Crédit photo: Elissa Jobson

بقلم د فراس جبلون،

جدل كبير يدور حول ما يسمى بقانون تحصين الثورة أو قانون إقصاء التجمعيين من الانتخابات القادمة. في الحقيقة، وبسبب تعطيل مسار العدالة الانتقالية والمحاسبة، أصبح اتخاذ الموقف السليم من هذا القانون معقدا في ظل صعوبة التوفيق بين عقلية ديمقراطية تنبذ الاقصاء، وبين ضرورة حماية البلاد ممن ظلمها في السابق وتسبب في مآسيها.

أحاول في هذا المقال الإجابة على هذا السؤال بطرحه وفق مجموعة فرضيات والبحث عن جدوى هذا القانون وفق كل فرضية.

أولا، يجب أن نحدد إن كان الهدف من الثورة هو تحقيق الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وبالتالي تحصين الثورة يجب أن يصب في هذا الاتجاه، أم لا. هنا نجد فرضيتان:

1. ليس هذا هو الهدف من الثورة: في هذه الحالة من الواضح أن من يدعو لقانون الاقصاء له أجندة أخرى وهي إما اقصاء منافس ما أو استعمال هذا القانون للمزايدة السياسية والشعبوية لاستمالة تعاطف الناس بغاية المحافظة على السلطة وتأسيس دولة لا علاقة لها بأهداف الثورة الحقيقة. في هذه الحالة هذا القانون غايته ليست تحصين الثورة بل الالتفاف عليها.

2. أما إذا كان الهدف هو فعلا قيام دولة ديمقراطية تحترم القانون والمؤسسات وتتسع لكل التونسيين مهما كانت انتماءاتهم أو أفكارهم، فإن زرع عقلية تؤمن بالتعايش وتنبذ الإقصاء هي أيضا من أهداف الثورة وتمثل قطعا حاسما مع أحد أبشع ممارسات الماضي وبالتالي فإن الاقصاء السياسي دون سند قضائي يتعارض مع روح الديمقراطية ولا يمكن إلا أن يؤسس لدكتاتورية كتلك التي عانينا منها وكان الإقصاء من أبرز عناوينها.

لذلك فإن اقرار قانون الاقصاء ونحن في هذه الفرضية يجب أن يعتبر تضحية كبيرة ومخاطرة بديمقراطية المستقبل من أجل تحصين الثورة والبلاد من خطر داهم و آني. هذا الخطر هو عودة التجمعيين لسدة الحكم بعد أن كان الشعب طردهم بثورة سقط فيها الجرحى والشهداء. هذا فعلا خطر يستحق الاهتمام، لكن هل قانون الاقصاء هو الحل؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نتساءل من أي باب سيعود التجمعيون؟ فالتجمعيون اليوم موجودون في عديد الأحزاب بما فيها الحزب الحاكم وأيضا بعض الأحزاب الدستورية التي لا تشكل خطرا بحكم حجمها الصغير. والديمقراطي الحقيقي لن يضحي بمبادئ الديمقراطية فقط نكاية أو شماتة في عدد قليل من التجمعيين لن يشكلوا أي خطر على البلاد حتى وإن وقع انتخابهم للبرلمان القادم.

إذن الخطر الحقيقي يكمن فقط في حزب نداء تونس الذي تبرز كل المؤشرات أنه يحضى بشعبية كبيرة قد تمكنه من الفوز في الانتخابات.

هنا يجب أن نطرح سؤالا آخر وهو هل حزب نداء تونس حقا حزب التجمعيين كما يقول مناهضوه؟ هنا مرة أخرى هناك إجابتان:

2.1. نداء تونس لا يمثل التجمعيين وأعداد هؤلاء داخله لا يفوق أعدادهم في حزب النهضة مثلا. إذن في هذه الحالة أيضا لا يشكل حجم الخطر دافعا كافيا للتضحية بمبادئ الديمقراطية وبالتالي أحرى بنا أن نحصن الديمقراطية بتجذير عقلية تنبذ الإقصاء بدل تحصين الثورة من خطر غير موجود.

2.2. الفرضية الثانية هي أن نداء تونس هو فعلا حزب تجمعي ويستمد قوته الأساسية من التجمعيين المنتمين إليه وبالتالي الآلة الانتخابية المدربة والمنتشرة في كل ثنايا البلاد والتي يعرف الجميع، بما في ذلك حركة النهضة، أنها يمكن أن تلعب دورا حاسما في الانتخابات. أكيد أن من ينادي بقانون الاقصاء يعتقد في هذه الفرضية وإلا أصبح في الفرضيات الأخرى التي وجدنا فيها أن ذلك القانون لا يخدم أهداف الثورة والديمقراطية.

لكن نقطة القوة هذه هي في نفس الوقت نقطة ظعفه الأساسية لأنها تسمح لمنافسيه بمهاجمته ووصفه بالحزب التجمعي مما ينفر منه جانبا كبيرا من التونسيين مازال السواد الأعظم منهم يكرهون التجمع ويرفضون عودته تحت أي مسمى كان.

لذلك، سيكون نداء تونس في الانتخابات القادمة أمام موقف صعب. فهو إما أن يقصي تلقائيا كل التجمعيين من قائماته وحينها قد ينقلب هؤلاء عليه نكاية فيه وبالتالي يخسر أهم نقطة قوة لديه، بل قد تتحرك تلك الآلة التجمعية ضده لتصبح وبالا عليه. وإما أن يدرج التجمعيين على قائماته، بعد أن كان أبعدهم عن قيادات الصف الأول، فيفاقم بذلك من نقطة ضعفه ويصبح هدفا سهلا لمنافسيه، وبالدليل الملموس، مما قد يجعل الآلة التجمعية التي لديه غير مجدية أمام شعب كره في معظمه التجمعيين.

أمام هذا المأزق وصعوبة الاختيار، يأتي قانون الإقصاء ليقدم خدمة خيالية لنداء تونس.

فهو من ناحية يفرض عليه عدم إدراج التجمعيين على قائماته وبالتالي سيفقد آليا صفة الحزب التجمعي بما أنه لن يرشح أحدا منهم وهكذا “يحصن” نفسه ضد نقطة ضعفه الأساسية ويفقد مناهضوه القدرة على إمساكه “من اليد التي توجعه”، ومن ناحية أخرى لن يتعرض لحقد التجمعيين وانتقامهم، لأنه لم يختر ذاتيا أن يقصيهم بل هو دافع عنهم بأقصى جهده في محاولته التصدي لقانون الاقصاء، وبذلك يحافظ على ولائهم ونجاعة آلتهم الانتخابية التي قد تعمل بفاعلية أكبر نكاية، هذه المرة، في ذلك قانون.

خلاصة القول فإن قانون الإقصاء هذا إلى جانب أنه على المدى المتوسط والبعيد لا يساعد على زرع ثقافة ديمقراطية “تحصن” البلاد ضد عودة الاستبداد، فهو أيضاً، وعلى عكس ما يتوقع البعض، يساعد نداء تونس، البوابة الوحيدة المحتملة لعودة التجمعيين، على تفادي نقطة ضعفه و”تحصين” نفسه منها وتبقي على نقطة قوته كما هي ليستفيد منها لأبعد مدى مما يدعم حظوظه أكثر في الانتخابات.

إذن، فقانون الإقصاء لا “يحصن” الثورة من عودة التجمعيين بل قد يعطي نتائج عكسية تماماً، كما رأينا. كما أن التركيز على التجمعيين قد يجعلنا نغفل عن أعداء آخرين للثورة خاصة أن التاريخ يعلمنا أن المستبد الذي ينهار نادرا ما يسترجع مجده ولكن ما يحدث عادة هو أن يأخذ مكانه طاغية جديد مستغلا حالة الفراغ والفوضى الموجودة ويكون عادة أكثر سطوة وقوة.

أما من أجرم وسرق مال الشعب وتورط في تعذيب أو قتل أو أي جريمة كانت فيجب أن يحاسب قضائيا أو في سياق العدالة الانتقالية ليكون عبرة للمستقبل تحمينا من إعادة إنتاج المأساة.

من هذا المنطلق فإن أسلم طريقة لتحصين الثورة وأهدافها على المدى القريب والبعيد يكون بتحصين الديمقراطية وذلك بالتعجيل بتفعيل مسار العدالة الانتقالية المعطلة لتبدأ المحاسبة لإنصاف الضحايا. وأيضاً بالتعجيل بإحداث المؤسسات الدستورية الديمقراطية وعلى رأسها الهيئات المستقلة للقضاء وللإعلام والانتخابات. وأيضاً سن قانون الأحزاب خاصة لمراقبة تمويلاتها.

بعد ذلك الثورة تحصن بإعطاء الثقة للشعب لينتخب من يحكمه وحتى إن أخطأ فسيتعلم ويبقى دائماً متيقظا ساهرا على حماية ديمقراطيته الوليدة بمؤسسات الدولة القوية وبمجتمع مدني حيوي ونشيط.