بقلم محمّد فراس العرفاوي،

عشت لمدّة وجيزة، في ذهول و تعجّب شديدين من التّطوّرات الأخيرة في تونس. و أعتقد أنّ عددا كبيرا من مواطنيّ كذلك كانوا أو هم أشدّ ذهولا منّي. فقد مرّ علينا يومان غريبان عجيبان: تسرّب الباك على الفايسبوك و صار مشاعا،كاد بل قل أصبح معرض العبدليّة (أو الصّور التّي تقول نقابة التّشكيليّن أنّها إفتراء عليهم) مذبحة للمقدّسات الإسلاميّة القريبة إلى حدّ التماهي و التّمازج مع وجداننا و هويّتنا الجماعيّة ثمّ خرجت الحشود نصرة للرّسول جهادا بالكلمة، أي بمسيرات سلميّة، و أخرى قاطعة للطّرق و الأرزاق، ثمّ رأينا و سمعنا عن بوليس يحرق “نصبة” و سلفيّ يقتل و رجل يضرب… و كأنّ هذان اليومان دهر أنجبا من الأحداث العظام ما لا يحتمله المساير للنّسق العام قبلهما بلحظة.

كنت أردت أن أنزّل كلّ تلك العواطف الجيّاشة ورقتي و لكّني لم أعرف ماذا أقول. أمّا الآن، و ظاهر الأمر أنّ “الفتنة” أدبرت أو هي تكاد و قد بدأت الغيوم تنقشع و سكنت الجهالة، فإنّ تنزيل الوقائع في إطارها العامّ أي إطارها الثّوريّ و تشخيص خطئ القوى المحسوبة على الثّورة، أي نحن، و من ثمّ تقديم البديل المتصوّر هو الأمر المناسب و المستعجل. في ما يلي سأحاول، و التّوفيق على الله، بسط أمّهات الأخطاء المعطّلة للمسار الثّوري ثمّ سأتقدّم بمقترح أرى أنّه كفيل بإحداث نقلة نوعيّة و لا أرى الأمر يستقيم إلّا به أو ما شابهه:

إنّ معطّلات التقدّم الثوريّ التونسيّ يمكن أن تنزّل في ثلاث أبواب كبرى: الأوّل يتعلّق بالمستوى المتدنّي للتنظّم الجماهيري الثّوري إبّان الثّورة. فالجماهير إستكانت مبكّرا و غادرت مواقع الثّوة و ثغورها فور بلوغ خبر هروب بن علي. مكّنت هذه الإستكانة من الإنحراف بالفعل الجماهيري نحو الإستقطاب الثّنائي الإسلامو-علماني.

أمّا الباب الثّاني فهو التوقّف عن التّطهير الشّعبي للمؤسّسات الذّي إتّخذ شكل الدّيقاج و الذّي تمّ تسويفه و استغلال قصر نفسه ذّاتيّ.
أمّا الباب الأخير فهو طابع الحكومة المنتخبة و خصوصا حركة النّهضة في إدارة الشّأن الثّوري و أسلوب الإصلاح النّاعم. يقول المناصرون أنّه توخّ للحذر و الحيطة بينما يراه آخرون براغماتيّة زائدة ولكنّ الثّابت هو أنّ النّهج العامّ يوحي بمسار إصلاحيّ أساسا و ليس ثوريّا بالمعنى المتعارف.

و إنّ هذه النّواقص هي في قلب الإضطرابات التّي تشهدها البلاد من فينة إلى أخرى (و منها الإضطرابات الأخيرة) إمّا بصفة مباشرة أو غير مباشرة. فأعداء الثّورة، و هم المتنفّذون و أصحاب الأموال و رجال الأمن المستفيدون من منوال الدّولة البوليسيّة لم يختفوا و لم توجّه لهم ضربات كافية لتقصم قدرتهم على العبث. أفيصّدق عاقل أنّ من كان يعذّب النّاس في أقبية الدّاخليّة و من كان يتقاضى أجره ثروات طائلة على فساده و من كان يسنتجد به النّاس و يوقّرونه من معتمدين و إداريّين و غيرهم كثير، يكفّون أيديهم عن البلاد و العباد لمجرّد أن فلان أو علّان منهجه “تصالحي”؟لا، بل هم يأسفون و يخافون على مصالحهم أن تهدّد و سيعملون على إفشال كلّ توجّه نحو الحريّة و العدالة و الكرامة: هم قوى الردّة سيعملون على إفشال الثّورة. فكيف لنا أن نجبر مواطن الضّعف في ثورتنا و أن نسدّ عليهم منافذ الإفساد و الفتنة؟ هنا يجب أن يتركّز جهدنا و أن تكون أولويّتنا، للأنّنا لو تركناها (و هو الحاصل نوعا ما الآن) فلن يتركوننا و شأننا و كلّنا رأينا قدرتهم على إفساد كلّ الخطوات الإيجابيّة باختلاق الفتن و إرجاع عقارب النموّ إلى الوراء إن تقدّمت.

إنّ أداة الثّورات الأولى و اللّازمة و المستعجلة هي جهازها التّنفيذيّ الذّي يمكّنها من إنزال برامجها أرض الواقع. أعني بذلك جهازا أمنيّا ثوريّا جديدا. فالوزراء و النّواب حتّى و إن أفرزتهم الصّناديق و الإرادة الشعبية لا يسعهم أن يطبّقوا قراراتهم بأيديهم، بل هم الموظّفون و البوليس خصوصا يفعلون. فكيف بنا أن نترك هذا الجهاز الحيوي على شكل يشبه شكله الدّيكتاتوريّ بتجميلات و تحويرات ثمّ نتصوّر أنّ الأمن متحقّق للثّورة؟ ليس إعفاء أو سجن ضابطين أو حتّى مئتا ضابط بكفيل بجعل الجهاز اللأوّل في نظام بن علي جهازا يؤتمن جانبه على تحقيق إصلاح فساد كان هو أوّل الضّالعين به و حاشى الأمناء على شعبهم من الأمنيّين.

الحلّ إذا هو المواصلة في النّهج الإصلاحيّ مع إنشاء جهاز أمن جديد خاص بالثّورة. جهاز يكون بعض أعضائه من أكفئ أكفّاء نخبة البوليس العادي المؤتمن جانبهم، وسواده الأعضم من الشّباب المنضمّين حديثا إلى أسلاك الأمن المختلفة و اللذّين لم تكن للآلة الفساد عليهم صولة بعد. هذه التّركيبة و المهمّة المنوطة بهم ستمكّن، داخل سلك الأمن نفسه، من تغيير سلس و لكنّه حاسم. فبعد تجهيزه تجهيزا كاملا، يتواصل تطعيمه بالعناصر و إسناد المهامّ إليه تدريجيّا (كالتدخّل مثلا و غيرها). شيئا فشيئا سنتمكّن من عزل الأجهزة الفاسدة التّي ستجد نفسها بعيدة عن المواقع الحسّاسة و يمكن وقتها فقط محاسبة الفاسدين و الحديث عن أمن ضامن للحريّة و الثّورة حقيقة.

جهاز كهذا، سمّه إن شت “درع الثّورة” سيكون خير أداة للإصلاح الجريء و الثّوريّ للأمن كما بيّن و طريقا لتطبيق قانون حقيقي و فعّال للقصاص من النّظام السّابق و أعداء الثّورة خارج سلك الأمن. فرأس جبل الفساد تمّ كشفه، لكنّ كثيرا من أصحاب النّفوذ و المموّلين للردّة و الثّورة المضادّة لا يزالون فاعلين (و هو ما تبرهنه الأحداث كلّ مرّة) و الحكومة نفسها تقرّ بوجود “تسيّس” آثم داخل سلك الأمن.

إنّ تحقيق العدالة الكاملة هو الطّريقة الوحيدة الكفيلة بإعادة كرامة هذا الشّعب و حقوقه و بتحقيق نقلة حقيقيّة و قطع كامل مع أسباب الدّيكتاتوريّة و الفساد السّابقين. و لنا في تاريخ جلّ الثّورات النّاجحة و التّي أفرزت الدّيمقراطيّات العتيّة التّي يستشهد بها أسوة و مثال.

معا من أجل جهاز أمن جديد و ثوريّ. معا من أجل قطع دابر الفساد.