تقديم:

“رجل الظل”، “الرئيس الفعلي لتونس” هذه بعض من الأوصاف التي استعملت كمعرّف لنفس الرجل: كمال لطيف. بعيدا عن نظريّات المؤامرة، كمال لطيف هو شخصية لوبيات بامتياز. علاقاته و طريقة استغلاله لها مكنته  من أن يكون صانع قرار من الدرجة الأولى في عدد هام من المحطات السياسيّة بتونس.
خلال الخرجات الإعلامية النادرة التي أدلى فيها كمال لطيف بتصريحاته، كان دائما يصر على أنه رجل علاقات و أن العلاقات تمثل طريقته لممارسة السياسة التي يعتبرها هوايته الأولى. عزوفه عن الظهور في الإعلام للممارسة السياسة بشكل علني و دوره في صناعة بن علي، ثم تصريحات فرحات الراجحي حوله جعلت من كمال لطيف لغزا وطنيا يعود بين الفينة و الأخرى ليطفو على سطح المشهد الإعلامي و يشغل الرّأي العام التونسي ليقترن أسمه في كل مرّة بالمؤامرة. آخرها القضية المرفوعة ضدّه مؤخرا بتهمة “التآمر على أمن الدّولة”.

 كما أشرنا سابقا، فقد تحصل فريق نواة منذ مدة على سجلّ مكالمات كمال لطيف (أو جزء من السجل حسب تصريحات لطيف نفسه لنا الذي أكد أن السّجل مُحيت منه بعض قوائم مكالماته) و التي تمتد ما بين 2 جانفي 2011 و  31 ماي 2012.
بعد أن قمنا بدراسة إحصائية و تفكيكية لهذا السجل نتناول في هذه الورقة  الثالثة الإستنتاجات التي أفظت أليها تحقيقاتنا لمكالمات الرجل محاولين رسم منظومة علاقاته المتشعبة  سعيا منا إلى تسليط الضوء على طريقة عملها و إنارة الرأي العام التونسي حولها.

تنبيه: خلال هذه الورقة التحليلية لن نتناول بالتدقيق الشخصيات أو الأحداث السياسية أو الأمنية التي سنخصص لها قراءة تحليلية نصدرها قريبا. لن نقدّم أي تخمينات أو استنتاجات بل فقط تحاليل احصائيّة مبنيّة على سجل مكالمات كمال لطيف الذي بحوزتنا. و كذا شهادات مصادرنا و بعض الوثائق الأخرى التي استندنا عليها للتثبّت من دقّة ما خلصنا اليه في هذا التحقيق.

سجل المكالمات الصادرة و الواردة و هشاشة الدعوى ضد كمال لطيف:

مجرد تفحص سجل المكالمات الصادرة و الواردة على هاتف كمال لطيف لا يقدّم أي معلومات واقعية عن طبيعة نشاط هذا الرجل باستثناء حجم علاقاته التي تغطي تقريبا جميع الأوساط و كذا هويّة الأشخاص الذين هم في دائرة اتصالاته. هاتين المعلومتين بمفردهما لا تضيفان شيئا على ما يصرّح به كمال لطيف نفسه و لا تشكلان حيثية جدية في ملف التحقيق ضده.

نلاحظ مع الأسف أن المتعهّدين بالتحقيق في شأنه بتهمة التآمر على أمن الدولة يتوقفون عند رصد الإتصالات و تواريخها فقط في محاولة منهم لاثبات علاقات، و إن تبدو غير طبيعيّة، الّا  أنّها لا تفضي بصفة حتميّة الى اتهامات جديّة أو إلى تفكيك فعلي لهذه الشبكة أو لغيرها من الشبكات التي قد تشكل تهديدا حقيقيا لأمن تونس و استقرارها. و هذا ما لاحظناه خلال العديد من القضايا العدلية التي تتبعت عددا من وجوه النظام السابق بملفات خاوية و غير جدية انتهت إلى تبرئتهم، مخيبة بذلك آمال التونسيين في عدالة إنتقالية ترتقي بالقضاء إلى مستوى أهداف الثورة.

حاولنا إذا تجاوز ذلك التوخي و أخضعنا سجل مكالمات كمال لطيف الذي بحوزتنا إلى دراسة إحصائية سايعة أن تستنطق ما خفي وراء مجرّد قائمة اتصالات صادرة و واردة رابطة إياها بالزمان و الأحداث التي شهدتها تونس في الفترة التي يغطيها سجل مكالمات كمال لطيف. و خلصنا إلى ما يلي:
– فهم جزئي لطريقة عمل منظومة إتصالات كمال لطيف و الدواعي الحقيقية و الموضوعية التي تستلزم التحقيق معه و بجديّة (موضوع هذا المقال).
– اكتشاف (أو اثبات) تقاطعات هامة و خطيرة بينه و بين شخصيات رفيعة خلال أحداث مفصليّة مما قد يثبت دوره فيها (أو على الأقل محاولته للعب دور فيها)، بعض هذه الأحداث ذات طابع أمني و إعلامي حسّاس بالفعل.

1- منظومة العلاقات: دراسة عامة

تحليل سجل مكالمات كمال لطيف يفضي أولا الى المعطيات التالية:
– أكثر من 900 شخصيّة على تواصل مع كمال لطيف بصفة شبه مستمرّة إما كمتصِل أو كمتصِل به من قبل كمال لطيف.
– علاقات كمال لطيف تمتد من السياسة و المجتمع المدني والأعلام و الأعمال الى المجال الأمني.

و كما يبرزالرّسم اليباني التالي فقد تمكنّأ من جرد العشرات من هذه الشخصيات و فرزها حسب قطاع نشاطها و التي قد تمثل عينة (10%  من إجمالي الأرقام التي يحتوي عليه السجل) من مجمل الأشخاص الذيم هم على اتصال بكمال لطيف:

على ضوء هذا الرسم البياني لمكالمات لطيف يمكننا ملاحظة ما يلي:
– قطاع الإعلام هو القطاع الذي يحتل الصدارة بالنسبة لعدد العلاقات الذي يكشفها سجل مكالمات لكمال لطيف و هذه ميزة تكاد تكون قاعدة عمل لكل رجال اللّوبيات فأفضل طريقة لصناعة القرار السياسي تتمثل في السعي إلى التأثير على الرّأي العام أو صناعته و توجيهه حسب المصالح التي يرجى تحقيقها أو المحافظة عليها. يستعمل الإعلام كما هو معلوم لدعم شخصيات أو أحزاب معينة على حساب شخصيات و أحزاب أخرى أو لتغليب رأي على رأي آخر أو في بعض الحالات لخلق وضع من التشويش الإعلامي لصرف النّظر عن قضايا بعينها أو لفرض أولويّة قضايا أخرى.
– رجال القرار من وزراء و مسؤولين حكوميين هم القسم الثاني ممن يحرص كمال لطيف على ابقاء الاتصال بهم.
– في الدرجة الثالثة نجد المسؤولين الأمنيين و معظمهم من الشخصيات الأمنية رفيعة المستوى و التي شغلت أو تشغل مناصب أمنيّة حسّاسة جدا في وزارة الداخليّة.
– القسم الرابع هم السياسيون الذين يحافظ كمال لطيف على نسق اتصال منتظم بهم. و المثير للاهتمام هنا هو أنّ اتصالاته تشمل أغلب الكتل السياسية في البلاد.
– المثير للاستغراب هو أن اتصالات رجل الأعمال كمال لطيف برجال الأعمال تأتي في المرتبة الخامسة أي الأقل أهمية، ممّا يثير بعض التساؤلات حول طبيعة الأعمال التي يقوم بها  رجل الأعمال كمال لطيف.

رجال الأعمال و رجال اللوبيات يتشاركون في قاعدة تعتبر محورية لكل رجال المنظومات بصفة عامة وهي ضرورة صيانة علاقاتهم عبر إتصالات منتظمة. للتأكّد مما اذا كانت هذه القاعدة تنطبق على كمال لطيف قمنا بمقارنة العدد الجملي للمكالمات الصادرة بالعدد الجملي للمكالمات الواردة. و هذا ما يبرزه الرسم البياني التالي:

– عدد المكالمات الصادرة رهيب بين الفترة 2 جانفي 2011 و  31 ماي 2012 تزيد عن 30.000 مكالمة، أي بمعدّل 58 مكالمة في اليوم.
– معدّل طول المكالمات التي يصدرها كمال لطيف هو 100.337 ثانية أي أكثر من دقيقة و نصف.
– يقضي كمال لطيف أكثر من ساعة ونصف يوميا في الاتصالات الهاتفية التي يصدرها. شهادات بعض من اتصلنا بهم للغرض تتطابق حول هذه الميزة لكمال لطيف. البعض وصل لحد وصف تواصل كمال لطيف معه ب”الهرسلة”.
– الرسم البياني يوظّح أكثر هذه النقطة حيث يبيّن أن كمال لطيف يهاتف اتصالاته 1.76 مرّة ممّا يهاتفونه مع التذكير أنّنا لا نتحدّث هنا عن أفراد عائلته بل عن أكثر من 900 رقم هاتف مختلف.

بعض من اتصلنا بهم لسؤالهم عن علاقتهم بكمال لطيف أوعزوا وجود أرقامهم في سجل مكالماته الى كونه هو من اتصل بهم أو أنّ الاتصال كان يتعلق بمسائل محدودة تخص كمال لطيف (مثل اجراء حوار أو التحقيق في ما يخصّه). اكتشفنا أن هذا غير صحيح بالنسبة لعدد من هؤلاء حيث تكشف الدراسة الزمنية لسجل المكالمات بينهم و بين كمال لطيف أن العلاقة ممتدّة زمنيا و منتظمة (أو شبه منتظمة).

2- كمال لطيف و صناعة القرار

ما نعرفه و ما يؤكّده كمال لطيف و ما نجده في سجل مكالماته هو الآتي:
– الرجل تربطه علاقات واسعة مع معضم الفاعلين في الساحة السياسية و الحقوقية و الأمنية و الاعلامية.
– شبكات الاتصالات هي من أهم أساليب لطيف في ممارسة السياسة.

ما لدينا من معطيات:
– سجل المكالمات (مع التاريخ و الساعة و طول المكالمات).
– ما اذا كانت المكالمة واردة أم صادرة.
– شهادات و معطيات من مصادر مختلفة.

ما نعرفه عن أسلوب عمل هذا النوع من “السياسيين” و ما يؤكده كمال لطيف نفسه في كل مرّة هو:
– البحث عن المعلومة من صنّاع القرار و المسؤولين، و الحرص على أن يكون أوّل من يعلم و بكل التفاصيل، و هذا هو الهاجس الأوّل لرجال اللوبيات.
– الاتصال بأوساط صنّاع القرار (بغض النظر عن طبيعة العلاقة التي تربطهم بكمال لطيف) لدفع أجندات معينة، هذا ما يسمّى بسياسة الكواليس أو الغرف المغلقة حيث تؤخذ القرارات بعيدا عن الأوساط العامة (الجلسات النيابية، الاجتماعات العامة، الحوارات الاعلاميّة…).
– تحريك الإعلام لدفع صناعة القرار عبر التأثير على الرأي العام أو تهيئه و جس نبضه. يكون ذلك بأحدى الطريقتين:
– الدفاع على أطروحة معينة أو مهاجمة أطروحة معينة.
– تقديم شخصيات معينة على حساب أخرى أو مهاجمة شخصيات معينة دون أخرى.

تمكنا استنادا لكشف مكالمات كمال لطيف اثبات أن علاقاته بمختلف الأوساط ليست “مجرّد صداقات” بل هي عمل منهجي للتأثير على القرار أو للحصول على معلومات قصد التأثير على القرار.  حاولنا في مرحلة أولى اكتشاف ما اذا كان هناك نسق غير طبيعي في مكالمات كمال لطيف يتجاوز مجرّد “الإتصال بالأصدقاء”. الرسم البياني التالي يبرز تطوّر عدد المكالمات بين كمال لطيف و  12 شخصيّة أمنيّة رفيعة المستوى بين 02 جانفي 2011 و 31 ماي 2012.

التفحّص في الرسم البياني يمكّننا من استنتاج أن علاقات كمال لطيف مع على الأقل هذه الشخصيات الأمنيّة رفيعة المستوى تتسم بالكثافة و التواصل. كمال لطيف يفسّر ذلك بأنّه تربطه بهذه الشخصيات علاقات صداقة و هو ما يتعارض مع رواية نبيل عبيد (على سبيل المثال) الذي أكد لنا أن كمال لطيف يتصل به بصفة منتظمة دون أن تكون بينهما علاقة صداقة.
ما يقوله كمال لطيف و ما يؤكّده معظم ممن اتصلنا بهم لا يفسّر بأي حال من الأحوال ظاهرة تتكرّر عدّة مرّات و هي ازدياد عدد المكالمات في فترات معينة و مع الجميع تقريبا.  في هذه الفترات بالذات تكون المكالمات متبادلة مما ينفي مجددا فكرة التواصل لأسباب شخصيّة أو لأسباب عامّة.

التفحّص في الرسم البياني يمكّننا من استنتاج أن علاقات كمال لطيف مع على الأقل هذه الشخصيات الأمنيّة رفيعة المستوى تتسم بالكثافة و التواصل. كمال لطيف يفسّر ذلك بأنّه تربطه بهذه الشخصيات علاقات صداقة و هو ما يتعارض مع رواية نبيل عبيد (على سبيل المثال) الذي أكد لنا أن كمال لطيف يتصل به بصفة منتظمة دون أن تكون بينهما علاقة صداقة.

نفس هذه الظاهرة تلاحظ عندما نحلل و بنفس الطريقة وتيرة التواصل مع مجموعة من ناشطي المجتمع المدني (الرسم البياني التالي):

نفس هذه الظاهرة تلاحظ عندما نحلل و بنفس الطريقة وتيرة التواصل مع مجموعة من الشخصيات الوزاريّة و الحكوميّة (الرسم البياني التالي):

نفس هذه الظاهرة تلاحظ عندما نحلل و بنفس الطريقة وتيرة التواصل مع مجموعة من الشخصيات الاعلاميّة (الرسم البياني التالي):

نفس هذه الظاهرة تلاحظ عندما نحلل و بنفس الطريقة وتيرة التواصل مع مجموعة من الشخصيات السياسيّة و الحزبيّة (الرسم البياني التالي):

كيف يمكن فهم ذلك؟
كما أسلفنا و كما تكشف الرسوم البيانية التي قدّمناها فإن نسق تواصل كمال لطيف بعدد كبير من الشخصيات الحسّاسة في جميع الميادين يتميّز بتواترات تشير أولا الى انتظام هذه التواصلات و اذا ما أضفنا الى ذلك التطابق مع أحداث على علاقة بتلك الشخصيات يزول الشك أو التشكيك في دور كمال لطيف الفاعل للتأثير أو محاولة التأثير عليها.  ونجحنا في اكتشاف عدد هام من هذه التقاطعات مع أشخاص و أحداث مممة في تونس بعد الثورة سنخصص لها دراسة مستقلة.

للتأكّد ممّا خلصنا اليه من قراءات قمنا بحساب معدّلات اجمالي المكالمات حسب القطاع فتحصّلنا على الرّسم البياني التالي:

تطوّر نسق معدّلات تواصل كمال لطيف مع مختلف القطاعات يكشف عن ترابط و تناسق نشاطاته بين مختلف القطاعات أيضا.

كمال لطيف و دوائر النفوذ

إذا كان قطاع الإعلام  يحتل كما أشرنا صدارة الترتيب  في عدد الشخصيات الإعلامية التي هي على اتصال بكمال لطيف إلا أن قطاع الأمن يعتبر المجال الأقرب للطيف حسب الإحصائيات التي قمنا بها لكمية الإتصالات و تواترها.
الرسم البياني التالي يبيّن قرب مختلف القطاعات من كمال لطيف حسب  معدّلات التواصل  بينه و بين الشخصيات التي قمنا بجردها:

بحساب قواسم المكالمات الواردة و الصادرة مقارنة بالمعدّلات ثم تلخيصها بمعدّلات مختلف القطاعات أمكننا (و هذا ما يمكنه قراءته في الرسم السابق) اكتشاف أن الامنيين و الشخصيات الوزاريّة هم الأقرب لكمال لطيف ليأتي الاعلاميين في الدرجة الثانية و يليهم السياسيون ثو ناشطو المجتمع المدني.

استعملنا نفس المنهجيّة الاحصائية لترتيب عدد من الشخصيات من مختلف القطاعات حسب مستوى قربها من كمال لطيف و تحصّلنا على الرسم البياني التالي:

3- لاشئ تغير؟ ماذا عن كمال لطيف؟

كل المتابعين لملف كمال لطيف يتفّقون أن استمرار (بل تعزيز) نفوذ كمال لطيف بعد هروب بن علي انما يعود الى شيوع فكرة قوّته، الشيء الذي قد يفسر السباق المحموم و التدافع بين السياسيين  لنيل دعمه ممّأ جعل من مكتبه قبلة لعدد هام من السياسيين على غرار مصطفى بن جعفر (نجد له مكالمات مع كمال لطيف منذ 15 جانفي 2011) و نور الدين بحيري و حقوقيين مثل راضية النصراوي و أمنيّين مثل توفيق الديماسي و غيرهم. و قد جاءت تصريحات وزير الدّاخلية السّابق فرحات الراجحي حول “حكومة الظل” لتعزّز هذا التوجّه العام حيث و رغم أن رجل الظل أجبر في مرات نادرة إلى مغادرة منطقة الظل لأضواء الإعلام في محاولته الرد على اتهامات فرحات الراجحي فان اهتمام الجميع بكمال لطيف (كما يبين ذلك سجل المكالمات) قد زاد.

أردنا أن ندرس بعمق تطوّر نفوذ كمال لطيف طوال فترة ما بعد بن علي و أن نفهم ما اذا كان هذا النفوذ في ازدياد أو تراجع. استندنا في ذلك على سجل المكالمات و بالعودة لاسلوب عمل هذا النوع من المنظومات خلصنا الى أنّه بالامكان استنتاج ذلك بدقّة من خلال مقارنة المكالمات الجمليّة الصادرة عنه بتلك الواردة عليه.
عدد المكالمات الصادرة من كمال لطيف فاق دائما و في كل الفترات عدد المكالمات الواردة عليه و هذا راجع كما أسلفنا الى اهتمام الرجل الكبير (لحد الهوس) بمنظومته و شبكة علاقاته. إلا أن التفاوت بين المكالمات الصادرة و الواردة يختلف بين فترة و أخرى. و يوضح الرسم البياني التالي نسق المكالمات الواردة و الصادرة لهاتف كمال لطيف:

نلاحظ أن عدد المكالمات الصادرة يمر بثلاث مراحل كبرى:
– مرحلة أولى مباشرة بعد هروب بن علي تميزت بتراوح عدد المكالمات الصادرة حول المعدّل العام (بالخط الأصفر) و عدد المكالمات الواردة التي تفوق معدلها بقليل  (بالخط الأخضر). هذا المنحى يترجم بنشاط عادي لسياسي نافذ يقصده الجميع و يعامل شبكة علاقاته بالاهتمام اللازم.
– مرحلة ثانية تميزت بتراجع نسق اتصالات كمال لطيف بعد نشاط كبير شهدته فترة جويلية 2011 و قابل هذا التراجع تراجع آخر في نسق المكالمات الواردة على هاتفه و قد يؤول هذا بتراجع الاهتمام بكمال لطيف أو العزوف عن الاتصال به.
– مرحلة ثالثة يعاود فيها كمال لطيف مراجعة شبكته و بنسق متزايد و لكن نسق المكالمات الواردة عليه يواصل التراجع لينزل تحت المعدّل مواصلا وتيرة إنهياره.

اذا أدركنا أن مسألة نفوذ رجال الظل أو اللوبيات ترتبط مباشرة و أساسا بنسق التواصل مع شبكة العلاقات التي حوله و عليها يبنى هذا النوع من العمل السياسي، كان لابد  من إيجاد منهجية احصائية تخص نسق العلاقات و النفوذ في مقياس واحد. بحثنا خلص الى أنه يمكن الوصول إلى ذلك بحساب نسبة المكالمات الواردة في العدد الجملي للمكالمات، الرسم البياني التالي و الذي يرصد تطور نسق هذا المقياسيبؤكد استنتاجاتنا السابقة و هي انحسار نفوذ أو قيمة كمال لطيف داخل شبكة علاقاته:

بالاعتماد على هذه الخلاصة يمكننا دعم تحليلنا الخاص حول حقيقة نفوذ لطيف في الساحة السياسية و الذي بني أساسا على ملاحظاتنا و ما أفادتنا به مصادرنا أشهر قبل أن نتحصّل على هذه التسريبات.

حظوة لطيف لدى عامة الساسة و الإعلاميين و الحقوقيين في تونس مرّت بثلاث مراحل واضحة:
– ما بعد 14 جانفي: لطيف يعيد تموقعه السياسي و نفوذه في ازدياد.
– فترة الانتخابات: لطيف أحد مراكز النفوذ الكبرى و قبلة للساعيين لدعمه في المحطة الانتخابية للمجلس التأسيسي.
– ما بعد الانتخابات:الجزء الأهم من شبكة علاقات كمال لطيف يقطع أو يتجنب الاتصال به تقريبا.

عدد آخر من المعطيات الأخرى الذي يفسّر و يكمّل الصورة:
–  فرحات الراجحي لم يكن الرجل الوحيد الذي تجرّأ على الحديث على رجل النفوذ كمال لطيف، العديدون بعده، مثل القاضي مختار اليحياوي و غيره، تناولوا الموضوع بارتباط بقضايا مختلفة.
– القضية الأولى التي رفعت ضدّه لم تسبب ضجّة إعلاميّة أمّا الثانية فإنها تحتل منذ أسبوعين الحيّز الأول من اهتمام الرّأي العام رغم ما يتزامن معها من ملفات ساخنة أخرى (السلفيّة، الطاقة، إلخ).
– منذ اعلاننا عن حصولنا على سجل المكالمات و انطلاق التحقيق في القضية التي رفعها الاستاذ الشريف الجبالي، سارع عدد كبير ممن كانت لهم علاقات مع كمال لطيف الى كشف حيثياتها بل ذهب بعضهم (مثل سمير الوافي) الى حد مهاجمة هذا الأخير و دفعه للرد على موجات الاذاعات و على مختلف وسائل الاعلام (المكتوبة و الالكترونية منها خاصة).
اتصل بنا كمال لطيف عن طريق عضده الأول اتصلنا بعضد كمال لطيف الأول نور الدين بنتيشة و عرض مدّنا بسجلّه كاملا و عرض أيضا مدّنا بوثائق (منها تسجيل فيديو تحصّلنا عليه فعلا) تثبت تورط بعض من يتهمهم لطيف بالوقوف وراء ما يسمّيه “حملات تشويه” و “هجومات سياسية” و هو ما يشير الى أن الرجل يلعب أوراقه الأخيرة.

تنبيه: لقد تمكنا من تحديد هوية 10 في المائة من أصحاب الأرقام التي تضمنها سجل مكالمات كمال لطيف، أي 100 شخصية من ال900 المتوفرة عندنا، و نحن بصدد مواصلة التحقيق لكشف المزيد من الأسماء. سنعود في الورقات القادمة من تحقيقنا هذا إلى مجموعة من التقاطعات الهامة بين أحداث شهدتها تونس و شخصيات هامة في المشهد السياسي .


تصحيح:
-1- لقد قمنا على وجه الخطأ بحشر إسم السيد أحمد إبراهيم امين عام حركة التجديد سابقا في أحد الرسوم البانية و قمنا بإصلاح ذلك تاركين إسم الحزب فقط نظرا لأن الهاتف المتصل به هو هاتف مقر حركة التجديد و ليس الهاتف الشخصي للسيد أحمد إبراهيم. نقدم اعتذاراتنا مجددا للسيد أحمد إبراهيم

-2- لقد قمنا على وجه الخطأ بحشر إسم السيد شوقي الشاهد الصحفي السابق بصحيفة لابراس و الذي تركها منذ سنة 2002، و يرجع هذا الخطأ إلى رقم مكتبه الذي هو رقم الصحيفة. نعتذر للسيد شوقي الشاهد على هذا الخطأ الغير مقصود.