كانت عقارب الساعة تُشير إلى حوالي الواحدة بعد الظهر يوم 23 جويلية 2026، حين كانت عائلة بياحي في منزلها بحي الفهري، من ولاية منوبة، تُسابق الزمن في محاولة للتخفيف من اختناق الأب شكري، البالغ من العمر 62 عامًا، باستعمال وسائل يدوية، بعد انقطاع الكهرباء وتعطل جهاز الأكسجين الذي يعتمد عليه للتنفس.

ذلك الانقطاع كان حلقة جديدة في سلسلة من الانقطاعات المتكررة التي عاشها شكري على امتداد خمسة أيام تزامنت مع موجة حرّ استثنائية ضربت تونس، حيث يعني كل انقطاع بالنسبة إليه توقف جهاز الأكسجين، وانقطاع التكييف في غرفته مما يُراكم له مضاعفات صحية.

مشهد رؤية والده يموت وهو عاجز عن إنقاذه، دفع ابنه الأكبر شهاب إلى الاستنجاد بهاتفه وتصوير فيديو وثّق فيه ما كانت العائلة تعيشه في تلك اللحظات، فأثار الفيديو موجة سخط ضد السلطات، ما دفع نائبة عن جهة منوبة إلى التدخل وطلب إعادة الكهرباء إلى منزل العائلة. غير أن الوقت كان قد فات، بعدما أنهكت الانقطاعات المتكررة رئتي الضحية، لتنتهي رحلة الآلام بوفاته في حدود الساعة 23:55 من تلك الليلة.

عائلة بياحي، تتمسك بمحاسبة المسؤولين عما تعتبره تنيكلاً وقطعًا لأساليب الحياة عن الضحية. وتروي زوجته، رفيقة بوحجيلة، تفاصيل الأيام الأخيرة في حياة زوجها، الذي كان قد أصيب بجلطتين دماغيتين قبل أشهر وأصبح عاجزًا عن المشي، لكنه كان، وفق العائلة، يعيش حالة صحية مستقرة نسبيًا قبل أن تتدهور حالته مع تكرر انقطاعات للكهرباء. ما دفع الأطباء إلى السماح له بمغادرة المستشفى قبل أيام قليلة من وفاته، ليعود إلى منزله، لكن انقطع عنه شريان الحياة الذي يوفره جهاز التنفس، الذي كان يمدّه بنحو ثلاثة لترات من الأكسجين يوميًا.

قصة شكري ليست سوى واحدة من عشرات القصص الأخرى التي لم تجد طريقها إلى النور، لضحايا خلّفتهم موجة الحر وانقطاعات الكهرباء، لكنها تكشف في الوقت نفسه هشاشة منظومة طاقية تواجه ضغوطًا متراكمة واختلالات بنيوية. ومع عجزها المزمن عن إيجاد الحلول أو الاستباق، باتت تجعل من المواطنين أرقامًا في معادلة الموت، في وقت تواجه فيه البلاد مخاطر انقطاع شامل للكهرباء، إلى جانب احترار مناخي يلتهم آلاف الهكتارات من المساحات الخضراء.

بلغ الطلب على الكهرباء منذ منتصف جويلية 2026 خاصة خلال ساعات الذروة نحو 6400 ميغاواط، بزيادة تقارب 30% عن المستويات المعتادة، في حين قُدّرت القدرة الإنتاجية المتاحة للشركة التونسية للكهرباء والغاز ”الستاغ“ بنحو 4630 ميغاواط، أي بفارق يقارب 1770 ميغاواط. وقد لجأت الشركة، في ظل هذا العجز، إلى إعتماد قطع دوري للكهرباء تفاديا لانهيار الشبكة وفق بياناتها في الغرض.

وتكشف بيانات مدروسة حصلت عليها نواة من منصة «فمّا ضو؟» اتساع اضطرابات التزويد بالكهرباء خلال موجة الحر، إذ رصدت 2665 انقطاعًا في 376 منطقة موزعة على 24 ولاية بين 22 جويلية و3 أوت 2026. وبلغت الاضطرابات ذروتها يوم 23 جويلية، حين سجلت المنصة 122 منطقة دون كهرباء في الوقت نفسه، موزعة على 20 ولاية، فيما امتدت الانقطاعات المتزامنة في إحدى ذروات اليوم إلى 21 ولاية .

لا تمثل هذه الأرقام معطيات رسمية بشأن انقطاعات الكهرباء، وإنما تستند إلى تبليغات طوعية من المواطنين جمعتها المنصة، في ظل عدم توفير الشركة التونسية للكهرباء والغاز ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة المعطيات التفصيلية التي طلبتها نواة رسميًا حول حجم الانقطاعات وتوزعها الزمني والجغرافي. لذلك، اعتمد التحقيق على بيانات المنصة لرصد مدى اتساع اضطرابات التزويد بالكهرباء خلال الفترة المدروسة.

ولفهم كيفية وصول تونس إلى هذا المستوى من الأزمة، نعود إلى مسار إدارة الدولة لملف الكهرباء خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من تأخر في إنجاز مشاريع كان يفترض أن تعزز قدرات الإنتاج، إضافة إلى اجراءات عمّقت الاختلالات المالية بالتزامن مع تفاقم الطلب على الكهرباء والاحترار المناخي.

تلكؤ المشاريع، اختلالات مالية وتجاهل لناقوس الخطر

يرى مستشار السياسات العمومية شكيب بن مصطفى، في مقابلة مع نواة، أن ”جذور الأزمة تكمن في عجز الإنتاج الكهربائي عن مجاراة الاستهلاك، الذي يرتفع سنة بعد أخرى، خصوصًا خلال ذروة الصيف بفعل كثافة استخدام المكيّفات. غير أن هذا الارتفاع، لم يكن مفاجئًا أو غير متوقع، إذ طالبت نقابة الشركة التونسية للكهرباء والغاز وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، منذ سنوات بالإذن في الشروع في بناء أربع محطات ضمن الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي، هي الصخيرة 1 و2 وبنزرت 1 و2، من دون أن تتلقى هذه المراسلات ردًا إلى اليوم، فضلا على عدم تسوية الوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وعدم مراجعة التعريفة بالنسبة إلى المشاريع والقطاعات الكبرى ذات الاستهلاك المرتفع، رغم ما يفرضه تزايد الطلب من ضرورة إعادة النظر في التعريفة.“

ويرتبط الاختلال المالي أساسًا بعدم التوازن بين كلفة إنتاج الكهرباء ومداخيلها، إذ تبيع الشركة الكهرباء بأقل من كلفته، ما يفترض أن تغطي الدولة الفارق عبر منحة الاستغلال. غير أن عدم انتظام صرف هذه المنحة، خاصة خلال الفترة 2016-2023، عمّق الضغوط المالية على الشركة، بالتوازي مع تراكم فواتير غير مستخلصة لدى الإدارات والمؤسسات العمومية، ما حدّ من سيولتها ودفعها إلى الاقتراض لتغطية حاجياتها اليومية. كما زاد قرار 2014 القاضي بشراء الغاز الطبيعي مباشرة من الجزائر من هذا الضغط[1]، إذ أصبحت الشركة مطالبة بتوفير العملة الصعبة والتزود بالغاز بكلفة أعلى، بعد فقدان السعر التفاضلي الذي كانت تستفيد منه منذ التسعينات، والمقدر بنحو 99 دينارًا للطن المكافئ نفط.

عينة مما تنشره منصة ”فما ضوء“ المثال هنا لمنطقة حي الزهور بالعاصمة ليوم 25 اوت 2026 – famma-dhaw

وعلى صعيد الاستثمارات، يُشير تقرير للمرصد التونسي للاقتصاد إلى أن عديد الدراسات الخاصة بعدد من مشاريع إنتاج الكهرباء أُنجزت، وأن طلبات التمويل رُفعت إلى سلطة الإشراف، دون أن تتلقى الشركة التونسية للكهرباء والغاز ردًا بشأنها. وتزامن ذلك مع تراجع استثمارات الستاغ في إنتاج الكهرباء بنسبة 87% بين فترتي 2016-2020 و2021-2025، وهو ما يتقاطع مع ما خلص إليه بن مصطفى من أن تقييد استثمار الشركة التونسية للكهرباء والغاز في الإنتاج لم يكن عارضًا تقنيًا بل خيارًا سياسيًا ممنهجًا. فالنسخة المحيّنة للاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي لسنة 2022/2023 أسندت لصيغة الامتيازات الخاصة دورًا مركزيًا يناهز 80% من الأهداف المبرمجة، بينما لم تتجاوز حصة الستاغ من المخطط الشمسي التونسي[2] 380 ميغاواط من أصل أكثر من 4000 ميغاواط مقررة لأفق 2030. مما حوّل الهيكل العمومي تدريجيًا إلى مجرد وسيط بين المنتجين الخواص والمستهلكين، وهو يفسر التلكؤ في المطالب المتكررة ببناء محطات جديدة قبل أن تنفجر الأزمة مع موجة الحرّ.

يوضح بن مصطفى أن”سلطة الإشراف في المقابل، تفضّل التعويل أكثر فأكثر على التزود المباشر بالكهرباء من الجزائر، لأنه حلّ يوفر ميزتي غياب الاستثمار وسهولة التصرف، لكنه يجعل تونس رهينة أي عارض تقني أو غيره، على غرار الحرائق التي شهدتها مناطق جزائرية عدة هذه السنة، ما قد يترك البلاد دون بديل معتبرًا أن الحكومات المتعاقبة اختارت تحمل هذا الخطر، غير أن اللجوء إلى القطع الدوري للكهرباء خلال هذه السنة كشف الفجوة بين هذا الخيار النظري والواقع فيما تم التوجه نحو مشاريع امتيازات المحطات الفولطوضوئية ومشروع  ألماد ELMED للربط الكهربائي مع إيطاليا وأوروبا عمومًا.“

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن قانون انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة الصادر سنة 2015 ألزم الحكومة بإعداد وتقديم مخططها التنموي في مجال الطاقة في أجل أقصاه سنة 2020، بما يترجم الاستراتيجية طويلة المدى إلى أهداف واضحة ومتوسطة المدى. غير أن هذا المخطط لم يرَ النور إلى غاية سنة 2026. وتُبين هذه المعطيات، وفق بن مصطفى، أن ”الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي هُجرت فعليًا لصالح توجه مُغاير لم يخضع للنقاش العمومي. مشيرا إلى أن فتح حوار صريح مع مختلف الأطراف المعنية، وتحديد الخيارات الاستراتيجية بوضوح، كان من شأنه أن يساعد على معالجة الاختلالات المتراكمة وتجنب بلوغ المنظومة ما آلت إليه خلال أزمة الكهرباء في جويلية.“

يعتبر المتحدث أن ”تونس باتت بعيدة عن السيادة الطاقية، بفعل اعتمادها المتزايد على واردات الغاز والكهرباء، مقابل محدودية مساهمة الطاقات المتجددة. ويعتبر أن هذا الوضع يتناقض مع ما تمتلكه البلاد من إمكانات في مجال إنتاج النفط والغاز، والتي لم تُستغل، بالشكل الكافي، بسبب نظام جبائي غير جاذب بما يكفي للاستثمار في القطاع، إلى جانب إطار تشريعي متقادم والقيود المفروضة على استغلال المكامن غير التقليدية“. وبذلك يخلص إلى أن تراكم هذه الخيارات ساهم في انتقال الميزان الطاقي من شبه توازن سنة 2010 إلى عجز مزمن في 2026.

أما بشأن قدرة مشاريع الانتقال الطاقي على سدّ العجز في إنتاج الكهرباء، فيشكك بن مصطفى في نجاعتها، مستندًا إلى جملة من الأرقام والمؤشرات. ويؤكد أن هذه المشاريع لن تكون كافية لردم فجوة الإنتاج، خاصة أن نسبة إنجاز اللزمات الموافق عليها منذ 2019 لم تتجاوز 60%. كما يشير إلى أن الطاقات المتجددة الوطنية لا تمثل، وفق معطيات كاتب الدولة للانتقال الطاقي وائل شوشان، سوى حوالي 9% من استهلاك الشركة التونسية للكهرباء والغاز. ويضيف أن واردات الكهرباء من الجزائر مثّلت بدورها 11% من الاستهلاك الوطني سنة 2025، بما يعكس، في تقديره، استمرار ارتهان المنظومة الكهربائية لمصادر خارجية. وبذلك، يرى أن الرهان على الطاقات المتجددة والربط الكهربائي لا يمكن أن يعوّض الحاجة إلى تعزيز قدرات الإنتاج المحلية القادرة على تأمين الكهرباء على مدار الساعة، خصوصًا خلال فترات ذروة الطلب. وفق ذات المصدر.

تكشف تجربة السنوات السابقة أن الموافقة على المشاريع لا تعني دخولها حيز الإنتاج. فمن أصل 500 ميغاواط تمت الموافقة عليها سنة 2018، لم يدخل أي منها حيز الإنتاج حتى نهاية 2024، قبل التخلي عن 200 ميغاواط والإبقاء على 300 ميغاواط. ورغم إطلاق جولة جديدة من اللزمات في أفريل 2026، تطرح هذه التجربة تساؤلات حول قدرة هذا الخيار على توفير المقدرات الطاقية المطلوبة في الآجال المعلنة. كما أن هدف 35% من الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة سنة 2030 لا يعني تغطية 35% من الاستهلاك الوطني للطاقة، إذ لن تتجاوز مساهمتها، وفق هذه المعطيات، أكثر قليلًا من 10% من الاستهلاك الوطني من الطاقة الأولية، فيما لن تتجاوز مساهمة اللزمات وحدها نحو 8%. وبالتالي، لن يكون هذا المسار كافيًا بمفرده لسد فجوة الإنتاج.

لذلك، يدعو إلى إعادة الاستثمار في قدرات الإنتاج المحلية، على أن تظل الكهرباء الجزائرية أو الأوروبية عبر «إلماد» حلًا استثنائيًا، مشيرًا إلى أن الطاقة الشمسية لا تغطي حاجيات الليل، فيما يظل تخزينها مكلفًا. ويشدد على ضرورة تعزيز الإنتاج التقليدي لتأمين الكهرباء على مدار الساعة، مع توظيف الطاقات المتجددة لتخفيف الفاتورة ومنح «الستاغ» هامش تصرف أكبر.

كل ذلك يكشف عن مفارقة أخرى، فحتى بلوغ أهداف الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي في أفق 2030، لن يحسم أزمة الإنتاج، في وقت تواصل فيه تونس توسيع اعتمادها على الخارج لتأمين حاجياتها من الكهرباء. وهو ما يطرح سؤالًا اضافيا حول ما ستفعله الدولة لسدّ هذه الهوة في انتظار تحقق المشاريع المعلنة .

حلول ترقيعية لأزمة مزمنة: توزيع كُلفة العجز على المواطنين

أمام هذه الأزمة الهيكلية المتراكمة، لا تزال الدولة تمضي في الخيار نفسه القائم على تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة وتوسيع الربط الكهربائي مع الخارج، مقابل تعثر استعادة قدرات الإنتاج القائمة. وهو مسار تدافع عنه الحكومة وتجد له سندًا داخل البرلمان، وفي هذا الإطار يؤكد عضو لجنة المالية بالبرلمان عصام شوشان، في لقاء مع نواة،  على ضرورة تسريع تنفيذ مشروع الربط الكهربائي مع إيطاليا «ألماد» واتفاقيات اللزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة الذي يمثل وفق تقديره الرهان الأساسي للحكومة لتخفيف الضغط عن الشركة التونسية للكهرباء والغاز. ويعتبر أن هذه المشاريع ستوفر، على المدى المتوسط، قدرات إنتاج إضافية وتدعم منظومة الكهرباء، غير أن دخولها حيز الاستغلال يظل مرتبطًا بتسريع آجال الإنجاز، في وقت تواجه فيه البلاد فجوة قائمة بين العرض والطلب.


نقاشات نواة: الطاقات البديلة المتجددة، هل هي فعلا صديقة للبيئة؟
– 28 جوان 2024 –

مع تواصل اختلال التوازن البيئي وسعي كبرى الدول المصنعة وشركاءها ضمان مصادر طاقات متجددة، شهدت دول شمال افريقيا ومن بينها تونس توجها وإن كان متعثرا لتحقيق الانتقال الطاقي بعناوين صديقة للبيئة. في هذا الصدد تتنزل جملة الاتفاقيات التي أمضتها الحكومة التونسية مؤخرا مع شركات ودول أجنبية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر.
كيف نوازن بين احتياجاتنا الطاقية ومسؤولياتنا البيئية في أن واحد؟ وهل من طريق يضمن انتقالا طاقيا عادلا مع مراعاة واقعنا الاقتصادي والاجتماعي؟
نواة تفتح حلقة نقاش تجمع خبراء ونشطاء بيئيين، لتقديم إجابات عقلانية جدية تساعد على فهم حقيقي للموضوع.


وفي انتظار دخول المشاريع التي تراهن عليها الدولة حيّز الاستغلال، يطرح شوشان إمكانية التفكير في حلول ظرفية، من بينها دعم المواطنين لاقتناء مولدات كهربائية وغيرها من البدائل، وهو ما تُعارضه نقابة الشركة التونسية للكهرباء والغاز حيث يشدد كاتب عام الجامعة العامة للكهرباء والغاز فتحي المسلمي لـنواة، على أن الألواح الشمسية والبطاريات والمولدات لا تعدو أن تكون حلولًا مؤقتة ومكلفة، ولا تعالج أصل الأزمة. ويرى أن الحل يمر عبر إعادة الاستثمار في قدرات الإنتاج التقليدية بالتوازي مع تطوير الطاقات المتجددة، وتمكين ”الستاغ“ من استعادة دورها الاستثماري.

واعتبر أن ”إقصاء الشركة العمومية من جزء من الاستثمار مقابل توسيع دور الخواص ساهم، ، في تعثر بلوغ هدف 35% من الطاقات المتجددة، بسبب ضغوط ما وصفها بـ«لوبيات المال» للحصول على مزيد من الامتيازات.“

وتتقاطع هذه المعطيات مع تحليلات شكيب بن مصطفى وبقية المصادر، لتكشف أن بلوغ أهداف الانتقال الطاقي لن يكون كافيًا وحده لتغطية عجز الإنتاج، بذلك، لم تكن أزمة صيف 2026 حادثًا عابرًا، بل نتيجة تراكم سوء خيارات واختلالات في إدارة منظومة الطاقة انكشفت مع أول اختبار مناخي حاد.

وبينما كشفت المنظومة الكهربائية حدود قدرتها على الصمود أمام ارتفاع الطلب بالتزامن مع موجة الحرّ، كانت الغابات بدورها تواجه ضغطًا مناخيًا متزايدًا مع اندلاع حرائق في عدد من المناطق، لتكشف الأزمة وجهًا آخر من هشاشة الاستعداد المناخي في تونس، وتطرح سؤالًا حول مدى جاهزية السياسات العمومية في بلد تتسارع فيه آثار التغير المناخي، وما إذا كانت لا تزال تتعامل مع الأزمات بمنطق التدخل بعد وقوعها بدل الاستباق والوقاية.

28 أفريل 2026 باردو – الوفد الحكومي الذي قدّم مشاريع لزمات الطاقة للمصادقة عليها بالبرلمان ويتقدمه وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ ووائل شوشان كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي – ARP

حرائق الغابات: اختبار آخر للاستعداد المناخي

يوضح مدير المحافظة على الغابات بالإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة والصيد البحري الصحبي بوضياف، أن ”ارتفاع درجات الحرارة وتواتر موجات الحر والرياح الجافة، على غرار ما تشهده بلدان حوض المتوسط، لا تمثل السبب المباشر للحرائق، لكنها تضاعف حدتها وسرعة انتشارها، فيما يبقى العامل البشري السبب الرئيسي لاندلاع أغلبها، سواء بفعل الإهمال أو التعمد. فمنذ غرة ماي إلى نهاية جويلية 2026، سجلت تونس نحو 100 حريق غابي، بينها 10 حرائق كبرى، ألحقت أضرارًا بنحو 12 ألف هكتار، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من 2025، خاصة في زغوان وبنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة.“

ويقول بوضياف في لقاء مع نواة إن ”الاستعداد للموسم انطلق منذ مارس عبر تهيئة المسالك والخنادق والشرائط الواقية، وتعزيز المراقبة ووسائل التدخل، بالتنسيق بين الغابات والحماية المدنية والجيش والسلطات الجهوية والأمنية. غير أن فرق التدخل تواجه ارتفاع الحرارة وشدة الرياح وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع وتزامن الحرائق، فضلًا عن محدودية الموارد مقارنة باتساع الرقعة الغابية. أما استعادة الغطاء النباتي، فتختلف بحسب الأصناف، وقد يستغرق استعادة التوازن البيئي الكامل بين 30 و80 سنة“.

27 جويلية 2026 الكاف – صور من آثار الحريق الذي التهم عددا من القرى الجبلية بساقية سيدي يوسف ولاية الكاف – صور نواة – ملاك بن دخيل

وتضع هذه المعطيات منظومة الوقاية والتدخل أمام اختبار يتجاوز قدرتها على إخماد الحرائق. فكرّاس الشروط الذي أطلقه الصندوق العالمي للطبيعة بشمال إفريقيا بالشراكة مع الإدارة العامة للغابات[3]، المنشورة في 12 أوت 2026، لا تنفي وجود آليات تنسيق قائمة، لكنها تدعو إلى تعزيزها وتوحيدها. وتقترح، في هذا السياق، تطوير نظام قيادة الحوادث وفق معايير دولية، وتحيين بروتوكول الدفاع عن الغابات ضد الحرائق، وتشخيص آليات التنسيق الحالية بين مختلف المتدخلين. وبذلك، تكشف الوثيقة أن التحدي لا يتعلق فقط بتوفير مزيد من وسائل الإطفاء، بل بتحويل آليات التدخل القائمة إلى منظومة أكثر تكاملًا وقدرة على مواجهة حرائق تتزايد حدتها بفعل الظروف المناخية.

تؤكد مجمل المعطيات أن ما يحدث صيف 2026 هو إنذار بأزمة مرشحة للتفاقم في الصيف المقبل ومع كل موجة احترار جديدة، في ظل إصرار الدولة على حلول ترقيعية لا تعالج أسباب العجز بقدر ما تؤبده. وفي غياب تغيير جوهري في خيارات الاستثمار والتخطيط، يتحول هذا المسار إلى توزيع غير عادل لأعباء الفشل، إذ يُترك المواطن لمواجهة الانقطاعات وتأمين بدائلها من مولدات وبطاريات وغيرها، مع محاولات مخجلة لتحميل أشباح من المتآمرين مسؤولية انقطاعات الكهرباء وكل إخفاق ينتجه العبث الجاثم على البلاد.


[1] في سنة 2014، تم تغيير آلية تزويد الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالغاز الطبيعي، فأصبحت تتولى شراءه مباشرة من الجزائر بدل المرور عبر الشركة التونسية للأنشطة البترولية «إيتاب»، ما حمّل «الستاغ» أعباء مالية إضافية مرتبطة بتوفير العملة الصعبة وكلفة التزود.

[2] هو المخطط الاستراتيجي الذي أُقر بمقتضى القانون التوجيهي المتعلق بالانتقال الطاقي (القانون عدد 12 لسنة 2015)، ويهدف إلى رفع نسبة إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة من حوالي 3% سنة 2016 إلى 12% سنة 2020 ثم 30% سنة 2030.

[3]الصندوق العالمي للطبيعة – شمال إفريقيا (WWF North Africa) والإدارة العامة للغابات، Termes de Référence – Consultation pour l’élaboration du Plan d’Action National pour la Prévention, la Coordination et l’Intervention Rapide face aux Feux de Forêt en Tunisie، 12 أوت 2026