائم تقتيل النساء ليس مجرد محطة حقوقية عابرة، بل هو صفحة اتهام وجهها المجتمع المدني لقصور المنظومة بأكملها. فإلى متى ستظل أرواح النساء رخيصة في مهب تبريرات مجتمعية وتقاعس مؤسساتي؟ وهل ستتحرك السلطة التشريعية والقضائية أخيراً لإرساء سياسات عمومية حقيقية تجعل من حماية النساء أولوية قصوى لا تقبل المساومة. فبعد تسع سنوات من صدور القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017، لم يعد السؤال فقط ماذا أنجزنا؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا كم امرأة نجحنا في حمايتها قبل أن تتحول جريمة العنف ضدها إلى جريمة تقتيل؟ وهل نملك الشجاعة الكافية لمراجعة منظومة الحماية عندما تكشف الأرقام أن بعض النساء لم يصلن إلى النجاة في الوقت المناسب؟

وأين تعطلت منظومة الحماية عندما كانت حياة المرأة في خطر؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في جهود الدولة أو التقليل من أهمية ما تحقق بل على العكس، هو دعوة إلى تطوير التجربة التونسية والانتقال بها إلى مرحلة أكثر نجاعة.  لقد أصبح لدينا قانون. وأصبح لدينا وحدات مختصة. وأصبح لدينا مراكز إيواء. وأصبح لدينا مجتمع مدني يراقب ويوثق وينبه. لكن يبقى السؤال الأصعب هل تعمل كل هذه الحلقات معاً بالسرعة المطلوبة عندما تكون حياة امرأة مهددة؟

ان حماية المرأة ليست فقط مسؤولية وزارة واحدة أو مؤسسة واحدة، إنما هي مسؤولية الدولة بأكملها تنطلق من المؤسسات الأمنية و القضاء و الصحة بما توفره من تساخير للضحية ومرافقة نفسية والشؤون الاجتماعية تتعهد بضحايا العنف بالتنسيق مع المندوبيات الجهوية لشؤون المرأة والأسرة إلى جانب المجتمع المدني وكذلك الإعلام الذي هو مطالب اليوم بالخروج من منطق الخبر الصادم إلى منطق التوعية والوقاية، وعدم تحويل الضحية إلى مجرد قصة مثيرة، بل تسليط الضوء على مسار العنف الذي سبق الجريمة وعلى الثغرات التي ينبغي إصلاحها. أما المجتمع، فعليه أن يتخلى عن الصمت الذي يحاصر النساء داخل دائرة العنف، فكم من امرأة كانت تستغيث ولم يسمعها أحد؟ وكم من تهديد اعتبرناه «مشاجرة عائلية» ثم انتهى بجريمة؟ وكم من عنف تم تطبيعه اجتماعياً لأنه وقع داخل الأسرة؟

لقد نجحت تونس في بناء رصيد قانوني ومؤسساتي مهم في مجال مكافحة العنف ضد المرأة. لكن قيمة هذا الرصيد لا تقاس فقط بعدد القوانين والوحدات والمراكز، وإنما بقدرته على إنقاذ الأرواح. ولهذا فإن المعركة القادمة يجب أن تكون معركة الوقاية وأن نكتشف الخطر قبل الجريمة وأن نصدق المرأة عندما تستنجد وأن نعامل التهديد بجدية وأن نربط المعلومات بين مختلف المتدخلين وأن نوفر الإيواء الآمن لكل النساء مع اطفالهن وان نسعى الى ضمان الاستقلال الاقتصادي لكل ضحية عنف للخروج من الهشاشة النفسية، مع وضع آلية واضحة لمتابعة الحالات عالية الخطورة حتى لا تضيع المرأة بين المؤسسات.

نحن في حاجة الى منظومة تتعرف إلى الخطر وتحمي المرأة قبل أن تصبح رقماً جديداً في تقرير جرائم تقتيل النساء ومراجعة حقيقية لكل حلقة من حلقات الحماية، حتى لا يبقى شعار الوقاية من العنف منفصلاً عن الهدف الأسمى وهو إنقاذ حياة النساء ضحايا العنف قبل فوات الأوان.