crédit photo: radio-canada.ca

هل يعقل أن تتواصل معاناة عائلات هؤلاء المفقودين دون أن يتحرك سياسيو تونس في اتجاه مطالبهم المشروعة وخاصة منهم طاقمها الديبلوماسي؟ فكأن الوقائع المعنية من حقب التاريخ الماضية، وكأن مكانها المريخ وكأن بلدنا ينعدم من الإمكانات البشرية في ممثلياته خارج الوطن، وخاصة بإيطاليا وأوربا، ما يمكنه من حل مثل هذا اللغز الغريب! فهل القضية حقا بلغز يصعب فك رموزه؟ لا، بتاتا، إذا لم تنعدم الرغبة في ذلك. فهل كان حقا من الصعب تخصيص فريق من العاملين في الحقل الإجتماعي من ممثلياتنا الديبلوماسية والقنصلية للبحث بجدية في الأمر وشفاء غليل هذه العائلات المحروقة الكبد؟

إن الحقيقة واضحة كعين الشمس في ربيعة النهار، وهي انعدام العزيمة الصادقة من طرف السلط التونسية. أما هل مثل هذا التلكأ من محض إرادتها أم هو لأجل ضغوط صادرة عن الجانب الإيطالي أو الأوربي؟ فذلك لا يهم. لأن الأهم دوام هذا المشكل إلى اليوم وضرورة الإسراع بحله، فهو وصمة عار في جبين تونس وبخاصة ديبلوماسيتها.

لقد حاول الوزير الأول الأسبق الباجي قائد السبسي التنصل من مسؤولياته بأن قال ما مفاده أن هؤلاء المفقودين خرقوا القانون وغامروا بحياتهم وأن لا مسؤولية لحكومته في ذلك. وكنا ننتظر من الحكومة الموالية أن تسعى مسعى آخر، فإذا بها تنتهج نفس السبيل! فهل هذا من المسؤولية السياسية في شيء؟ بل هل تسمح بمثل هذا التصرف الأخلاق الإسلامية التي يستقي الحزب الحاكم مرجعيته منها؟

أليس من فُقد من أبناء الوطن؟ أليس لأهاليهم الحق المشروع لمعرفة مصيرهم أيا كان هذا المصير؟ هل يصعب ذلك على فرقة تتخصص بجدية في تقصي الحقائق، كل الحقائق، تكونها خصيصا وزارة الخارجية وتؤهلها للعمل الجاد بأن تمكنها بكل الوسائل المادية والأدبية؟

وهل من الصعب، في العاجل، الاستجابة لمطالب العائلات في مدها بكل ما حصل لدى السلط التونسية من معلومات، أيا كانت تلك المعلومات، خاصة ما تعلق بالبصمات، وهي موجودة، وبالقوائم الإسمية، وهي أيضا متوفرة أو يمكن توفرها؟

وهل يستحيل مطالبة شركات الإستغلال الهاتفية بمد السلط المعنية بكشف كامل وشاف في كل المكالمات التي من شأنها أن تكون صدرت عن هؤلاء المفقودين عوض ترك الأمر للقضاء لما في ذلك من تعقيدات وضياع وقت ثمين؟

وأليس التقدم إلى الأجهزة الإعلامية التلفزية بطلب من نفس القبيل بالممكن والضروري؟ فهومن شأنه المساعدة بجدية على تقدم الأبحاث وشفاء النزر القليل على الأقل من غليل العائلات المنكوبة.

إن الأمر ليس بالهين؛ فوصمة العار التي على جبين الديبلوماسية التونسية اليوم لكبيرة! بل هي وصمة عار على جبين كل ساستا إذ يقبلون بالأمر الواقع ولا يحركون ساكنا في اتجاه من نكبه الدهر.

فبالإضافة إلى وزارة الخارجية، هناك أيضا وزارة الشؤون الإجتماعية وبخاصة كتابة الدولة للهجرة. فهذه الكتابة لها في ديوان التونسيين بالخارج الجهاز القادر على الإتيان بالجديد نظرا لما يمتاز به من إمكانيات مادية جمة. ولكن أين تراه يستعملها؟ في تمويل تظاهرات لا شك أنها من الأهمية بمكان، ولكنها لا تعوض بحال من الأحوال ما تنتظره مثل هذه العائلات، خاصة وأنه لا مراء في أولوية قضيتها على سائر الأولويات.

إن تلكأ وزارة الخارجية وكل الحكومة من ورائها في مثل هذا الأمر ليعد من الإخلالات الكبّار، تلك التي عواقبها وخيمة على المستوى السياسي، لا لما فيه من إخلال بمصالح المواطنين فقط، بل وأيضا للقدر الهام الذي يحتويه من الاستهتار بقيم أخلاقية أساسية تقتضي المسارعة بمد يد العون للملهوف.

إن أول شرط يلتزم به السياسي اليوم للنجاح في مهمته هو محاولة قدر المستطاع النزول من عليائه المزعوم إلى مستوى كل من تقدم إليه بطلب، فيجعله طلبه الخصوصي، وذلك على الأقل من باب تفعيل مثلنا الشعبي المشهور
«ما يحس الجمرة إلا اللي يعفس عليها»!

فهلا أحست حكومتنا اليوم بالجمرة وسارعت بإغاثة هذه العائلات الملهوفة في الرد جديا وبسرعة على مطالبها المشروعة؟

إن الحلول بيدها وهي عديدة ومتنوعة؛ ويكفيها أن تبدأ بتكليف أشخاص أكفاء ومستقلين بالملف ومدهم بجميع الوسائل الضرورية للتنسيق مع العائلات والجمعيات المعنية من المجتمع المدني بتونس وإيطاليا، بل وأيضا بفرنسا وسائر البلاد الأوربية، لرفع كل ما يشوب هذا الملف من تعتيم وتمكين عائلات المفقودين من حقها المشروع في معرفة مصير أبنائها.

فإن لم تفعل ذلك من أجل هذه العائلات، فلتفعله من باب واجبها السياسي، إذ مسؤولية السياسي الحاكم رعاية مصالح كل تونسي، وبخاصة من كان في الضائقة والبائقة.

وإلا، فحذار، فإن بين رماد مثل هذه القضايا المحزنة وميض جمر لا بد أن يكون له يوما ضرام !