Crédit photo: Fethi Belaid/AFP

إننا على مشارف غرة ماي، وهي مناسبة لترديد الشعارات والقناعات التي تكون عادة جوفاء عند العديد من مردديها. إلا أن هؤلاء بإمكانهم هذه السنة أن يجعلوا من شعاراتهم حقيقة ثورية لا مراء فيها.

ولكن لنبدأ بالتذكير، باديء ذي بدء، أن الثورة التونسية هي أولا وقبل كل شيء ثورة الكرامة؛ وبما أنه لا كرامة بدون شغل، فلا تنازع أن عيد الشغل هذا هو أيضا عيد ثورتنا المجيدة.
ثم بما أنه لا منازع في أن هذه الثورة لم تحقق بعد أهدافها، أو على الأقل جميعها، فالاحتفال بعيد العمل والعمال هذه السنة لهو الفرصة المتاحة لنا للتعبير عن تعلقنا الحقيقي بثورتنا ومطالب شعبنا.

ولا شك أنه من بين مطالب أغلبية الشعب اليوم رغبته الملحة في أن يكون كل من يمثله في الحكم على شاكلته في حالته المتواضعة وانعدام مظاهر الأبهة والترف. وبديهي أنه لا يصعب البتة تلبية مثل هذه الرغبه الملحة في الحال.

فيكفي لكل ذي مروءة وهمة عالية من ممثلي الشعب في المجلس التأسيسي، وأيضا كل من تحمل مسؤولية سياسية، بل وحتى كبار موظفي الدولة، أن يعلنوا هذا اليوم عن تنازلهم على كل امتيازاتهم، مكتفين بامتياز خدمة الشعب، إذ هو الشرف الحقيقي الأوحد لكل ذي لب ووطنية في هذه الظروف الصعبة.

وليعلن كل ممثل للشعب في المجلس الوطني التأسيسي، كما بدأ بعضهم بعد بفعله، عن عزمه الصادق في التطوع لمواصلة العمل في خدمة البلاد بدون أي مقابل، لأن خدمة الوطن زمن الثورة هي من قبيل الواجب الوطني للجندي، فهي لا تستحق المنح فحسب، بل ولا حتى المرتب، إذ المفروض أن يكتفي الممثل الثوري لشعبنا بالنزر القليل مما يكفيه للعيش ورعاية مصالح شعبنا.

فبعزم كهذا لَيبرهن نواب الشعب حقا على تعلقهم بالثورة حقيقة لا ادعاء، فيثبتون للشعب حقا لا زيفا أنهم لم يأتوا للسياسة لخدمة أغراضهم الشخصية، وإنما لخدمة مصالح الشعب والتضحية لأجل الثورة ومبادئها.

إن شعبنا لينتظر من ممثليه ما يثلج حقا به صدره من قرارات صادقة وتصرفات نزيهة تعبر عن حب هذا البلد واحترام أبنائه. ولا حب لبلد اضطر للاقتراض، ولا احترام لشعب أغلبه لا يجد ما يقتات ويعيل به أهله.

إنها أيام معدودات فقط تفصلنا عن غرة ماي، فليراجع نفسه كل من ادعى الثورية وحب الشعب للتعبير عن صدق عزمه في خدمة الوطن والتدليل على ذلك بالتنازل عن كل الامتيازات التي تحصّل عليها في نطاق خدمته للبلاد فاعتبرها له مشروعة وهي لا تعدو أن تكون من كد شعب يتضور معظمه جوعا.

وليتذكر نوابنا الأكارم من الحزب الحاكم ذي المرجعية الإسلامية كيف كان حال الخليفة عمر رغم ثراء الدولة، وما كان يطلبه من عماله! وليتذكروا ما آلت إليه الخلافة في عهد الخليفة الثالث عندما تلاشت قيم التواضع العمرية وعمّ الترف حكام البلاد الإسلامية وتفشى فيهم اليسر الفاحش والثراء المقيت.

إننا نرى العديد من حكامنا اليوم يرفلون في أفضل الثياب والحلي ولا يترددون في التصرف في حياتهم الشخصة كأعالي قومنا المترفين والحال أن مثال التواضع والتقشف في الحياة ينصرف عليهم قبل غيرهم، خاصة لمن مرجعيته دينية. فأين القيم الإسلامية في القيام بالواجب بدون مقابل؟ وأين الأخلاق المحمدية في التزام أبسط مظاهر العيش وإيثار المستحقين؟

إن شعب تونس في عامته اليوم بائس فقير، فكيف لا تستحون من مرتبتاكم ومنحكم السخية، يا سيداتي وسادتي النواب من حزب النهضة؟ بل لم لا تخدمونه بلا مقابل، ألستم تدّعون الوطنية والثورية؟ فأنتم حسب مرجعيتكم الدينية وأخلاق الإسلام السنية َلأول من وجب عليه العمل لأجل الوطن وشعبه البائس مجانا.

إن الفقراء اليوم لهم عامة الشعب؛ فغالبية شعبنا كأهل الصفة زمن الني، ولم يكن الرسول الأكرم يتردد في الصوم عن الأكل لإطعامهم، أفلا تصومون أنتم عن منحكم ومرتباتكم لخدمة شعبكم وقد اضطره فقره إلى التوجه للمؤسسات الدولية للتداين؟

كيف تسمح لكم مباديء دينكم قبول مـظاهر الإثراء وزخرف الدنيا وشعبكم يتضور جوعا، وليس للعديد منه ما يقتات، فلا يجد رب الصغار ما يعيلهم به؟ ألم يعلّمكم ديننا الحنيف الزهد في الدنيا وابتغاء الآخرة بإطعام السائل والفقير، أو على الأقل مشاركته فقره وبؤسه؟
فلتعمل يا حزب النهضة مع سائر الأحزاب السياسية الأخرى، متجاهلين هذه المرة على الأقل اختلافاتكم وشعاراتها الجوفاء، لتكريس مبدأ سياسي ثوري لا يمكن إلا أن يجتمع عليه كل وطني غيور على بلاده.

نعم، لقد حان الأوان اليوم لأن يقع الإعلان بتونس الثورة على ضرورة النشاط السياسي التطوعي، لا فقط في خدمة حزب أو جهة سياسية، كما هو الشأن أحيانا، بل أولا وقبل كل شيء في خدمة تونس العزيزة، سواء كان ذلك في المجلس الوطني التأسيسي أو في ردهات الحكم المختلفة، وخاصة منها المؤسسات العمومية على مستوى المسؤوليات العليا فيها.

لتكن إذا غرة ماى هذه السنة عيد الشغل لمباديء الثورة بأن يقع فيه الإعلان الرسمي للواجب التطوعي لأجل تونس الثورة! فمن هنا فصاعدا، وبمقتضى القانون، لا مرتبات ولا منح لكل من يعمل في الحقل السياسي لأجل الوطن، وذلك طالما لم يتوفر لكل أبناء شعبنا الشغل القار والعيش الكريم بالخروج من بوتقة الفقر الذي ألزمه التداين والمغامرة بسيادته.

وليجعل كل تونسي غيور على بلاده من غرة ماي عيدا للشعب بحق فيستغني كل ذي ضمير حي عن كل الإمتيازات التي حصل عليها من أجل مسؤوليات سياسية أو عن مرتبات عالية ومنح وتعويضات حتى لا يُتهم بدخوله السياسة للاستغناء على حساب شعبه الكادح ليلا نهارا للقمة عيش لا يجدها أحيانا.

إنه من المسلّمات في بلادنا أن الرشوة والفساد هما من أكبر المخاطر التي تهدد أمنها وسلامتها؛ ومن البديهيات أيضا أن من أفضل الأسلحة ضد الفساد والرشوة هو فك الترابط بين الوظيفة السياسية والمرتب. فخدمة الصالح العام بدون مقابل كعمل تطوعي لهي من أفضل الوسائل لإبعاد دواعي الفساد، إذ بانتفاء العامل المادي لا وازع للإرشاء والإرتشاء.

ومن أوكد الضروريات لخلق ثقافة العمل النزيه والتفاني في خدمة الوطن إعطاء المثل بإرساء قاعدة العمل التطوعي وجوبا في الوظائف السياسية والمسؤوليات الانتخابية، وذلك على الأقل في هذه الفترة الحساسة التي يعيشها بلدنا؛ كما من الضروريات أيضا العمل على تقليص حجم الأجور والمرتبات في الوظائف السامية مع دعم ما فيها من رمزية شرف الخدمة الوطنية والتضحية للصالح العام.

لذا، فليقع استغلال هذا اليوم أيضا لإقرار توجه رسمي يقضي باعتماد مبدأ التقشف في كل ردهات الحكم، وخاصة في مظاهر وتصرفات ممثلي الشعب وكبار موظفي الدولة الذين هم، وكثيرا ما يتناسونه، في خدمة هذا الشعب الكادح.

إن ضرورة عودة الوعى لهي مستوجبة اليوم؛ وها نحن رأينا بعد بعضا من ممثلي الشعب يتبرع بما له، مع التعبير عن تمام الاستعداد للعمل متطوعا في خدمة وطنه. هذه سبيل الثورية الحقة! فهلا عمل جميع من يمثل الشعب فعل الأقلية ذات الضمير الحي، حتى تخلص نية الكل بلا استثناء في خدمة وطننا وشعبنا؟

لعل ما أقول، ولأول وهلة، يبدو لبعضهم من المستحيلات؛ ولكنه ليس كذلك إذ ليس بالخيالي أن نجد عند العديد من مواطنينا الأكفاء الإستعداد للعمل التطوعي للوطن والقدرة على التضحية لأجله بكل ما غلا ونفس، فلا أغلى ولا أنفس من حب البلاد والتضحية في محبة الشعب بخدمته مجانا.

فلنفتح لهؤلاء المجال بمثل هذا القانون في الخدمة السياسية التطوعية. وليس هناك أدنى شك أن يكون من شأن هذا إحداث الثورة العقلية في البلاد التي ننتظرها لتدعّم ثورة الشعب، أساسها العمل الوطني النزيه وقوامها التطوع في الخدمة لأجل الصالح العام.

أما من ابتغى مشكورا من الممثلين بالمجلس الوطني التأسيسي، ممن تعلق فؤاده حقا بالثورة وحب شعبه، السعي لأكثر من هذا في هذا اليوم المشهود، فليعمل حثيثا على أن يكون عيد الشغل أيضا عيد الحريات، وذلك بإبطال كل القوانين الجائرة الموروثة عن العهد القديم والتي لا تزال سائرة المفعول في نطاق المنظومة القانونية للنظام البائد. ولكل امريء ما سعى!