لعله من المفارقات الغريبة، وهي مضحكة مبكية في الآن نفسه، أن نرى البعض من المسلمين الغيورين على دينهم — إذ نحن لا نشك في أن المنتمين إلى حزب التحرير منهم — من يقوم بعمل سياسي من أهدافه الأساسية، إن لم يكن هدفه الأساسي الأوحد، ذاك الخُلف المتعلق بالخلافة وقد تغلغل في الأدمغة الإسلامية بفعل جاهل بحقيقة ديننا وتاريخنا أو بعمل من لم يكن يريد الخير للإسلام!
ففكرة الخلافة الإسلامية لمن لا يعرف الدين الإسلامي على حقيقته خُلف إذ هي تناقض ومعارضة، وقد عمل أعداء الإسلام على فرضها على الواقع الإسلامي بإسقاطها عليه إسقاطا.

إن الخلافة الوحيدة والمشروعة في الإسلام هي خلافة الرسول الأكرم، ولم يكن هناك إلا الخليفة الراشد الأول، الرائد والخليفة الأوحد. أما الخليفة الثاني، فقد بين صراحة وبما لا يتطلب التدليل عليه، أنه لم يكن خليفة لخليفة رسول الله بقدر ما كان أميرا للمؤمنين، فكان مسماه الرسمي أو لقبه التشريفاتي، كما نقول اليوم، هو : «عبد الله أمير المؤمنين».
ولا شك أن ذلك يؤكد على ما كان منه من فصل واضح بين سلطته المدنية كرئيس دولة باتت قائمة الذات وما كان له من سلطة دينية هي في الحقيقة والأصل من شأن عموم المسلمين وأهل الحل والعقد والمشورة ببلاد الإسلام كلها لا فقط بمنطقة النفوذ السياسي.

فالإسلام، وإن فرضت السياسة أن يكون له رجال حكم وتسيّس، لا يرى أن يكون هؤلاء رجال دين، أو رجال الدين لوحدهم، بل هم لا يمثلون الدين في شيء إذا لم يسهروا في القيام بذلك على التشارك والتشاور مع علماء الدين وفقهائه، وإلا انتفى العنصر الأساسي للدين الإسلامي الذي هو الشورى! ولعل محاولة عمر الثاني كانت أكبر الدليل على ذلك في العمل على العودة إلى سنة جده أمير المؤمنين الأول، فكان أن أجهضتها سريعا السياسة ومصالح رجالها الضيقة.

نعم، تاريخيا، هناك خليفة لرسول الله اتحدت في شخصه السلطة الدينية والسلطة السياسية، ولكن كان ذلك بسبب حالة استثنائية أوجدتها ظروف سياسية خاصة، هي الخطر المحدق بكيان الدولة الإسلامية وذاتيتها.

أما بعد أن استقر الوضع مع ما اصطلح على تسميته الخليفة الثاني الذي كان في الحقيقة الأول من أمراء المؤمنين، فقد بات من مصلحة الدولة الجديدة التفريق بين سلطاتها، وكان ذلك من عبقرية عمر وفطنته، إذ كان في هذا التوجه السياسي السليم حداثيا قبل الحداثة الغربية. وذلك مما يحدوني بالكلام عن حداثة الإسلام التراجعية والقول بأن الإسلام ليس بإمكانه اليوم، وقد كان بعد حديثا، إلا أن يكون مثال الدين ما بعد الحديث!

وقد كان أمير المؤمنين عمر حريصا شديد الحرص على ذلك التفريق بين السلط، فتقمص دوره كسلطة سياسية كأحسن ما يكون مع الاحترام التام لاستقلالية السلطة الدينية، وهذا يتجلى من خلال عودته الدائمة إلى الصحابة وسؤاله المستمر لأهل الشورى.
وطبعا كان الحال أيضا نفسه في حياة الرسول حيث لم تكن سنة عمر إلا الاهتداء بسنة الرسول الأكرم؛ حيث اتحدت في شخص النبي العربي السياسة والدين استثنائيا لما لشخصية الرسول من ميزات خاصة لا يشك فيها أحد، ونظرا لعدم قيام دولة إسلامية بعد بأتم معنى الكلمة.

أما أن نعتبر حكم أمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي خلافة، فذلك من باب ما جرت عليه عادة خاطئة فرضتها التراكمات والإسقاطات، وهي كثيرة في تاريخنا، وجلها إن لم تكن كلها غريبة عن ديننا وفهمه الصحيح، أتت إليه أساسا من الخارج. فالخليفة الراشد الثالث، ومثله مثل الخليفة الرابع، لم يكن في الحقيقة يرتضي لنفسه إلا لقب الأمير لعامة المؤمنين اهتداء بسنة عمر.

أما تاريخ التأسيس الحقيقي للخلافة الإسلامية، فقد كان مع معاوية الذي كان بحق الخليفة الأول في الدولة الأموية، إذ مهد لهذه التسمية، وإن اكتفي في البداية باللقب الرسمي للأمير. مع الإشارة إلى أن الخلافة أصبحت عندها لا خلافة لرسول الله، بل خلافة الله في الأرض! هكذا، وكأن لم يكن لهذه الأمة رسول!!!

فمن باب رغبته في فرض سلطته مع العمل على تركيز سلالته في الحكم، عمل معاوية الأول — ثم سار على هديه المقنن الرسمي لفكر السلالة الأموية، عبد الملك بن مروان — على العودة إلى تعبير الخلافة والتشريع لكونها خلافة لله لا لخلفاء رسول الله.
وقد كانت تلك النظرة الأموية للخلافة أساسا لحكمها، ذلك الحكم العضوض الذي لم يكن له أن يتولى أمر المسلمين البتة لو وقع العمل بأحكام الدين الحقيقية كما حاول مخالفو الأمويين، من الشراة مثلا، التدليل عليه بقوة السيف، مستلهمين أحقيتهم في الجهاد من النزعة الديمقراطة للإسلام. ولا غرو أنهم غالوا في ذلك كأمثالهم من الجهاديين اليوم، هؤلاء الذين يقلبون الدين على رأسه، إذ يلتزمون أي التزام بالجهاد الأصغر ويتجاهلون ويتناسون الجهاد الأكبر وهو أعظم شأنا!

ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أن عبد الله بن الزبير، عندما نازع الأمويين السلطة واستقر بمكة، لم يدّع كذلك الخلافة، بل التزم بسنة سلفه الصالح عمر. وكيف لا يكون ذلك وقد كانت دعوته صراحة العودة إلى نقاء الإسلام؟

فالخلافة إذن ليست من الإسلام في شيء، بل هي من الإسقاطات عليه. وقد بيّنا السبب الذي حدا بالدولة الأموية إلى تبنيّها، كما فعل بعدها خلفاء بني العباس؛ وقد كانت هذه الخلافة الأخيرة من نفس نمط الأسرة الحاكمة التي سبقتها، إلا في الاعتماد المفرط على غير العرب لتركيز شوكتها، حتى أنه يُروى عن المؤسس الأول دعوته إلى عدم التردد في قتل كل من تكلم العربية لخوفه من أن يخرج الحق من فمه. فكان سفاحا بحق لأعدائه، وخاصة العرب المسلمين منهم، لا لشيء إلا لكونهم كانوا، أولا، عماد الدولة السابقة وكانوا، ثانيا، يفقهون دينهم مما شأنه ولا شك معارضة طموحات بني العباس السياسية باسم الدين. والحال هو نفسه اليوم عند بعض الساسة؛ فلا جديد تحت الشمس!

لقد عزفت الدولة العباسية كسابقتها عن الدين الأصيل بتوظيف الخلافة للأغراض السياسية واستغلال الدين لمصالحها الدنيوية. وكان ذلك واضحا لكل من جاهد الحكم العضوض في الإسلام مثل الخوارج، وما تمسك واحد من زعمائهم بلقب خليفة، فكانوا أمراء للمسلمين المؤمنين.
إن الخلافة في مفهومها الديني الحقيقي لهي خلافة الإنسان لله في الأرض. ولعله من الممكن لنا القول دون إجحاف بأن هذه الخلافة هي من باب الأحكام العينية؛ فكل مسلم مؤمن هو خليفة الله في أرضه وذلك بعمله وحسن خَلقه وخُلُقه وتمسكه بأحكام دينه في روحها السنية. فهو يُصلح ولا يُفسد، ويُقيم الدين بالمثل الأعلى ومكارم الأخلاق التي جاء الرسول الأعظم لتتمتها، ويكون ذلك دوما بالتي هي أحسن.

والتي هي أحسن اليوم تكمن في التسامح واحترام حريات الآخر، كل حرياته ومشاربه، لأن الدين الإسلامي حرية وسلام! ذلك أن الله وهب الإنسان ملكة العقل التي تمكّنه من التمييز بين الخير والشر، سواء بنفسه أو بالاقتداء بمثل غيره ممن له تجربة جادة في الحياة أكبر. ولا شك أن هذا هو الذي أهّله لتحمل الأمانة، بما فيها أمانة الله على محبة خلقه، كل خلقه.

فرسول الإسلام، وهو سيد الناس في العالمين، أول خليفة لله؛ وكل مسلم عارف بدينه، بار بتعاليمه وسنة رسوله، هو خليفة رسول الله في دينه بالقيام بإعلاء شأنه والعمل على احترام روحه النيرة، فيحرص على أن يكون الإسلام ديننا الأزلي الصالح لكل زمان ومكان. فلا مرجعية البتة لحوزة علمية معصومة ولا لكنيسة عَقَدية في دين الإسلام! ولا شك أنه من المفيد التذكير هنا بأن أصحاب المذاهب الإسلامية كانوا يعتبرون مذاهبهم مجرد اجتهادات يمكن للمرء فيها الإصابة كما يمكنه الخطأ؛ ويبقى الباب مفتوحا على مصراعيه لكل مجتهد عرف دينه وخلصت نيته. فلا واسطة بين المسلم وربه ولا وساطة ولا وصاية!

وبعد، فإن الخلافة هي أيضا، لغويا لمن عرف لغته العربية، الإمارة؛ وهذه تعني الحكم؛ ولا خاصية دينية لخلافة هي إمارة وسلطان. وقد حاول البعض تبرير المفهوم المغلوط للخلافة، كما يفعل ذلك حزب التحرير اليوم، بأن قال، وقد رُوي ذلك عن الزجاج، عالم النحو واللغة المشهور وصاحب معاني القرآن، أنه جائز أن يقال للأئمة خلفاء الله في أرضه بقوله عز وجل : «يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض» (سورة ص، الآية 26)؛ كما قال غيره : الخليفة هو السلطان الأعظم.

فيا حزب التحرير، أعيذك بالله، أرشدنا وقد أشكل الأمر وأنت تسعى بالبلاد التونسية لإعادة سنة من جار على الإسلام : هل هي إسلامية بحق الخلافة الأموية أو العباسة أو الفاطمية؟ وهل كان بحق مسلما، حسب المفهوم الصحيح للإسلام، الخليفة معاوية الأول أو أحد خلفاء بني العباس أو خلفاء القاهرة؟ ولن أحرجك بالسؤال عن سلالة الخلفاء الأتراك!

أفلا نتّعد بالتاريخ؟ فأمراء الأندلس لم يستعملوا اللقب الذي تبغون إحياءه إلا زمن عبد الرحمان الثالث الذي هو ولا شك زمن الذروة لحكمهم ولكن، في الوقت نفسه، كان له بداية النهاية!
ثم، لما أحيا بنو عثمان الخلافة باستحواذهم عليها ببابهم العالي، هل كان ذلك لأعلاء الدين أو لتمجيد ذاتهم والتسلط على رقاب المسلمين بهاته الوسيلة؟

إن التاريخ يبين لنا أن الذي ألغى حقيقة الخلافة ليس مصطفى كمال أتاتورك سنة 1924، فقد ألغت نفسها بنفسها من قبل منذ أمد طويل! لقد كانت الخلافة ولازالت منذ نهاية العهد الراشدي، وحتى قبله مع انقضاء عهد عمر والسنوات الأولى الست لحكم عثمان، مجرد مسمى لا مغزى ديني له ولا هدف إلا دعم السلطة السياسية باسم الدين؛ بينما الأصل أن الدين والسياسة شيء واحد. لذلك اندثرت في عيون المسلمين الحقيقيين؛ ولو لم تكن المطامع السياسة لما عاد لها أثر بعد اندثار العين.

بل إذا كان من الضروري، في العلاقة بين الدين والسياسة، أن يدعم الواحد الآخر، فالأولى والأحرى أن يكون ذلك من السياسة للدين لا من الدين للسياسة، لأن السياسة من كسب الإنسان واجتهاده، وقد أكد الله على ذلك، ولها أن تعمل لأن يكون الدين في بعديه الأساسيين، أي علميته وكونيته، الدين الأزلي للبشرية جمعاء. وهذا لا يكون إلا بسياسة محنكة، فطنة، تكون فهمت الدين على حقيقته فلا تتلاعب بروحه المقدسة.
ويبقى أن نشير، في الختام، من باب النزاهة العلمية، ما يراه البعض من أن التاريخ لا يقر بداهة أن خليفة رسول الله الأوحد اتخذ حقيقة و فعلا هذا المسمّى!

ولعله أيضا من المفيد الإلماع إلى أنه، عندما اندثرت الخلافة الإسلامية المزعومة بعد غزو المغول، لم يكن يخطر ببال من ابتغى إحياء هذه المؤسسة التوشح بلقبها أو أنه لم يفعل ذلك بالاكتفاء بمجرد ذلك اللقب لعدم الاجزاء للغرض المراد. فالموحدون تسموا باسم أمير المومنين؛ واستعمله الحفصيون مع إضافة لقب الخليفة، فكان زعيمهم الخليفة أمير المؤمنين في نفس الوقت، وذلك إن لم يكن من الحشو والإطناب، فهو لعدم كفاية الحرف الأول لإيراد المعنى الذي لا يستقيم إلا بالثاني، فهو له صفة لا نعتا.
ثم إن الظاهر بيبرس، وهو من المماليك، أي ممن استحوذ على الحكم خلافا لما يقره الشرع الإسلامي، فقد أحيا الخلافة لأسباب سياسية؛ وقد انتهى أمر آخر هؤلاء الخلفاء المزعومين من بني العباس بسجن الآستنة عندما تسلط على اللقب السلطان العثماني سليم الأول، مما يدل مرة أخرى على أن الخلافة في التاريخ الإسلامي ظلت مجرد لقب سلطنة في غير موضعها؛ والكل يعلم ولا شك أن مثل هذه الألقاب هي كالقط يروي انتفاخا صولة الأسد!

وأخيرا وليس بآخر، لنتعظ بجارنا المغربي حيث لا ادعاء لخلافة إسلامية مع تمسك الملك وسلالته بلقب أمير المؤمنين إضافة إلى الأصول الشريفية. فإن كان حقا للقب القيمة والبعد في الدين، فهل كانت تخفى على جلالة ملك البلاد الشقيقة وهل كان يتركها والحال أنه رسميا أولى من غيره بها وللذب عنها؟

فلنعلو عن الخُلف ولنعمل حقا على خدمة الإسلام بواقعية وصدق مع التمسك بتعاليمه الحقة لا بالشعارات الجوفاء!
وكفانا، بتونسنا الجديدة، سياسة التلاعب بالدين التي عهدناها من النظام السابق، يا حزب التحرير، وأنتم تنادون بالعودة إلى الإسلام الحق، إسلام السلف الصالح؛ فليست الخلافة من سنته الحقة؛ فاعتبروا هدانا الله وإياكم إلى محجته النيرة!