1

 

بقلم فرحات عثمان،
 

لا زال العديد من الناس في بلادنا يمانعون في رفع عقوبة الإعدام في تونس، رغم أن منع هذه العقوبة من المؤشرات على التطور الديمقراطي و ذلك لاعتقادهم أن هذا يخالف الدين الإسلامي وأخلاقياته. وهو من الخطأ الفاحش لأنه يجعل من دين الرحمة الذي هو إسلامنا دين النقمة وطغيان العقاب على التوبة والغفران.فالإسلام جاء رحمة للناس ودعا إليها. لذا، فقد حدد الحالات التي تقتضي عقوبة الإعدام تحديدا متشددا، داعيا دوما إلى العفو والمغفرة لأصحاب الحق في القصاص.

ولا شك في أن النزعة الأساسية في دين الإسلام هي الدعوة إلى العفو والمغفرة رغم تأكيده على القصاص وحق الأخذ به. فذلك من باب تأقلم ديننا مع طباع البشر وما كان سائرا عاديا في المجتمع الذي ظهر فيه، حيث كانت قاعدة السن بالسن وحق القصاص لا محيد عنها في ذلك الزمان.

ورغم أن العصر كان عصر ظلمة من حيث قيم المحبة والرحمة، فلقد جاء الإسلام داعيا إليها، حاثا على الإتيان بها دون تردد، مثيبا عليها، مؤكدا على الجزاء العظيم الذي ينجر لمن يرحم فيعفو ويتنازل عن حقه في الثأر.

ذلك لأن انتهاج سبيل العفو هو من الجهاد الأكبر الذي يدعو له الإسلام، أي جهاد النفس الأمارة بالسوء؛ وأي مجاهدة أعتى من مجاهدة النفس ونوازعها، خاصة تلك التي تدفع بنا للانتقام ممن أساء إلينا عوض محاولة ترويضها على قبول الإساءة والرد عليها بالحسنة؟
وأي حسنة أكبر من العفو عمن أتى بالإساءة العظمى، ألا وهي قتل النفس؟ بل لعلها أفضل ما يأتيه الإنسان في محاولة العمل بما يدعوه إليه الله من التشبّه به في العفو والمغفرة عند المقدرة ونبذ كل ما فيه من نوازع تأخذ به بعيدا كل البعد عن العواطف النبيلة والأحاسيس الطيّبة.

فهل هناك أعظم من العفو عن الظالم من طرف المظلوم صاحب الحق في القصاص؟ وهل هناك من هذا المظلوم أكبر دليل على استحقاقه الثواب الجزيل لصفاء نفسه وتعاليه على كل ما اختصت به النفس البشرية من وضاعة بتصرّفه كما علّمه ربه، أي بالتدليل على أنه يتمرّن بحق على أن يكون رحمانا رحيما كخالقه؟

لا شك أن مثل هذا التصرف من المؤمن، الذي يتنازل عن حقه في الانتقام لأجل التمسك أكثر وأشد بقيم دينه، لهو أكبر دليل على تشبّعه بأخلاقية الإسلام العالية وسماحة حكمته ونبل تصريفه لعلاقة البشر بعضهم ببعض.

هذا من ناحية المظلوم. أما من ناحية الظالم لنفسه ولغيره، فالعفو من شأنه أن يهز فيه هزة تجعل ضميره يستيقظ من غفلته ويفيق من غفوته، فيعترف بفظاعة ذنبه ويتوب إلى ربه ويعتذر إلى من أذنب في حقه وأساء إليه. أفليس العفو هنا مظنة لإعادة المذنب إلى حضيرة الإسلام التي تركها بفعله الشنيع والتي لا فرصة له ولا حــظ في العودة إليها بدون البقاء على قيد الحياة للتوبة؛ وبابها على الدوام لا يغلق في ديننا؟

ولعله لا يتوب ويمضي على عنجهيته؛ فهل نسارع في قتله وتنفيذ القصاص فيه فنسدي إليه هكذا خير خدمة بأن نمكنه من الفرار من وخز الضمير، وهو بحق من عذاب الجحيم عندما يستيقظ؟ فما من شك أن الموت أهون من عذاب الضمير الحي!

ولا شك أيضا أن مثل هذا العذاب يكون أشد وقعا على المذنب إذا عملنا على إفاقة السريرة النائمة فيه وإحياء الذمة الميّتة عنده بمساعدة هذا المذنب على رياضة النفس والعمل على تزكيتها بالعودة إلى ديننا الحنيف وتعاليمه.

فنحن عندما ندعو إلى منع عقوبة الإعدام ببلادنا، ندعو في نفس الوقت إلى أن تنقلب أروقة الموت، التي ينتظر فيها المحكوم عليهم بالإعدام الخلاص من عذاب الانتظار أو ربما استفاقة الشعور، إلى أروقة للروحانيات تتكفل الدولة فيها بإعطاء المحكوم عليهم بالسجن المؤبد الغذاء الروحي الذي ينقصهم وكان سببا في ما أقدموا عليه، وذلك مما من شأنه أن يعود بهم إلى ظلال إسلامنا الوارفة وروحانيته النبيلة.

وهكذا نعمل بما أوصانا به ديننا من الحث على الحسنى والتشجيع على انتهاج محجة الدين القيم بالاغتراف من منابعه التي لا تفنى. وأن يكون ذلك مع من فقد كل شيء في الدنيا بعمله الشنيع لهو من الجهاد في سبيل الله، إذ نعمل بهذا على ألا يفقد إمكانية التوبة، أي أفضل ما من شأنه أن يعيد له الاعتبار باسترجاع إنسانيته. بهذا، يستحق عفو من أساء إليه وعفو ربّه؛ وفي نفس الوقت، يصير من جديد آدميا؛ كل ذلك بفضل ديننا، دين الرحمة والغفران.

وبهذه الصفة، بفضل منعنا لعقوبة الإعدام بتونس في دستورنا الذي نكتب، نكون في مصاف الدول المتحضرة التي تمنع مثل هذه العقوبة ونبيّن في الآن نفسه أننا أوفياء لديننا في دعوته إلى مكارم الأخلاق والعمل دوما على ابتغاء المعروف والحسنى على الدوام.

فهل في ذلك أفضل من التدليل على أننا نعمل لتلك الغاية سواء بالعفو والمغفرة عندما نُظلم، مع قدرتنا على استيفاء حقنا، وبمجاهدة النفس أو المساعدة على ذلك لإحياء الضمير والمرور من وخزه إلى تزكية النفس بالعودة إلى السبيل القويم، سبيل الحنيفية المسلمة؟

إنها لتذكرة لمن يمانع خطأ من نواب مجلسنا التأسيسي الموقر في منع عقوبة الإعدام بتونس؛ فهم بذلك لا يخدمون حقا الإسلام ودعوته، بل يتصرفون تماما على عكس ما دعا إليه وحث عليه. فلتكن هذه المقالة تذكرة لمن يذّكر!