أخي السلفي التونسي،

أليست سنة السلف الصالح هي المثل الأعلى والخلق الأكرم؟ فحتام وإلام هذا التشويه للإسلام منك ومن رفاقك وكأنكم أعداء له ألداء؟ هل الإسلام إفساد في الأرض أم بناء وإعمار؟ وحتى لو افترضنا صحة للتعريف الخاطيء للجهاد الساري بين صفوفكم على أنه جهاد الأعداء، فأليس الثابت عن السلف الصالح أن الجهاد جهادان أعظمهما وأجلهما قدرا جهاد النفس لقهر نزعاتها نحو الخسيس من الأفعال ونزوعها الدؤوب إلى الوضيع من الأْعمال لما فيها مضرة بالغير ومعرة للإسلام؟

1 – الأصول اليهودية والمسيحية في سلفية اليوم :

إنكم بتصرفاتكم الخرقاء هذه الأيام لا تدافعون عن الإسلام بل تشوهونه؛ وأنتم لا تمشون على هدي السلف الصالح وسنته السمحاء، بل تحاكون الأصول اليهودية والعادات المسيحية كما كانت زمنا طويلا تعادي الحريات واحترام الذات البشرية وقد كرسها الإسلام بلا منازع؛ بل هي تبقى من أبرز سماته ومميزاته!

لقد جاء الإسلام بهدم الأصنام، كل الأصنام، سواء كانت مادية أو معنوية؛ فما هذه الأصنام التي تشيدونها وتقدسون لها؟ إن أصنامكم اليوم في جاهليتكم الجديدة هي صنم المظهر وصنم الغرور بامتلاك الحقيقة وصنم المراءات في ما يسمى بالدفاع المتزمت عن دين لا يمت إلى الإسلام بصلة، وصنم التسلط على أولي الأمر وصنم الإفساد في الأرض والحرابة التي يعاقبها الإسلام أشد عقاب. أفليس المسلم الحق من سلم الناس من يده ولسانه؟ أليس جهاد السلف الصالح الأكبر هو جهاد النفس قبل أي جهاد آخر؟

إن السلفي الحق لا يسمح لنفسه بالاعتداء على الغير وعلى متاعه أيا كانت قيمته ومظهره؛ وكيف يفعل ذلك وقد امتنع من هو أشرف مني ومنك، الخليفة عمر بن الخطاب، من إقامة الحد على شاربي الخمرة لما تفطن أنه لم يعلم ذلك إلا بالتسرق عليهم ليلا وأن ذلك كان منه مخالفة صارخة لمبدأ من أهم مباديء ديننا الحنيف، ألا وهو الحرية الشخصية واحترامها في نطاق ضمان الحياة الخاصة لكل البشر والدفاع عنها !

إن الإسلام دين محبة وإخاء، لا يعترف للمسلم بأعداء إلا من أراد ذلك لنفسه بالتسلط عليه والإضرار به صراحة؛ وها أنتم أولاء تزعمون له الأعداء، بل وأنتم تتمارون لتكونوا أولى طلائع الشر، بينما تزعمون أن ديدنكم هو أن تكونوا طلائع خير! فكيف تحاولون إخماد نور الإسلام الساطع من جديد في هذه البلاد بجهالة تصرفاتكم؟

نعم، هناك من يتقمص شخصكم ويستغل رفضكم لواقع معين ليزيد الطين بلة؛ ولكنكم لهم ردفاء وأعوان إذ أنتم زادهم ووقودهم في التشويه المتعمد لسماحة الإسلام الذي يبقى دين المحبة والتسامح ما بل بحر صوفة. فلو عدتم إلى المفهوم الصحيح للسلفية، لكنتم أول من يحارب هؤلاء الانتهازيين المفسدين في الأرض!

فهل يعقل أن ترفع المسيحية مثل التسامح والحرية، فنراها تدعي تميزها بها، ولا نجد لها أثرا بينكم وأنتم تريديون نصرة الإسلام؟ وأي فرق اليوم بين السلفي المسلم الغيور على دينه وذاك المارق عنه وعن القانون؟ أي إسلام هذا الذي تدعون إليه أو تقبلون به والإسلام سلام وأمان لا حرابة ولا حرب؟ كيف تعملون مع أعداء الإسلام يدا في يد على إجهاض التجربة الرائدة التي هي بصدد النجاح بتونس، تجربة إرساء إسلام نير سمح، عالمي وعلمي، تحترم فيه الذات الإنسانية والحريات جميعها، لأنه دين البشرية قاطبة، خاتم الأديان السماوية ورسالة المحبة الإلاهية لخلقه الذين هم بحاجة دوما لعفوه ورحمته لعظيم خطاياهم وتواترها؛ ومغفرته لهم مضمونة في إسلامنا؟

2 – السلفية وقناع الجاهلية الحديثة :

أخي التونسي السلفي،

أكتب إليك باسم المحبة التي تربطنا، محبة الأخوة الوطنية والأخوة الإسلامية، رغم كل الشائبات التي تعتريها والجرائم المرتكبة باسم الدين الذي يجمعنا دون أن يوحد صفوفنا.

أكتب إليك مستنيرا بهدي رسولنا الأكرم وسنته المجيدة إذ هي تكرس أنبل ما في الإنسان من محبة ونصرة لأخيه، ظالما كان أو مظلوما. فأنت اليوم من الظلمة، وأشد ما في ظلمك النكاية بإخوتك المسلمين وبالدين الذي تدعي الدفاع عنه.

أفعل ذلك بالرغم من الهوة العميقة التي تفصل بعضنا عن بعض، بل ولأجلها أيضا، لأن من مباديء ديننا الحنيف نبذ التباغض ورعاية مشاعر المودة والمحية؛ فكيف نرعى حقوق الله علينا إذا لم نمتحن قدرتنا عليها فنلتمس مدى فاعلية قيمنا مع أبعد الناس عنا، أو بالأحرى من نخالهم أعداء لنا وهم أحباب، على الأقل من زاوية النظر الدينية المبدئية؟

إن قناعني اليوم، وقد كانت نفسها بالأمس وتبقي هي هي غدا رغم الزوابع العاطفية والتشنجات الإيديولوجية والتصرفات الخرقاء، قناعتي هي أن السلفي هو المسلم الحق الغيور على دينه، المتمسك بأعز ما في ديننا الحنيف، ألا وهو روحه الثورية على التقاليد البالية ونزعته الإنسانية التي هي أولا وقبل كل شيء علمية وكونية. هذه قناعتي التي لا تزعزعها البتة تصرفات النوكى السلفيين ممن يحملون قناع الجاهلية الجهلاء دون دراية.

إن السلفي الحق عندي هو ذاك الذي جسده الإمام ابن حنبل في ورعه وعلمه، وبالأخص نبل أخلاقه وعلمية رسالته ونزاهتها، حيث كان لا يبعد عن الحق، فكان حريصا على أن تكون كلمته دوما كلمة السواء التي يراد بها القسطاس، لا كما علمنا تاريخنا في سرعة الانزلاق إلى متاهات وزيف المظاهر مما يحمل بعض أعداء الدين الإسلامي السمح استعمال كلمة الحق باطلا فلا يراد بها إلا الباطل!

كيف تكون سلفيا، أخي، وأنت لا تحترم أخاك المسلم وقد دعاك إلى ذلك شرعك، فأمرك بأن يسلم أخاك من يدك ولسانك؟ نعم، إنك تشكك في إسلامه، بل وتكفره؛ ولكن ما هذه الجرأة الفظيعة والله رحمان رحيم، عفوّ غفور؟ ألا تمنع بذلك إلاهك من إكرام عبده، الظالم لنفسه، بالمغفرة؛ وباب المغفرة في إسلامنا دوما على مصراعيه مفتوحا، أنسيت ذلك أو تناسيته؟

فما هذا الإسلام الدعي الذي نراه في ربوع تونس الجميلة، أرض التسامح والإخاء؟ ما هذه التصرفات منك ومن إخوتك التي هي أقرب إلى تلبيس إبليس منها إلى سماحة الدعوة المحمدية، دعوة المحبة والرحمة؟

منذ متى أمر إسلامنا الاعتداء على من لا يعتدي على المسلم بيده أو بلسانه، وقد حرض على الخلق الحسن وعلى إيثار غض النظر عن الإساءة طالما لم تطل منا السلامة؟ منذ متى أمر الإسلام، دين الحضارة، الإفساد في الأرض وطمس أي معلم ثقافي حتى وإن تجاهر بالمس بالمقدسات، لأن المقدس الحق في ديننا هو المقدس بالقلب والنية الصادقة لا بالشكل والمراءات؛ وهو المقدس بالاحترام والعمل على إعلاء حسنه ونبله وقداسته بالمثل الطيب لا بإضفاء مسحة من الجمود عليه مما تجعله من تلك الأصنام الحديثة التي تكمن قداستها في ظاهرها فيمنع المساس بشكلها وطقوسها.

ثم ما هذه الدعوة الجاهلية التي تجعل الرسول عرضة للتهكم لأجل أبسط البلاهات وتحط من سمو المقدسات الإسلامية فتعرضها لأتفه التصرفات وأخسها؟ هل انحطت قيمة الإسلام إلى هذه الدرجة حتى يمكن الاستخفاف به على النحو الذي نراه لأخس الأسباب؟ وهل يتحدد الإحترام الذي يفرضه شخص النبي بتصرفات البلهاء وترهاتهم؟ ثم متى عارض الإسلام حرية الفنان وعبقرية الشاعر وقد اعترف لهما بهما ودافع عنهما حتى وإن أدى ذلك بهما إلى الغي والغباوة؟

لعمري، إن تصرفكم الأخير ضد حرية الفن لمن أوضع ما تقومون به لتمجيد ديننا ورسوله! إن الإسلام أعلى من أن يدنس مقدساته أي تصرف أحمق؛ وإن الرسول العربي لمن العلو والسمو ما لا يحط من الإحترام الواجب له أي شيء، حتى وإن كان من السباب والشتم، لأن مثل هذا التصرف لا يشين إلا صاحبه ولا أثر البتة له على شخص الرسول ولا على هيبته وسمو قدره. بل إن النبي العربي لأعلى قدرا من أن يحقر أو يهان، فهو يتعالى عن كل تصرف رذيل.

فكل تصرف مرتذل، في ديننا الحنيف، لا يجب أن يجابه إلا بالإزدراء والاحتقار، لأن في مثل رد الفعل هذا عين الحكمة، والإسلام حكمة الله. أما إذا تصرفنا بحمق، فتحمسنا باطلا لقدر الرسول المصون ومقدسات ديننا المحفوظة من طرف الله، فلا نكون إلا أكثر حمقا وأعلى قدرا في النوك ممن ندعي إساءتهم إلى الإسلام، لأن إساءتنا عندها أعظم، إذ هي إساءة لسماحة الإسلام. فمتى كان الإسلام يأبه لإساءات من لا يعلو إلى مقامه ولا يرتفع إلي مستوى رسالته؟ أليس الاحتقار أكبر وقعا علي المحتقر من الوقوع في فخ الإثارة الذي تنصبه كل إهاجة أوتحد من طرفه؟ هل أضر النبي أن قيل له مجنون وشاعر؟ أيضر السحاب نبح الكلاب، إذا جازفت ترضية لكم فقلت معكم أن ما يأتيه خصومكم العلمانيين من نوعية نباح خير رفيق للإنسان؟

أنا لا أشك في أن أخلصكم نية يحلم بأرض تونس لا شر فيها؛ ولكن قولوا لي : متى انعدم الشر من الحياة الدنيا؟ إن بلادنا لا تخلو من الشر كسائر بلاد العالم، بل حتى المدينة في عهد الرسول الأكرم كان فيها من بعض الشطار شر ودعارة! فهلا تكونوا حقا خير خلق لخير سلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمثال الطيب ومكارم الأخلاق لا بالإفساد في الأرض ومحاكاة الظالمي غيرهم وأنفسهم، المتجنين على روح الدين!

لقد علما الرسول الأكرم أن الإسلام في مثل هذه الحالات يقابل الإساءة بالإحتقار على أسوأ تقدير، بل ويعمل جاهدا على الإتيان بالحسنى لبيان الخطأ ولفت الإنتباه إلى ما يجدر الركون إليه، وذلك بالمجادلة وتبادل الرأي والصبر على بلاهة البلهاء حتى يرحمهم الله لبلوغ الصواب إن أراد لهم ذلك.

إن الإسلام لعلو كعبه ونبل رسالته لا يسطر أي خط أحمر لاحترام الناس له، لأن واجب الإحترام لدين مثله كوني وعلمي لهو واجب يفرضه العقل والتصرف الرصين لا بأمر من الحاكم أو بأي سلطة قهرية؛ إذ الإسلام يضمن الحرية كاملة، خاصة في ميدان الإبداع الثقافي الحر، وهو من الميادين التي ترفع من قدر الإنسان الحامل للأمانة الإلاهية.

3 – الإسلام حداثة قبل أوانها :

إن السلفية الحقة هي جماعة فكرية قبل أن تكون عصبة مذهبية أو طائفة حزبية. ورسالتها، وإن علت في قدمها إلى عهد الرسول، متواترة ومستمرة، فلا تزال ظاهرة على الحق إلى قيام الساعة إذا التزمت به واحترمت أصوله وقواعده كما بناها إسلامنا. فالإسلام جاء ثورة عقلية، فكان جديدا وحديثا قبل حداثة الغير (وذلك ما أنعته بالحداثة التراجعية)، وهو يبقي دوما متجددا وثورة بروحه الأزلية؛ بل هو بحق خاتم الأديان في زمن ما بعد الحداثة الذي نحن بصدده.

فما هي الأصول والقواعد التي يفرضها على سلفيي زماننا الذي أظل وتدعو إليها تلك الحقيقة الثابتة؟
باديء ذى بدء، على السلفي اليوم التنصل من المعنى المتعارف عليه للسلفية الذي لا يمت بشيء إلي الصحة حتى عند من ادعى ذلك وتبجح بسلفيته، إذ هو كمن أراد الجمع بين الضب والنون، أي يأتي بالمستحيل في الموافقة بين دواب الصحراء ودواب البحر، ولا يمكن ذلك. فهو يجمع بين نار الجحيم المعدة للمفسدين في الأرض وماء الجنة الزلال الذي لا يرتوي منه إلا المسلم الأمين حقا على دينه المسالم الذي لا إكراه فيه ولا تمييز، إذ الإيمان في الإسلام يأتي عن قناعة وحرية.

فسلفي اليوم يجمع بين ظلالات ترهاته ومناهج غريبة عن الإسلام ذات أصول يهودية ومسيحية؛ ويعظم خطأه بأن يفعل ذلك باسم الإسلام الذي هو منه بريء.

نعم، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها؛ فما الذي أصلح أولها؟ لم يكن إصلاح الإسلام إلا بالثورة على الجمود وجحود آلاء الله في نعمته على عباده بالعقل لأجل الاستنارة به في شؤون هذه الحياة الدنيا على هدي روح الدين ومقاصده لا على التقيد بنصوص أرادها الله فضلى لكونها تقدمية على الدوام، متدرجة في البيان وفي الأخذ بعلوم الآن.

أليس مدلول السلفية كما يقول، في الصفات الإلهية، الشيخ محمد أمان الجامي : »يطلق على طريقة الرعيل الأول ومن يقتدون بهم في تلقي العلم، وطريقة فهمه وبطبيعة الدعوة إليه . فلم يعد إذا محصورا في دور تاريخي معين. بل يجب أن يفهم على أنه مدلول مستمر استمرار الحياة وضرورة انحصار الفرقة الناجية في علماء الحديث والسنة وهم أصحاب هذا المنهج وهي لا تزال باقية إلى يوم القيامة من قوله صلى الله عليه وسلم : {لاتزال طائفة من أمتى منصورين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم}«؟
فهذه الطائفة، بصريح عبارة الرسول، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، لأنها تصبر على الحق وتداوم العمل على إعلاء كلمته بالتي هي أحسن دون إفساد في الأرض. أفليس الصبر على المصائب من أوكد وأسمى صفات المسلم الحق، لا مسلم الزجاج، ذلك الذي يفتخر بلمعان البلور ولا يأبه بما يحتويه مما فسد بداخله ولا بهشاشته إذ يتصدع أو ينكسر لأدنى هزة؟ أهذا إسلامك، أخي السلفي، ونحن اليوم في زمن ما بعد الحداثة، زمن عودة الوعي إلى عظمة خالق هذا الكون، وعصر عودة الروحانيات؛ وديننا من أفضل الممثلين لها؟

إن السلفبين هم أهل الأثر، اتبعوا الكتاب وسنة الرسول وأقوال الصحابة، وقد اتبعوا تلك الأثار بذكاء وفطنة، لا بجهالة، فلم يقتفوا الآثار كآثار، كأصنام وأنصاب لا تُمس ولا تُغير، بل اتبعوها كتشخيص لفكر وعلو مقاصد؛ فإذا تغيرت الظروف واقتضت تعديل الأثر للحفاظ على روحه السنية، كان ذلك جائزا وإلا أصبح الأثر صنما لا نورا يهتدى به.

والنور يتنوع حسب الزمان والمكان، أما الصنم فلا! خذ على ذلك مثلا في ابتداع السلف تحريم العبودية اليوم ولم ينص عليها الأثر؟ أفكان ذلك من باب البدعة أم التمسك بسنة السلف في روحها؟ ذلك هو احترام روح الأثر لا الأثر نفسه؛ ذلك هو حقا التمسك بسنة السلف الصالح والتزام طريقهم!

4 – الإسلام ما بعد الحداثي :

إخوتي السلفيين،

متى استعبدتم الناس بنظرتكم إلى الإسلام وقد جعلهم الإسلام أحرارا، لا يؤمنون به قهرا بل بدافع علمي ووازع منطقي؟ متى كفرتم الناس وقد جعلهم الله مستحقين لرحمته الواسعة بعد محنة الشك وتيه الظلال؟ متى دفعتم بالناس بعضهم ضد بعض وقد جعلهم الله شعوبا وقبائل، مختلفي الرؤى والمشارب ليدفع بعضهم ببعض بحسن الخلق والمثل الطيب للاهتداء بأنفسهم إلى محجة الحق عن قناعة وطواعية. فالإيمان بالحنيفية السمحة هو إيمان دون وجل ولا رهبة، دون تعنيف ولاإكراه!

إني أحلم بالإسلام كدين للبشرية، فهو خاتم الأديان؛ ولا يكون ذلك إلا بإسلام سمح، علمي تأمر نزعته العقلانية بالأخد بروح نصوصه لا بحرفها، فذلك بحق التوحيد الذي هو أولا وقبل كل شيء الاعتراف بقدرة الله العليا في خدمة مصلحة الإنسان حتى وإن غربت على أفهام هؤلاء الذي يدعون الانتماء إليه وهمهم الإساءة والتشويه!

إن الإسلام دين صالح لكل الأزمان؛ وهذا لا يكون إلا بنص جاء في بلاغته ثائرا على وضع شائن، وهو في نفس الوقت متأقلم مع المحيط البشري الذي دعاه للتسليم لله. فهو يبقى أزليا ببقائه متأقلما مع الأوضاع الراهنة للبشرية بالتفعيل الدائم لروح الله التي تتجلى من خلال كلامه.

أفيحق لنا إذا، باسم قدسية الوحي، التمسك بنص كلام الله والتنصل من روحه؟ ألا يعلمنا الإسلام أن الروح، وهي من أمر الله، أعلى شأنا من كل شيء في مخلوقاته؟ فكيف نتجاهل روح الإسلام بدعوى احترام نصه؟

إن السلفي الحق اليوم، ذلك الذي يقدر نضال ابن حنبل في سمو غايته، لهو المسلم الذي يتمسك بروح الإسلام لا بنصه، بظاهر وباطن أهدافه التي تتناغم مع روحه كما تبينها مقاصده، لا بباطل ما ظهر منه فخالف باطنه وأهدر روحه!

إن التونسي اليوم في تونس الإسلام ما بعد الحداثي هو المثال والقدوة للعالم أجمع من أجل دين يكون رحمة وسلامة للعالمين.
فهل أنت بحق ممن يؤمن بالسلفية هذه، أخي، بعد الإنقلاب الشعبي على الطاغوت بتونس؟ أتمنى ذلك رغم ما نسمعه حولك من دعاة العنف، والعنف المعنوي أشد أحيانا من العنف المادي، لأنه يمهد له!

إن الأمر بيدك، أخي! فلا تقطع اليد الأخوية التي تمتد إليك، بل صافحها باسم الأخوة الإسلامية، وإسلامنا تتسع ظلاله لكل النوايا الطيبة حتى وإن اختلفت الرؤى والمشارب والتصرفات؛ فالحرية واحترام الآخر في ذاته البشرية، أيا كانت صفتها، من المباديء الإسلامية التي لا مناص من التقيد بها.

فلتعمل على أن تكون بحق مسلما في تونس بلد الإسلام الما بعد حداثي، الإسلام العلمي والكوني، خاتم الأديان ورسالة المحبة الإلاهية للبشرية جمعاء، يغمرها برحمة الله الواسعة؛ وهو الغفور الرحيم!

أما إن تجاهلت روح الإسلام، فواصلت أنت ومن شايعك العمل باسم الدين على تشويه رسالته والإضرار به، فلن تفلحوا إلا في المروق عن هذا الدين، إذ عملكم لهو مما تثلج له صدور أعداء الإسلام؛ فأنتم بتصرفكم الأخرق في الإفساد في الأرض مجرد بيادق بأيديهم تنفذ مخططاتهم الرامية إلى شيطنة الإسلام وتقويض حضارته. أفلا تفقهون؟

ها أنذا، أخي السلفي، في هذه الرسالة إليك، فتحت لك قلبي وصارحتك بما يختلج فيه. فهل من تصرف مماثل من طرفك، إذ المسلم، كما علمنا سيد الآنام، هو الذي يرد التحية بخير منها؟ فهلا تحية أحسن من لدنك؟

إني لا أريد الشك في ذلك إلا إذا لم تكن بحق سلفيا ولا كنت تونسيا؛ وأنا أنأى بك عن هذا وذاك، لأن السلفي الحق في تونس ما بعد الحداثة هو المتمسك بالعروة الوثقي؛ وهي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، روح الدين الإسلامي!

أخي السلفي الغيور حقا على دينه،

هل لي، في الختام، أن أوصيك وصية تحفظ بها دينك ودنياك؟

التزم الجادة، وإياك وبنيات الطريق، فإنها الظلالة الحقة! إياك أن تدخل في أعمال التخريب الحزبية وظلمات التكفير الجاهلية فتهلك! إني أعيذك بالله أن تقع في حبائل من همه إخماد نور الإسلام أو تسمع لقيلهم، وهو قول زور! عليك بالأمر الحق الذي رضيه السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان والأئمة الأخيار، وهو نصرة الإسلام في سماحته ودعم روحه النيرة ونزعته العلمية والكونية، واحترامه التام للذات البشرية وحقها في الرحمة الإلاهية أيا كان ذنبها، فإنه سبيل الحق!

وإياك إياك التجاهل أن رأفة الله بعباده، كل عباده، هي مثل كلماته، فلو كان البحر المحيط مدادا لها لنفذ البحر قبل أن تنفذ رحمة ربنا الرحمان الرحيم!