Crédit photo: lexpress.fr

لقد سبقت الثورة الثوار . في البداية كان الشعب يسير معها- اي الثورة – فقد كانت صنيعة يديه والدم الذي يسري في عروقه ، وكان نبضها من نبض قلبه الذي ضاق بالظلم والقهر والفقر. لكن قدر الله كان اكبر من حسابات البشر ومنطق التاريخ .

فر المخلوع وتداعت دولة الباطل .وسلم الشعب امر الثورة الى محترفي السياسة المناضلين المعارضين المضطهدين المغلوبين على امرهم ، وعوض ان يذوبوا في الثورة ويتولوا قيادتها استحضروا حساباتهم وخلافاتهم وتناقضاتهم فتنازعوا في امرهم ،وانشغلوا بترتيب دواخل احزابهم المنهكة المعدمة كي يستعدوا للفوز في السباق الديمقراطي الموشح بالمكيدة وقلة الثقة ، وعزموا فقط على القبول بالنصر لاحزابهم وعقائدهم ولا شيء غير النصر…لقد سيطر الخوف والأنانية على مسار الاحزاب وانصارهم وطغت عقلية الغنيمة من ثورة لم ينتظرها احد ولم يقدها احد . لقد كانت هبة الله عبر هبة شعبية قالت لا للظلم والهوان.

لقد اقترن هذا المسارالثوري بالفرص الضائعة التي عكست فقر النخبة السياسية وعدم رشدها، وعجزها عن الوعي بلحظة تاريخية فارقة تدخلهم في حركة التاريخ وتوفر لهم فرص البناء الحقيقي. وفي ما يلي نعرض بعض عناوين هذه الفرص المهدورة والتي لا تعدوا ان تعدو ان تكون الا جزءا يسيرا من عثرات المسيرة التي لم يحسم امرها بعد وما زال فيها امل التدارك قائما لو توفر الوعي الحقيقي لدى النخب السياسية التي لا تزال تائهة وتخبط خبط عشواء.
ولعلنا نكون قد تعمدنا التركيز على الهنات والعثرات دون ذكر الكثير من المكاسب والامتيازات بغاية التصحيح والتعديل كاولوية مستعجلة وضرورية للانقاذ :

1 – الفرصة الاولى الضائعة حدثت قبل 14 جانفي عندما بدأت تتجلى بوضوح عجز عصابة بن علي عن مواجهة الانتفاضة الشعبية حيث تجلت بوادر النهاية ولاحت تباشير فجر جديد. في تلك الايام الحاسمة بدت مظاهر تفكك ائتلاف 18 اكتوبر الذي كان صرحا نضاليا نادرا توحدت خلاله المعارضة التونسية الحقيقية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. في تلك اللحظات الدقيقة ولى بعضهم الادبار وسعى الى قبول مبادرة بن علي في تشكيل حكومة وحدة وطنية ربما كانت ستكون بقيادة احمد نجيب الشابي وبذلك يتم انقاذ نظام بن علي.

2– ولعله من الاكيد انه من الدرر الضائعة فعلا عدم استغلال التنظم التلقائي الشعبي لحماية الثورة فقد هب الشباب والكهول لحملية الاحياء والمرافق العامة والخاصة بشكل رائع . وعوض ان يتم البناء على ركيزة هذه الروح الواعية المبدعة ، سعى الساسة والمتأدلجون الى الاستحواذ عليها فسرى صراع اديولوجي حزبي من اجل افتكاكها وتوظيفها . لقد كان بالامكان الانطلاق في تشييد نمط مسؤول للمشاركة المحلية والحكم المحلي الداعم لوحدة الصف والواقي من الانزلاقات وغياب المشاركة المحلية والتعويل على المركز في قيادة الثورة والتكفل بحراسة المسار الانتقالي فتم اخراج الشعب من اللعبة وتكريس مركزية تتعارض مع ابسط قواعد الديمقراطية.

– بمجرد فرار بن علي عاد كل حزب الى حانوته واسترجع مكامن خلافه مع الاخرين وتم الاعلان ضمنيا على وفاة جبهة 18 اكتوبر في الوقت الذي كانت فيه البلاد في اشد الحاجة لاستمرارها في ظرف دقيق يكون فيه التوافق الملجأ الوحيد لمواجهة فلول النظام وانيابه ومكائده بعد هروب بن علي.لقد كانت تبدو في الافق بوادر العودة الى المربع الاول خلال نهاية الثمانينات : تعزيز جبهة اليسار الراديكالي والقوى العلمانية الحداثية في مواجهة الاسلام السياسي . لقد تجسد ذلك في تأسيس جبهة 14 جانفي.

في تلك الفترة التي اشتد فيها الاضطراب والخوف والهلع كانت البلاد في حاجة ماسة الى احزاب المعارضة مجتمعة موحدة لتواجه ارتدادات حرب بن علي لقمع الشعب . وقد كانت الثورة المضادة قوية مستنفرة تستعجل حلول الانقاذ التي تجنبها السقوط عبر المناورة بالاستمرار في الحكم وتبني الامر الواقع والرضوخ للثورة. لقد سرى الحديث عبثا وجزافا حول احترام الدستور والقانون بتعلة تجنب الفراغ والحرب الاهلية ولكن خطر استمرار النظام القديم للبلاد كان اشد.

– ان اكبر فرصة مهدرة قد حصلت مع النهاية الدستورية لرئاسة فؤاد المبزع حيث كان التمديد له غير مستند لاية قانون .وكان بمثابة اقرار من قبل النخب الدستورية بعجزها عن مسك زمام الامور بيدها ، وترتيب اسس المرحلة الانتقالية . كان الامر يتطلب بالاساس بعد ابطال العمل بالدستور، التوافق على مجلس رئاسي بقيادة شخصيات وطنية لا صلة لها بنظام بن علي عوضا عن الرضى باستمرار النظام واشرافه على ترتيب مرتكزات المصير. وقد مكن هذا الوضع من اتاحة الفرصة للسبسي ومن ورائه نظام بن علي للمناورة والخداع عبر حكومة تجمعية تم تسويقها على انها حكومة تكنوقراط وقد تمكنوا من زرع الالغام عميقة الاثر على المستقبل فتمت تصفية الارشيف المتضمن لمكامن الفساد . كما استطاعت هذه الحكومة زرع عدد كبير من كوادر النظام المخلصين في مواقع حساسة شملت كل القطاعات وخاصة منها الداخلية والمالية والقضائية .ومن جهة اخرى حققت هذه الثورة المضادة ،المحروسة من احزاب الثورة ، ما ارادته في اضعاف فاعلية عديد المرافق العمومية مثل تعيين معتمدين من العاطلين وتركيز مجالس بلدية غير منسجمة وغير مقتدرة . كما ورطت الاقتصاد بزيادات في الاجور وانتدابات عشوائية. وابرمت اتفاقيات مع اتحاد الشغل لا تتناسب مع امكانيات الدولة . كما قامت حكومة السبسي بانهاك نفقات الدولة اتي تقلصت مواردها. ان البهتة التي حصلت لاخزاب الثورة كانت بسبب انشغالها بالاستعداد للانتخابات واستعجالها لصراع داخلي لا يقوم على مبادئ الديمقراطية وانما يروج لنزعة استئصالية وتجاذب سياسي واديولوجي يتناقض مع اهداف الثورة واستحقاقاتها العاجلة ويتعارض مع ابسط مبادئها . لقد ضيعت الاحزاب استحقاق مستوجب يحتم التعجيل في اقامة حكومة وحدة وطنية تقطع الطريق على النظام المتشبث بطبيعة الحال بالدفاع عن نفسه وهو ما زال يمتلك دواليب الدولة وآليات الامن ويسيطر على شرايين الاقتصاد ومؤهل للمناورة مع العدو الخارجي.

3– لقد ضيعت الاحزاب والنخب السياسية فرصة التأسيس التي اتاحتها مضطرة حكومة الباجي قائد السبسي متمثلة في الهيئة العليا للاصلاح وتحقيق اهداف الثورة فقد ارتضت لنفسها قسمة ظيزى تقوم على تهميش دور الاسلاميين وتمييل الكفة لصالح ما يعرف بالقوى الحداثية والتقدمية واليسارية وقد كان لذلك انعكاس خطير في القضاء على ما تبقى في جرعة الثقة بين الاطراف السياسية مما كرس التجاذبات والاستقطاب الاديولوجي ولوث الساحة الثورية بهامشيات وترهات قادت الى جدل عقيم مفتعل حول الدين والدولة والعلمانية واللائكية وحرية المرأة وممارسة التعبير الفني بدون قيود… وكأن الثورة قد وضعت اوزارها وحققت اهدافها ولم يبق الا الحديث عن ضروب الحرية الفنونية المهددة واستعراض الاعتداء على المقدس اثباتا لعطايا الحرية الجديدة.

4– لقد اتاح سير الانتخابات المتميزونجاحها فرصة جديدة لتدارك العثرات السابقة وكان بامكان حركة النهضة تقديم تضحية حقيقية تؤسس لمسار جديد من خلال تمسكها بحكومة وحدة وطنية تجمع كل الاطراف الفاعلة ولكن رغبتها في الاستفادة من شرعية الصندوق طغت على خياراتها رغم المحاولات المحتشمة في التوافق . وقد ادى هذا الاستئثار المشروع الى تشرذم الساحة السياسية وبروز صراع تدميري غبي اقحم الشارع في مزايدات الاحزاب ومكن رموز نظام بن علي من اعادة ترتيب صفوفهم والتصدي لكل محاولات الاصلاح. وتسنى للمعارضة الفاشلة مدفوعة بسلبية الحكومة المرتبكة استعراض قدرتها على الهدم وارباك الوضع ودفع اقتصاد البلاد الى الانهيار والوضع الامني الى الفوضى وتعطيل ممنهج للمرافق العامة.

5-اما على المستوى الاعلامي والثقافي فقد اتاحت الثورة فرصة نادرة وغالية لاستثمار مناخ الحرية المتاحة للمبادرة في معاضدة المسار الثوري بنشر الوعي والسلوك الراشد المبني على قيم المواطنة الجديدة والمحافظة على الاملاك العامة والخاصة واحترام الراي المخالف والتأسيس لقيم التضحية والتآزر من اجل تحقيق اهداف الثورة وحمايتها من الانزلاقات ومواجهة الثورة المضادة. للاسف فان واقع الاعلاميين ومنتوجهم اتجه الى استغلال الحرية في الاثارة وشحن الراي العام ودفعه الى العنف باستعجاله لمطالبه الاجتماعية وعدم رضاه المصطنع باية اجراءات. كما تلذذ الاعلاميون بصادية معلنة جلدهم للحاكم الجديد وتشويهه بضراوة من خلال التعدي على اشخاص الحكم وتشليك الرئيس والوزراء وتهميش مؤسسة الرئاسة.لقد اتيحت للاعلاميين فرصة حقيقية لـتأسيس نواتات اعلامية جديدة تنفتح على الثورات العربية وتؤسس لقطب اعلامي دولي يجعل من تونس منارة لصناعة اعلامية تفرز جيلا جديدا من الاعلاميين يساهم في التطوير الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي وينمي الموارد البشرية النوعية.
اما جماعة الابداع والثقافة فعوض ان ينخرطوا في الاستفادة من هامش الحرية الذي حرموا منه سابقا ويشرعون في انتاج ابداع بديل متنوع ومتجدد اكتفوا بالنواح والعويل القائم على طلب الحرية متذرعين باحداث جلها مصطنع جعلوا منها شغلهم الشاغل ومدعاة لتضامنهم ومطية لاستنفار مفتعل يزيد في تغذية التجاذبات وتبادل التهم.ولم يخرجوا من قوالب الابتذال المبني على جرأة وقحة لا اخلاقية ليس لها هم سوى تصوير الحكومة في مقام الفاشل العاجز الابله وذلك عبر عبقريتهم في تكثيف الانتاج الدرامي المعتمد على دعم الدولة واستغلال المرافق الاعلامية العامة. لقد جعلوا من الوضعية فرصة للتمعش والارتزاق والمحافظة على الامتيازات.

صحيح ان عديد الفرص قد ضاعت وهي تهدد بضياع الثورة ولكن الوعي بالاخطاء مدعاة للعزم بجدية على تصحيح الوعي ولن يتسنى ذلك الا بتجاوز الصراع والسباق الحزبي والاعداد لحكومة وحدة وطنية تنطلق بعد اعداد الدستور وانتهاء مدة الحكومة الحالية ولا يلغي هذا الامر اجراء الانتخابات البرلمانية القادمة .ولكن لا شيء يمنع من الاتفاق على حماية الاقتصاد والامن وارساء مؤسسات حوار حول الديمقراطية المحلية واصلاح الادارة والتعليم والقضاء والثقافة دون التقيد بالمحصاصات الحزبية الضيقة في مسائل استراتيجية لا تكتمل الثورة بدونها.

بقلم محمد يوسف