المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

صباح الاثنين 31 أوت 2026، توجّه المحامي كريم المرزوقي إلى سجن المرناقية لزيارة منوبه. في المساء، كان يحضر جنازته.

كان الشاب في العشرينات من عمره، يواصل دراسة الماجستير في الترجمة، وموقوفًا تحفظيًا منذ بداية شهر ماي. وبحسب رواية محاميه، كان يعاني اضطرابات نفسية تستوجب المتابعة، وقد أثيرت حالته الصحية ضمن العناصر التي استند إليها الدفاع في طلب الإفراج عنه. توفي يوم الجمعة 28 أوت، ولم تعلم عائلته ومحاميه بالوفاة إلا يوم الاثنين. أما ما جرى قبل الوفاة، وسببها الطبي، ومدى وجود إخلال قانوني أو إداري من عدمه، فلا تسمح المعطيات المتاحة بحسمه، ولا يمكن التعامل معه إلا من خلال التحقيق والخبرة والوثائق ذات الصلة.

غير أن أهمية هذه الوفاة لا ترجع فقط إلى ظروفها الفردية. فقد تزامنت مع الإعلان عن وفيات أخرى داخل مؤسسات سجنية مختلفة، في وقت كانت فيه الهيئة العامة للسجون والإصلاح تنفي وجود تدهور صحي عام أو نقص في الرعاية، بينما كانت منظمات حقوقية تطالب بتحقيقات مستقلة وبقدر أكبر من الشفافية والرقابة. ولا يثبت هذا التزامن وجود سبب مشترك، كما لا يسمح بإسناد مسؤولية موحدة إلى جهة واحدة. لكنه يكشف عن مسألة أعمق تتجاوز البحث عن تفسير طبي لكل وفاة على حدة.

فالموت تحت الحراسة يضع الدولة أمام وضع قانوني مختلف عن الموت خارجها. المحتجز لا يوجد فقط داخل مؤسسة عمومية، بل داخل علاقة قانونية غير متكافئة تمارس فيها السلطة العامة قدرًا استثنائيًا من السيطرة على حريته وظروف وجوده. وكلما اتسعت هذه السيطرة، أصبحت الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية أكثر صعوبة من مجرد البحث عن خطأ فردي مباشر. فقد تكون الوفاة نتيجة سبب لم يكن من الممكن تفاديه، وقد تقع رغم تقديم الرعاية المناسبة، كما قد تكشف لاحقًا عن خلل لم يكن ظاهرًا في النتيجة الطبية نفسها. لذلك لا يمكن استنتاج مسؤولية الدولة من مجرد وقوع الوفاة، كما لا يمكن استبعادها لمجرد وجود أجهزة للرعاية أو إجراءات إدارية معلنة.

المشكلة القانونية الحقيقية تكمن في كيفية تقييم ما سبق النتيجة. فالمسؤولية لا تتحدد فقط بما حدث في اللحظة الأخيرة، وإنما أيضًا بكيفية ممارسة السلطات للصلاحيات التي كانت تملكها طوال فترة الاحتجاز، وبالقرارات التي اتخذت أو لم تتخذ عندما أصبحت حياة شخص وصحته مرتبطتين إلى حد بعيد بمؤسسات لا يستطيع مغادرتها أو الاستعاضة عنها بإرادته.

وهذا ما يجعل الوفاة تحت الحراسة اختبارًا لطبيعة السلطة نفسها. فاحتكار الدولة المشروع لسلب الحرية لا يمنحها فقط صلاحية الاحتجاز، بل يضعها في موقع تتحمل فيه تبعات قانونية أشد من تلك التي تتحملها تجاه شخص يحتفظ بحريته في إدارة شؤونه. ولا يعني ذلك إنشاء مسؤولية موضوعية تجعل الدولة ضامنة لكل نتيجة ضارة تقع داخل السجن، وإنما يفرض فحصًا أدق لمدى احترام الالتزامات المرتبطة بالحرية والحياة والسلامة الجسدية وكرامة المحتجز.

من هذه الزاوية، لا تكفي المقاربة التي تبحث عن المسؤولية داخل جدران السجن وحدها. فالوصول إلى السجن يسبقه قرار قضائي بحرمان شخص من حريته، وتليه مرحلة تصبح فيها الإدارة مسؤولة عن تنفيذ هذا الحرمان في ظروف يحدد القانون حدودها، ثم قد تنتهي الوقائع بوفاة تطرح بدورها مسألة كيفية التحقق مما حدث ومن يتحمل تبعاته إن ثبت وجود إخلال. وبين هذه المراحل لا توجد مسؤوليات منفصلة تمامًا، بل سلسلة من القرارات والالتزامات التي قد تتقاطع آثارها في حياة الشخص نفسه.

لهذا فإن السؤال الذي تطرحه الوفيات تحت الحراسة ليس ما إذا كانت الدولة مسؤولة كلما مات شخص داخل السجن، لأن هذا الاستنتاج سيكون قانونيًا غير سليم، ولا ما إذا كان وجود نصوص وإجراءات للرعاية يكفي لنفي المسؤولية، لأن هذا الاستنتاج لا يقل تبسيطًا عنه. المسألة هي معرفة متى تتحول السيطرة القانونية التي تمارسها الدولة على المحتجز إلى مسؤولية، وبأي معايير يمكن التمييز بين وفاة لم يكن بالإمكان منعها وبين وفاة سبقتها قرارات أو أوجه قصور تستوجب المساءلة.

I. قبل باب السجن : حين لا تكفي بطاقة الإيداع لتبرير استمرار الإيقاف

لا يبدأ اكتظاظ السجون عند أبوابها. في جزء منه، يبدأ قبل ذلك، داخل مسار التحقيق، عندما يُحرم المتهم من حريته ويصبح خروجه منها مرتبطًا بقرار قضائي جديد. القانون التونسي واضح في الأصل. فالفصل 84 من مجلة الإجراءات الجزائية يصف الإيقاف التحفظي بأنه «وسيلة استثنائية»، فيما تضمن القواعد الدستورية حرية الفرد وقرينة البراءة. ولا يكفي وجود تتبع جزائي لتبرير الإيداع بالسجن. فالفصل 85 يشترط قرائن قوية وضرورة محددة، من بينها منع جرائم جديدة أو ضمان تنفيذ العقوبة أو حماية سير البحث، كما يوجب تعليل القرار واقعيًا وقانونيًا.

غير أن الممارسة تطرح سؤالًا مختلفًا. فقد قدّرت دراسة نشرها مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية في نوفمبر 2025 أن الموقوفين تحفظيًا يمثلون أكثر من 40 بالمائة من مجموع السكان السجنيين في تونس، واعتبرت الإيقاف التحفظي من أبرز عوامل الاكتظاظ. لا يعني هذا الرقم أن هذه الإيقافات غير قانونية، ولا يسمح بالحكم على آلاف الملفات من خارجها. لكنه يجعل الطابع «الاستثنائي» للإيقاف محتاجًا إلى التحقق في الممارسة، لا إلى تأكيده في النص فقط.

وينطبق الأمر نفسه على المدة. فالآجال القصوى التي يحددها الفصل 85 لا ينبغي فهمها باعتبارها مددًا عادية يجوز استنفادها تلقائيًا، حيث أن استمرار الإيقاف يظل مرتبطًا باستمرار ضرورته. فالستة أشهر الأولى تمثل حدًا أقصى، ويمكن التمديد بعدها وفق شروط تختلف بحسب طبيعة الجريمة وبقرار معلل. لكن مشروعية بقاء الموقوف لا تستمد من كون الأجل القانوني لم ينته بعد، بل من بقاء الأسباب التي بررت حرمانه من الحرية قائمة فعلًا.

كما أن المجلة لا تحصر القاضي بين خيارين، السجن أو الإفراج دون قيد. فالفصل 86 يجيز الإفراج المؤقت، ويلزم بالبت في مطلب الإفراج خلال أربعة أيام، ويسمح بعد الاستنطاق بفرض تدابير تضمن بقاء المتهم على ذمة القضاء، من بينها المراقبة الإلكترونية وتحديد مجال التنقل والالتزام بالحضور عند الطلب. وقد توسع اللجوء إلى هذه الآليات منذ سنة 2020. لذلك لا يمكن تفسير استمرار الاعتماد الواسع على الإيقاف التحفظي بغياب البدائل القانونية وحده، بل يطرح أيضًا سؤالًا أعمق حول مدى استعمال الأدوات التي أتاحها المشرع أصلًا.

وفاة الطالب الشاب بسجن المرناقية يوم 28 أوت والعديد من المساجين الآخرين أعادت هذا النقاش إلى أكثر صوره قسوة. وبحسب ما نشره محاميه كريم المرزوقي، أودع الشاب السجن في بداية شهر ماي على خلفية تتبع بشبهة جنائية. ولم يقع استنطاقه بحضور الدفاع إلا بعد أكثر من شهر، فيما حُددت مكافحة لمنتصف جويلية ثم لم تُنجز قبل دخول قاضي التحقيق في عطلته خلال أوت. ويقول المحامي أيضًا إن مطلب الإفراج نبّه إلى اضطرابات نفسية يعاني منها منوبه، من بينها الوسواس القهري والاكتئاب، وإلى تدهور حالته أثناء الإيقاف، وأن الدفاع طلب منذ الأسبوع الأول عرضه على فحص نفسي. رفض مطلب الإفراج، وبقي الشاب موقوفًا إلى أن توفي.

هذه رواية الدفاع، ولا تكفي وحدها لإثبات إخلال قضائي. فبطاقة الإيداع ومحاضر التحقيق وقرار رفض الإفراج لم تُنشر، ولا يمكن من دونها معرفة التعليل الذي استند إليه القاضي أو ربط الوفاة بقرار قضائي بعينه. لكن غياب هذه العناصر لا يمنع طرح سؤال آخر يتعلق بطريقة متابعة استمرار الإيقاف نفسه.

إذا كان القاضي قد أُعلم فعلًا بالحالة النفسية للموقوف وباحتمال تدهورها داخل السجن، كان من المشروع أن تدخل هذه المعطيات في تقييم استمرار حرمانه من الحرية. وكان يفترض أيضًا أن يؤخذ في الاعتبار ما أُنجز فعليًا في التحقيق، وما إذا كان بالإمكان ضمان حضوره بتدبير أقل تقييدًا. المسألة هنا ليست البحث عن مسؤولية القاضي في الوفاة، بل عن مدى استمرار الرقابة القضائية على ضرورة الإيقاف.

ويكتسب عامل الزمن أهمية خاصة عندما يكون المتهم موقوفًا. تأجيل إجراء استقرائي في ملف يكون صاحبه بحالة سراح لا ينتج الأثر نفسه عندما يكون الشخص داخل السجن. فكل تأخير يعني استمرار حرمان شخص لم تثبت إدانته من حريته. ولهذا أتاح المشرع، من خلال الفصل 104 مكرر، التعجيل بالنظر في وضعية المتهمين الموقوفين في بعض الحالات، كما أبقى الفصل 86 باب الإفراج المؤقت مفتوحًا طوال التحقيق.

ولا تحل هذه الآليات وحدها مشكلة بطء الإجراءات، لكنها تكشف أن الزمن جزء من حماية الحرية وليس مجرد مسألة تنظيمية تخص سير المرفق القضائي. وهو ما يجعل الإيقاف التحفظي قرارًا يجب أن يظل قابلًا للمراجعة كلما تغيرت ظروف الملف أو حالة الموقوف.

وقد سبق لوزارة العدل نفسها أن ربطت الإفراط في الإيقاف التحفظي بالاكتظاظ داخل السجون ودعت إلى استعمال التدابير البديلة، ومنها المراقبة الإلكترونية. لذلك فالمشكلة لم تظهر مع وفيات صيف 2026، بل آثار التوسع في الإيقاف على المؤسسات السجنية معروفة منذ سنوات وتم التطرق لها من طرف المجتمع المدني والباحثين والمهتمين بالشأن العام.

وهنا تتجاوز المسؤولية إدارة السجن وحدها. فمدير المؤسسة لا يصدر بطاقة الإيداع، والطبيب السجني لا يبت في مطلب الإفراج، وإدارة السجون لا تتحكم في سرعة التحقيق. الجزء الأهم من الضغط الذي يصل إلى السجن يُنتج قبله، داخل منظومة العدالة نفسها. ولا يعني ذلك أن المرض يمنع الإيقاف أو أن القاضي مطالب بالإفراج عن كل متهم يعاني وضعًا صحيًا صعبًا. المطلوب هو أن يظل القرار فرديًا ومبررًا طوال مدة سريانه. فإذا تغيرت صحة الموقوف، أو طال البحث دون تقدم، أو أصبحت التدابير البديلة كافية لضمان حضوره، وجب أن تدخل هذه العناصر من جديد في التقدير القضائي.

قضية الشاب المتوفى في المرناقية تطرح هذا السؤال قبل معرفة سبب موته. خاصة في حال ثبوت الرواية المتعلقة بطول الإجراءات والتنبيه إلى حالته الصحية، فهل ظل بقاؤه في السجن طوال تلك الفترة نتيجة ضرورة قضائية أُعيد تقييمها فعلًا، أم أصبح الإيقاف هو الوضع العادي إلى أن ينتهي التحقيق؟

هذا هو الفرق الذي أراد الفصل 84 تثبيته عندما وصف الإيقاف التحفظي بأنه «وسيلة استثنائية». حيث إن مسؤولية الدولة عن حياة المحتجز لا تبدأ عند باب السجن فقط. فقبل أن يتسلمه الحارس، توجد سلطة قضائية قررت حرمانه من حريته، وظلت تملك طوال التحقيق سلطة مراجعة هذا القرار. وهذا يعني بالضرورة أن دور القاضي لا ينتهي بمجرد إصدار بطاقة الإيداع.

II. خلف القضبان : حين تصبح السيطرة على الجسد مسؤولية عن سلامته

بمجرد دخول الموقوف إلى السجن، تتغير طبيعة المسؤولية. يظل القضاء مسؤولًا عن مشروعية استمرار الإيقاف، لكن إدارة السجن تصبح مسؤولة عن ظروف حياة شخص لم يعد قادرًا على تدبيرها بنفسه. هي التي تنظم إقامته وحصوله على الماء والفسحة والعلاج، وهي التي تتيح وصوله إلى الطبيب أو نقله إلى المستشفى عند الحاجة.

لهذا الالتزام أساس واضح في القانون التونسي. فإلى جانب حماية الحق في الحياة وحرمة الجسد، يقر الفصل 36 من دستور 2022 لكل سجين الحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامته. ويترجم القانون عدد 52 لسنة 2001 هذه الحماية إلى التزامات أكثر تحديدًا. فهو يضمن الرعاية الصحية والنفسية، ويفرض عرض السجين على الطبيب عند الإيداع، ويشترط أن تكون أماكن الإقامة جيدة التهوئة والإنارة ومجهزة بالمرافق الصحية، كما يضمن العلاج والأدوية وإمكانية النقل إلى المستشفى عندما يتعذر توفير الرعاية اللازمة داخل السجن.

هذه الضمانات لا تمنح السجين امتيازًا على غيره، هي نتيجة لوضع مختلف. فالشخص خارج السجن يستطيع، في حدود إمكاناته، أن يغادر مكانًا يضر بصحته أو يتوجه إلى الطبيب أو إلى قسم الاستعجالي. أما السجين فلا يملك هذه الخيارات من تلقاء نفسه. كلما تقلصت قدرته على حماية صحته بنفسه، اتسع واجب المؤسسة التي أصبحت تتحكم في شروط حياته.

ويجد هذا المبدأ أساسه أيضًا في التزامات تونس الدولية. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحمي الحق في الحياة، ويلزم بمعاملة كل شخص محروم من حريته معاملة إنسانية تحترم كرامته. ولا تبقى هذه الالتزامات خارج النظام القانوني الوطني، إذ يجعل دستور 2022 المعاهدات المصادق عليها في مرتبة أعلى من القوانين.

فسّرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذا الالتزام بصورة أكثر دقة، فاعتبرت أن حرمان الشخص من حريته يضع على الدولة واجب عناية مشددًا تجاه حياته وسلامته، يشمل توفير الرعاية الطبية اللازمة والمتابعة المناسبة. ولا تعني هذه القاعدة أن الدولة مسؤولة عن كل وفاة تقع في السجن، بل إن التقييم ينصب على ما إذا كان الخطر معلومًا أو قابلًا للتوقع، وعلى التدابير التي اتخذت لمواجهته. وفي نفس هذا السياق، تقدم قواعد نيلسون مانديلا معيارًا عمليًا لهذا الواجب. فهي تربط ظروف الإقامة بالصحة والتهوئة والمساحة، وتعتبر الرعاية الصحية للسجناء مسؤولية للدولة، مع ضمان العلاج السريع في الحالات المستعجلة والتحويل إلى المستشفى عند الحاجة. كما تولي اهتمامًا خاصًا للصحة النفسية ومخاطر إيذاء النفس والانتحار. وهي ليست معاهدة ملزمة بذاتها، لكنها تمثل مرجعًا دوليًا أساسيًا في تقييم ظروف الاحتجاز.

ويبدو القانون التونسي أقل تفصيلًا في إدارة هذه المخاطر. فهو يقر الرعاية الصحية والنفسية والفحص والعلاج وإمكانية النقل إلى المستشفى، لكنه لا يحدد في نصه آجالًا دقيقة للتدخل عند ظهور أعراض جديدة، ولا معايير لعدد الأطباء مقارنة بعدد السجناء، ولا إجراءات خاصة بموجات الحر أو الانقطاعات الطويلة للماء والكهرباء. وهذا لا يعني غياب تعليمات داخلية أكثر تفصيلًا، وإنما يعني أن وجود طبيب أو مصحة داخل السجن لا يكفي وحده لإثبات أن الرعاية كانت فعلًا متاحة في الوقت المناسب.

وتصبح هذه المسألة أكثر إلحاحًا أمام حجم الاكتظاظ. فبحسب معطيات نشرها World Prison Brief استنادًا إلى الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، بلغ عدد نزلاء السجون التونسية نحو 33 ألفًا في ماي 2025 مقابل طاقة رسمية تقارب 17 ألف مكان، أي نسبة إشغال وطنية في حدود 194 بالمائة. كما تحدثت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن نسب تجاوزت 200 بالمائة في بعض المؤسسات.

لا تثبت هذه الأرقام أن الاكتظاظ تسبب في وفاة بعينها، لكنها تؤثر مباشرة في قدرة المرفق على توفير ما يضمنه القانون. فعدد الأطباء والأعوان، ووسائل النقل إلى المستشفيات، والمرافق الصحية والفضاء والتهوئة لا تتضاعف تلقائيًا كلما تضاعف عدد المحتجزين. وهنا تظهر المفارقة بين قانون يضمن لكل سجين شروط إقامة وعلاج محددة، ومؤسسات تعمل، على المستوى الوطني، بعدد يقارب ضعف طاقتها المعلنة. كما أن هذا الوضع ليس جديدًا. فقد سبق للهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب أن ربطت الاكتظاظ بطول الإجراءات القضائية ومحدودية استعمال العقوبات البديلة وارتفاع عدد الموقوفين. لذلك لا يمكن تقديم ضغط صيف 2026 باعتباره ظرفًا استثنائيًا لم يكن متوقعًا. عناصر الأزمة كانت معروفة قبل ذلك بسنوات.

وخلال صيف 2026، أعلنت الهيئة العامة للسجون والإصلاح اتخاذ إجراءات لمواجهة الحرارة الاستثنائية والانقطاعات، من بينها صيانة التجهيزات ومولدات الكهرباء وتأمين خزانات احتياطية للماء، وأكدت توفر المتابعة الصحية والإحالة إلى المستشفيات عند الحاجة. ثم نفت في أوت وجود تدهور صحي عام أو غياب للرعاية. هذه المعطيات مهمة لأنها تبين أن الإدارة كانت واعية بالمخاطر واتخذت، بحسب بلاغاتها، تدابير لمواجهتها. لكنها لا تكفي وحدها لتقييم فعاليتها. وجود خزان ماء لا يبين إن كان قد لبى حاجات المؤسسة فعلًا، كما أن وجود متابعة طبية لا يخبرنا عن مدة انتظار المريض أو قدرة الإطار الصحي على متابعة جميع الحالات.

في المقابل، حذرت جمعية تقاطع من آثار الحرارة والانقطاعات داخل مؤسسات تعاني أصلًا من الاكتظاظ وضعف التهوئة، وقالت إنها وثقت خلال جويلية أربع وفيات وصفتها بالمسترابة، وثماني حالات منذ بداية السنة. وهذه ليست إحصائية رسمية، كما أن وصف الوفاة بالمسترابة لا يثبت وجود إهمال أو سبب مشترك. لكنه يبرر المطالبة بتحقيق دقيق، خصوصًا عندما تتزامن الوفيات مع ظروف مناخية استثنائية وضغط سجني مزمن.

وتكمن أهمية صيف 2026 في أن الخطر لم يكن مجهولًا. موجة الحر كانت معلنة، والإدارة نفسها قالت إنها اتخذت إجراءات استثنائية بسببها. أما الاكتظاظ فموثق منذ سنوات. وتوقع الخطر لا يثبت المسؤولية إذا وقع الضرر، لكنه يرفع مستوى العناية المطلوبة، خصوصًا تجاه المرضى المزمنين والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أو يحتاجون إلى علاج منتظم أو نقل سريع إلى المستشفى.

وتعود هنا قضية الشاب المتوفى في المرناقية من زاوية أخرى. كان السؤال في الجزء السابق يتعلق بكيفية تعامل القضاء مع المعلومات المتعلقة بحالته النفسية عند تقييم استمرار إيقافه. داخل السجن يصبح السؤال مختلفًا. هل وصلت هذه المعلومات إلى المرفق الصحي؟ وهل جرى تقييم حالته ومتابعتها مع تغير ظروفه؟ فالفحص عند الدخول لا يكفي إذا تدهورت الحالة لاحقًا، خصوصًا في مجال الصحة النفسية حيث قد يزيد الاحتجاز نفسه من القلق أو العزلة أو مخاطر إيذاء النفس.

ولا ينبغي اختزال المسؤولية في الطبيب وحده. فقد يكون الخلل في عدد الإطارات الصحية، أو في تأخر وسيلة النقل، أو في عدم وصول المعلومة الطبية إلى الأعوان، أو في تعذر تنفيذ توصية صدرت في الوقت المناسب. لهذا لا يقتصر السؤال القانوني على معرفة من أخطأ، بل يمتد إلى معرفة ما إذا كان المرفق منظمًا أصلًا بطريقة تسمح باحترام الحقوق التي يعلنها القانون.

ولا يجعل نقص الموارد الدولة مسؤولة تلقائيًا عن كل ضرر. لكن الفرق كبير بين خطر لا يمكن توقعه وخطر معروف أصبح دائمًا. فالصعوبات المالية أو اللوجستية قد تفسر بعض أوجه القصور، لكنها لا تحول الحق في العلاج والسلامة إلى التزام اختياري، خاصة عندما تكون آثار الضغط على المرفق قابلة للتوقع منذ سنوات. لذلك لا يكفي، عند وفاة سجين مريض، أن يقال إنه عُرض على طبيب. المطلوب معرفة متى ظهرت أعراض التدهور، ومتى تم فحصه، وما القرار الذي اتخذ، وهل نُفذ في الوقت المناسب، وهل استوجبت حالته نقله إلى المستشفى. وقد تكشف هذه الوقائع أن الرعاية كانت مناسبة وأن الوفاة لم يكن بالإمكان تفاديها، كما قد تكشف تأخرًا أو خللًا. في الحالتين، لا يمكن تقييم مسؤولية الدولة من النتيجة وحدها، بل من المسار الذي سبقها.

وهذا المسار يجب أن يبقى قابلًا لإعادة البناء بعد الوفاة. الملف الصحي، وتوقيت طلب الطبيب، وقرار النقل، وسجلات الأعوان، وحالة الماء والكهرباء، كلها تفاصيل يومية تتحول بعد الموت إلى عناصر إثبات. ومن هنا يبدأ سؤال آخر. بعد أن كان البحث متعلقًا بما فعلته الدولة لحماية الشخص وهو حي، يصبح المطلوب معرفة كيف يمكن التحقق مما فعلته فعلًا بعد موته.

III. بعد الموت : حين لا تكفي شهادة الوفاة لإغلاق الملف

تنتهي سلطة السجن على حياة المحتجز بوفاته، لكن مسؤولية الدولة لا تنتهي معها، بل يتغير موضوعها. فبعد واجب الحماية، يصبح عليها أن تحفظ ما يسمح بفهم ما حدث، وأن تضمن تحقيقًا مستقلًا يمكنه إعادة بناء الوقائع، وأن تتيح للعائلة معرفة مصير شخص كان الوصول إليه، في أيامه الأخيرة، خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة.

تظهر هذه المسألة بوضوح في قضية الشاب المتوفى في المرناقية. فبحسب محاميه، وقعت الوفاة يوم الجمعة 28 أوت 2026، بينما لم تعلم العائلة والدفاع بها إلا يوم الاثنين. ولا تسمح المعطيات المنشورة بمعرفة متى أُبلغت إدارة السجن بالوفاة أو متى وقع الاتصال بالعائلة، لذلك لا يمكن الجزم بوجود مخالفة. لكن الفصل 43 من القانون عدد 52 لسنة 2001 يلزم مدير السجن بإعلام العائلة والسلطة القضائية المختصة وإدارة السجون وضابط الحالة المدنية «فورًا». ومن ثم فإن توقيت الإعلام يصبح في ذاته واقعة تحتاج إلى توضيح، بصرف النظر عن سبب الوفاة.

ولا يتعلق الأمر بحق العائلة في تلقي الخبر فقط. فالوفاة داخل مؤسسة مغلقة تخلق اختلالًا واضحًا في الوصول إلى الدليل. الملف الصحي، وطلبات العلاج، ومواعيد الفحص والنقل، وسجلات الأعوان، وربما تسجيلات المراقبة، توجد كلها لدى مؤسسات الدولة أو تحت سيطرتها. العائلة قد تملك الشك، لكنها لا تملك بالضرورة الوسائل التي تسمح بإثباته أو نفيه. هذا الوضع لا يجعل رواية الإدارة موضع اتهام مسبق، لكنه يجعل حفظ الأدلة وفحصها من جهة مستقلة مسألة أساسية. فلا يمكن مطالبة الأسرة بأن تثبت منذ البداية ما حدث داخل مكان لم يكن مسموحًا لها بالدخول إليه، كما لا يجوز افتراض مسؤولية الإدارة لمجرد أن الوفاة وقعت تحت الحراسة. المطلوب هو مسار يجعل كل رواية قابلة للتحقق.

هنا تبدأ محدودية وعجز قانون السجون التونسي في تنظيم هذه المرحلة. فالفصل 43 يضبط واجب الإعلام وتسليم شهادة الوفاة إلى العائلة، لكنه لا يضع، في ذاته، نظامًا متكاملًا لحفظ الأدلة أو النفاذ إلى الملف الصحي أو آجال التحقيق أو الحالات التي تستوجب تشريحًا طبيًا شرعيًا. ولا يعني ذلك غياب هذه الإجراءات عن بقية المنظومة القانونية، وإنما يعني أن القانون الخاص بالسجون يعالج الوفاة أساسًا كواقعة تستوجب الإعلام، أكثر مما يعالجها كواقعة قد تستوجب آلية خاصة للتحقيق.

وتلفت المقارنة التاريخية الانتباه في هذا السياق. فالأمر عدد 1876 لسنة 1988، الذي انتهى العمل به لاحقًا، كان يميز صراحة بين الوفاة الطبيعية للمحكوم عليه وبين وفاة الموقوف تحفظيًا أو الوفاة المسترابة. وكان يلزم في الحالتين الأخيرتين بإعلام السلط القضائية والأمنية فورًا، كما يجعل التصرف في الجثة من اختصاص السلطة القضائية. اختفت هذه التفرقة من قانون 2001 وحل محلها واجب عام بالإعلام. ولا يكفي ذلك للقول إن الحماية القانونية تراجعت فقط، لكنه يكشف أن الحساسية الإجرائية التي عبّر عنها النص القديم لم تتحول في القانون الجديد إلى بروتوكول أكثر تفصيلًا للوفيات تحت الحراسة.

كما أن معرفة السبب الطبي للموت لا تحسم وحدها مسألة المسؤولية. فقد تحدد شهادة الوفاة أو التشريح أن الموت نتج عن أزمة قلبية أو سبب مرضي آخر، لكن ذلك لا يجيب بالضرورة عن الأسئلة التي سبقته. متى ظهرت الأعراض، وهل طلب المريض العلاج، ومتى عُرض على الطبيب، وهل استوجبت حالته النقل، وهل تم ذلك في الوقت المناسب. الطب يفسر ما أصاب الجسد، بينما يحتاج القانون أيضًا إلى إعادة بناء القرارات التي أحاطت به.

لهذا يكتسب بروتوكول مينيسوتا للتحقيق في حالات الوفاة التي يحتمل أن تكون غير مشروعة أهمية خاصة. فهو لا يفترض أن كل وفاة في السجن ناتجة عن فعل غير مشروع، لكنه ينطلق من أن الدولة تمارس سيطرة استثنائية على الشخص المحتجز، ولذلك يقع عليها عبء أكبر في تقديم تفسير قابل للتحقق عندما يموت تحت سلطتها. ويقتضي ذلك تحقيقًا سريعًا وفعالًا وشاملًا ومستقلًا ومحايدًا، قادرًا على البحث ليس فقط عن خطأ فردي، بل أيضًا عن أوجه القصور في التنظيم أو السياسات التي قد تكون ساهمت في النتيجة.

وهذه النقطة ضرورية لأن المسؤولية الجزائية ليست الصورة الوحيدة الممكنة للمساءلة. قد لا يثبت اعتداء من أحد الأعوان، ومع ذلك يكشف التحقيق تأخرًا في نقل مريض أو ضعفًا في متابعة حالة نفسية أو خللًا في انتقال المعلومة بين الطبيب والإدارة. وقد يثبت، في الاتجاه المقابل، أن الرعاية كانت مناسبة وأن الوفاة لم يكن بالإمكان تفاديها. قيمة التحقيق المستقل أنه يسمح بالوصول إلى الحالتين من خلال الأدلة، لا من خلال الافتراض.

وليست مشكلة التحقيق في الوفيات تحت الحراسة جديدة في تونس. ففي ملاحظاتها الختامية لسنة 2016، أشارت لجنة مناهضة التعذيب إلى حالات وفاة في ظروف مسترابة لم تتضح نتائجها قضائيًا، بينما كانت الدولة قد قدمت بيانات تشير إلى معدل يقارب أربعًا وثلاثين وفاة أثناء الاحتجاز سنويًا منذ 2013. ولم تعتبر اللجنة الرقم دليلًا على انتهاك في ذاته، وإنما انتقدت نقص المعلومات المتعلقة بالتحقيقات، وطالبت بتحقيقات مستقلة ومحايدة وبإتاحة مشاركة العائلات في المسار القضائي. وفي 2023 عادت اللجنة لتطلب من تونس بيانات مفصلة عن الوفيات وأسبابها والتحقيقات والتتبعات والأحكام والتعويضات.

وهنا تظهر مشكلة الشفافية التي تطرح نفسها بقوة، ففي حدود المصادر العمومية التي أمكن الرجوع إليها إلى غاية بداية سبتمبر 2026، لا تظهر قاعدة رسمية حديثة وموحدة تتيح معرفة عدد الوفيات داخل أماكن الاحتجاز بحسب المؤسسة والوضعية الجزائية والعمر والسبب النهائي للوفاة، ثم معرفة ما إذا فتح تحقيق وما انتهى إليه. لا يعني ذلك أن السلطات لا تملك هذه المعلومات داخليًا، لكنه يجعل المتابعة العامة موزعة بين بلاغات رسمية وتصريحات محامين وعائلات وتقارير جمعيات ومصادر صحفية.

ويقدم تقرير برنامج «سند» التابع للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، الصادر في جوان 2026، مثالًا على آثار هذا الوضع. فقد درس البرنامج ستًا وثلاثين حالة وثقها منذ 2013 ارتبطت بادعاءات تعذيب أو سوء معاملة، بما يشمل الإهمال. وهي عينة منتقاة أصلًا بسبب وجود ادعاءات، لذلك لا تمثل مجموع الوفيات في السجون التونسية. لكن من بين النتائج اللافتة والموجعة أن أربعين بالمائة من العائلات التي شملها التوثيق قالت إنها علمت بالوفاة عن طريق أشخاص آخرين لا عن طريق السلطات المختصة. وهذه المعطيات لا تثبت سبب الموت، لكنها تمس مباشرة إجراءً بسيطًا يفرضه القانون، وهو إعلام العائلة فورًا.

ولهذا تكتسب رواية عائلة الشاب المتوفى في المرناقية أهمية إضافية. فإذا ثبت أنها لم تعلم بالوفاة إلا بعد ثلاثة أيام، يصبح من المشروع معرفة متى اتصلت بها الإدارة، وما إذا تعذر الوصول إليها، وكيف وثق إجراء الإعلام. لا يحتاج هذا السؤال إلى انتظار نتيجة التشريح، لأنه يتعلق بتنفيذ التزام مستقل عن سبب الوفاة.

وفي نفس هذا السياق، تطرح النصوص سؤالًا آخر يتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. فقد منحها القانون الأساسي لسنة 2013 صلاحيات واسعة في زيارة أماكن الاحتجاز والنفاذ إلى المعلومات والتقصي في حالات سوء المعاملة وإنشاء قاعدة للبيانات والإحصائيات. ومع ذلك، لا يظهر في النصوص التي تمت مراجعتها التزام بإعلام الهيئة آليًا بكل وفاة تحدث داخل مكان سالب للحرية. الفصل 43 من قانون السجون أقدم من إنشاء الهيئة نفسها، والقانون الأساسي المنظم لها لم يجعل إشعارها بكل وفاة إجراءً تلقائيًا.

ويمكن معالجة هذا الفراغ دون افتراض وجود جريمة في كل وفاة. فالإعلام الآلي لجهة رقابية مستقلة يمكن أن يعمل إلى جانب المسار القضائي والخبرة الطبية الشرعية، بما يسمح بالنظر إلى كل وفاة في ظروفها الخاصة، ثم مقارنتها بغيرها إذا ظهرت أنماط متكررة. استقلال الرقابة لا يعني أن الإدارة متهمة، بل يقلل الحاجة إلى الاكتفاء بروايتها عندما تكون هي نفسها حائزة على أغلب عناصر الإثبات.

والعائلة جزء من هذا المسار أيضًا. فهي قد تعرف التاريخ الطبي السابق للاحتجاز، أو التغير الذي لاحظته في آخر زيارة، أو شكاوى نقلها إليها المتوفى قبل موته. هذه المعلومات لا تثبت المسؤولية، لكنها قد توجه التحقيق نحو أسئلة لم تظهر في الوثائق الإدارية. ولذلك لا ينبغي أن يقتصر دور الأسرة على انتظار شهادة الوفاة أو النتيجة النهائية للتحقيق.

المشكلة تصبح أوسع عندما تتكرر الوفيات في فترة قصيرة. فقد تكون أسبابها الطبية مختلفة تمامًا، لكن جمع المعطيات قد يكشف نمطًا لا يظهر عند دراسة كل ملف منفردًا، مثل تأخر متكرر في النقل أو صعوبات داخل مؤسسة بعينها أو ارتفاع المخاطر خلال ظروف مناخية معينة كالذي حدث في الصيف الحالي. ولهذا لا تكفي معرفة العدد الإجمالي للوفيات. الأهم هو معرفة ما جرى بعد كل وفاة وما إذا أدت التحقيقات إلى تغيير في الممارسة.

في النهاية، خصوصية الموت داخل السجن لا ترجع فقط إلى أن الشخص مات وهو تحت سلطة الدولة. ترجع أيضًا إلى أن الدولة كانت قبل موته تتحكم في المكان والعلاج والوصول إليه، ثم أصبحت بعده تملك جانبًا أساسيًا من الأدلة التي تسمح بفهم ما حدث. هذه السيطرة قد لا تجعلها مسؤولة مسبقًا عن النتيجة، لكنها حتما تجعل عليها واجبًا أكبر في جعل النتيجة قابلة للتحقق. وعندما يموت شخص تحت الحراسة، لا يكفي أن تعرف عائلته أنه مات. يجب أن يكون ممكنًا معرفة كيف كانت حالته، وما الرعاية التي تلقاها، وما القرارات التي اتخذت بشأنه، وما إذا كان هناك تقصير، ومن المسؤول عنه إن وجد.

إن مسؤولية الدولة عن المحتجز لا تنتهي بوفاته. عند تلك اللحظة ينتهي واجب حمايته حيًا، ويبدأ واجب آخر هو ألا تبقى حقيقة موته خلف الجدران.

خاتمة

لم تكن وفيات صيف 2026 كافية، في ذاتها، لإثبات وجود سبب مشترك أو تقصير عام داخل السجون التونسية. وقد تنتهي التحقيقات في بعض الحالات إلى أن الوفاة لم يكن بالإمكان تفاديها، أو أن الرعاية قُدّمت وفق ما تقتضيه الحالة. لكن تواتر هذه الوفيات، في ظرف يتسم باكتظاظ مزمن وضغط على المرافق الصحية وتضارب واضح بين الروايات الرسمية والمطالب الحقوقية، يجعل الاكتفاء بالمؤشرات العامة غير كاف لتقييم مسؤولية الدولة.

فعدد الاستشارات الطبية، وتوفر وسائل النقل أو التجهيزات، معطيات ضرورية لتقييم عمل المرفق، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال القانوني في حالة بعينها. المسؤولية لا تُقاس فقط بما تملكه المؤسسة من موارد، بل بما حدث للشخص الذي كان تحت حراستها: هل كان الخطر معلومًا؟ هل عولج في الوقت المناسب؟ هل كان استمرار حرمانه من الحرية لا يزال ضروريًا؟ وهل يمكن، بعد موته، إعادة بناء ما جرى على أساس وثائق وتحقيق مستقل؟

في هذا الاطار تكشف الوفاة تحت الحراسة حدود تقسيم المسؤولية بين المؤسسات. فالقاضي الذي يقرر الإيقاف لا يدير السجن، وإدارة السجن لا تقرر الإفراج، والطبيب لا يملك وحده معالجة آثار الاكتظاظ أو بطء الإجراءات. لكل جهة اختصاصها، لكن المحتجز يعيش نتيجة هذه القرارات مجتمعة. وإذا وقع إخلال، فلا ينبغي أن تضيع المسؤولية بين حدود الاختصاصات لمجرد أن كل مؤسسة أدت جزءًا منفصلًا من العملية.

لهذا لا تقوم دولة القانون على افتراض مسؤولية الإدارة كلما مات شخص في السجن، كما لا تقوم على مطالبة العائلة بالثقة في أن كل ما كان ينبغي فعله قد تم. ما يحسم المسافة بين الشك والنفي هو إمكانية التحقق: ملف محفوظ، توقيت معلوم، قرار يمكن مراجعته، خبرة مستقلة، وتحقيق يستطيع أن يثبت التقصير إن وجد، أو أن ينفيه إذا لم يوجد.

في النهاية، تكشف مسألة الموت تحت الحراسة عن علاقة بسيطة في ظاهرها وثقيلة في آثارها. حين تحرم الدولة إنسانًا من حريته، فإنها لا تكتسب فقط سلطة إبقائه خلف الجدران؛ تتحمل أيضًا ما يترتب عن هذه السلطة من واجبات تجاه حياته وسلامته وكرامته. وإذا انتهت تلك الحراسة بالموت، يبقى عليها واجب آخر وهو أن تجعل ما حدث قابلًا للمعرفة والمساءلة.

صباحًا، كان محام يتجه إلى السجن لزيارة منوبه. مساءً، كان يحضر جنازته. وبين اللحظتين توجد أسئلة لن تجيب عنها الأرقام وحدها. حين يموت إنسان في مكان لم يكن يستطيع مغادرته، لا يكفي أن يُعرف أنه مات. يجب أن يكون ممكنًا معرفة ما الذي حدث له قبل أن يموت، وما إذا كانت الدولة قد فعلت ما كان القانون يفرضه عليها وهو لا يزال حيًا.


المراجع والمصادر

النصوص القانونية الوطنية

  • الجمهورية التونسية، دستور الجمهورية التونسية، 25 جويلية 2022.
  • الجمهورية التونسية، مجلة الإجراءات الجزائية، القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في 24 جويلية 1968، كما تم تنقيحها وإتمامها، وخاصة الفصول 84 و85 و86 و104 مكرر.
  • الجمهورية التونسية، القانون عدد 75 لسنة 2008 المؤرخ في 11 ديسمبر 2008 المتعلق بتدعيم ضمانات المتهم وتطوير وضعية الموقوفين وتيسير شروط الإدماج.
  • الجمهورية التونسية، مرسوم رئيس الحكومة عدد 29 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 المتعلق بنظام المراقبة الإلكترونية في المادة الجزائية.
  • الجمهورية التونسية، القانون عدد 52 لسنة 2001 المؤرخ في 14 ماي 2001 المتعلق بنظام السجون.
  • الجمهورية التونسية، الأمر عدد 1876 لسنة 1988 المؤرخ في 4 نوفمبر 1988 المتعلق بالنظام الخاص بالسجون، ملغى.
  • الجمهورية التونسية، القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2013 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 المتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب.

المواثيق والمعايير الدولية

  • الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمد بقرار الجمعية العامة 2200 ألف (د-21)، 16 ديسمبر 1966.
  • لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 36 بشأن المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: الحق في الحياة، CCPR/C/GC/36، 30 أكتوبر 2018.
  • الجمعية العامة للأمم المتحدة، قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، A/RES/70/175، 17 ديسمبر 2015.
  • مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يحتمل أن تكون غير مشروعة (2016)، HR/PUB/17/4، الأمم المتحدة، نيويورك وجنيف، 2017.
  • لجنة مناهضة التعذيب، الملاحظات الختامية بشأن التقرير الدوري الثالث لتونس، CAT/C/TUN/CO/3، 10 جوان 2016.
  • لجنة مناهضة التعذيب، قائمة المسائل السابقة لتقديم التقرير الدوري الرابع لتونس، CAT/C/TUN/QPR/4، 4 جانفي 2023.
  • مجلس حقوق الإنسان، الإجراءات الخاصة، مراسلة مشتركة إلى الجمهورية التونسية، AL TUN 1/2026، 6 فيفري 2026.

التقارير والدراسات

  • Institute for Crime & Justice Policy Research (ICPR), World Prison Brief: Tunisia, World Prison Brief, données actualisées en 2025.
  • مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، إصلاح المنظومة الجزائية في تونس بما يضمن حماية الحقوق والحريات، ورقة سياسات، تونس، 2025.
  • المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، برنامج سند، لا شيء يمكن أن يعوّضني عن فقدان ابني، أنا لا أريد سوى العدالة: مسار العائلات في مواجهة الموت المستراب لأحد الأقارب، تونس، 2026.
  • المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، برنامج سند، التقرير السنوي لبرنامج سند 2025–2026، تونس، 2026.
  • الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، التقارير السنوية للهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، تونس.

البيانات والمعطيات المؤسساتية

  • الهيئة العامة للسجون والإصلاح، البيانات والمعطيات المتعلقة بالرعاية الصحية وظروف الإيداع بالمؤسسات السجنية، تونس، 2026.
  • وزارة العدل، الوثائق والبيانات المتعلقة بالإيقاف التحفظي والعقوبات والتدابير البديلة والمراقبة الإلكترونية، تونس.
  • الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، البيانات المتعلقة بأوضاع السجون والوفيات داخل أماكن الاحتجاز، تونس، 2026.
  • المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، البيانات المتعلقة بظروف الاحتجاز والوفيات داخل السجون، تونس، 2026.
  • جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات، تقارير وبيانات رصد أوضاع الاحتجاز والوفيات داخل المؤسسات السجنية، تونس، 2026.

مصادر صحفية وتحقيقات ذات صلة

  • رحاب بوخيّاطية،  «موت مستراب: تونس أمام تواصل الوفيات داخل السجون»، نواة، أوت 2026.
  • «عقوبات مضاعفة: نقص الرعاية الصحية في السجون التونسية» , Inkyfada,  جوان 2026.
  • رحاب بوخيّاطية، «السجون في تونس: موجة الحر كعقوبة مضاعفة»، نواة، 2026.
  • شاكر الجهمي، «الموت المستراب في السجون، ملف يخيف كل الرؤساء وكل الحكومات»، نواة، 2025.