ali-harzi

أوردت وزارة الداخلية اسم مواطن تونسي يدعى علي الحرزي، 27 سنة، محسوب على تيّار ديني متشدّد، ضمن قائمة المتّهمين الثمانية المطلوبين للعدالة بتهمة التورّط في جريمة اغتيال محمد البراهمي مشيرة الى وجود علاقة بين عناصر هذه المجموعة و العناصر الستّة الآخرين المتّهمين باغتيال الشهيد شكري بلعيد على اعتبار تطابق أركان الجريمتين من حيث التنفيذ و استعمال القَتَلَة المحتملين للسلاح ذاته.

الى هذا المستوى يبدو الأمر طبيعيا حيث اعتادت وزارة الداخلية منذ حادثة اغتيال بلعيد نشر صور تقريبية أو واقعية للمشتبه في ضلوعهم في الجريمة قصد تضييق الخناق عليهم، غير أنّ الغريب في هذه “الحكاية” يكمن أساسا في عدم مصارحة الشّعب بأنّ هذا المتّهم بتنفيذ جريمة الإغتيال و المسمّى علي الحرزي ليس سوى ذلك المتّهم الرئيسي بقتل السفير الامريكي كريستوفر ستيفن و ثلاثة من معاونيه في مقر القنصلية الامريكية ببنغازي خلال أحداث العنف التي استهدفت مقرّ البعثة الديبلوماسية بتاريخ 11 سبتمبر 2012 تزامنا مع احياء ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

هذا جزء أوّل ُ من الحكاية، أمّا الجزء الثاني فهو أكثر غرابة من سابقه حيث يتبيّن من خلال الوقائع التي سنستعرضها تباعا خلال هذا المقال بأنّ المدعو علي الحرزي الحامل للجنسية التونسية كان قد وقع في قبضة السلطات التركية بعد فراره من بنغازي وتمّ تسليمه الى السلطات التونسية من أجل محاكمته أمام القضاء التونسي. وقد تقدّم محققون من مكتب التحقيقات الفدرالي الامريكي بطلب للسلطات التونسية لكي تتيح لهم امكانية الاستماع للحرزي بصفته “شاهدا” فقط، دون حضور محاميه في مركز القرجاني، الّا أنّ المتّهم رفض مقابلتهم في بادئ الأمر -وفق ما صرّح به محاميه الاستاذ عبد الباسط بن مبارك- ليتمكّن المحقّقون بتاريخ 22 ديسمبر المنقضي من عقد جلسة الاستماع التي دامت حوالي ثلاث ساعات بحضور مترجم مغربي الجنسية وحاكم التحقيق المتعهّد بالقضية.

وتقدّم “الاف بي آي” بطلب إنابة قضائية تتضمن “الحجج والبراهين” لتوجيه التهمة إلى علي الحرزي للاشتباه في مشاركته في هجوم بنغازي. ومن بين هذه الحجج أنّ الحرزي كان أول من قام بنشر معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي حول الهجوم الذي استهدف مبنى القنصلية الامريكية في بنغازي ما جعل الأمريكيين يصنّفونه ضمن لائحة المطلوبين لديها.

وقد صرّح نور الدين البحيري وزير العدل -آنذاك- لوسائل الاعلام بتاريخ 6 نوفمبر المنقضي أنّ :

” مكتب التحقيقات الفدرالي وجّه عبر وزارة الخارجية التونسية، و”طبقا للقانون الدولي” إنابة عدلية أصلية وأخرى تكميلية تقدم الحجج والبراهين وتطلب توجيه التهمة إلى علي الحرزي … ولم تتضمّن الإنابة العدلية الأمريكية توجيه أسئلة إلى المتهم”.

وقد عمدت احدى صفحات الفايسبوك التابعة لانصار الشريعة الى التشهير بالمقابلة عبر نشر صور لثلاثة لمحقّقين أمريكيين وهم بصدد استجواب المتّهم علي الحرزي معتبرة ذلك مسّا من سيادة البلاد التونسية و استقلالية قضائها.

وفي الوقت الذّي كانت فيه هيئة الدفاع تشنّ حملة واسعة النطاق من أجل ضمان محاكمة عادلة لمنوّبها خشية أن تقع احالته على أنظار المحكمة بموجب قانون الإرهاب “الجائر” الذي قد يصل بالعقوبة الى حدّ الإعدام، عمد حاكم التحقيق السادس بالمحكمة الإبتدائية بالعاصمة الى إطلاق سراح علي الحرزي في خطوة “مريبة” قبل أيّام قليلة من اغتيال الشهيد شكري بلعيد علما أنّ وزير الداخلية -آنذاك- علي العريّض كان قد أكّد في تصريح أدلى به لقناة تلفزية بتاريخ 31 أكتوبر 2012 بأنّ :

“السلطات التركية اعتقلت عنصرين تونسيين و تمّ تسليمها الى تونس. أحد العنصرين بحالة سراح الآن أمّا الثاني (علي الحرزي) فهو يلُوحُ متورّطا بشدّة في حادثة قتل السفير الأمريكي ببنغازي…”.

التّحقيقات اللّغز

وكانت السلطات التركية قد أوقفت شابّين تونسيين من بينهما علي بن الطاهر بن الفالح العوني الحرزي (27 سنة) بتاريخ 3 أكتوبر 2012 فور وصولهما الى مطار اسطنبول قادمين من بنغازي. و تمّ التحقيق معهما حول مدى ضلوعهما في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2012 تاريخ مقتل السفير الامريكي ومعاونيه في مقر القنصلية الامريكية ببنغازي .

وعلى اثر الانتهاء من التحقيقات الأولية تمّ اخلاء سبيل الشابّ الأوّل بعد ثلاثة أيام فقط من الايقاف ليعود الى تونس في ظروف عادية في حين تمّ تخيير المشتبه الثاني علي الحرزي بين الترحيل الى تونس أو الترحيل الى بنغازي .وقد اختار الحرزي، وفق ما أفادتنا به هيئة الدفاع، ترحيله الى تونس ليتمّ ايقافه مجددا فور وصوله الى مطار تونس قرطاج والشروع في استنطاقه حول أحداث القنصلية الأمريكية ببنغازي.

وبعد انقضاء خمسة أيام من تاريخ الإيقاف تمّت احالة الحرزي الى أنظار وكيل الجمهورية بالمحكمة الإبتدائية بالعاصمة حيث تعهّد بالقضية قاضي التحقيق بالمكتب السادس.
أوّل مثول لعلي الحرزي أمام انظار هيئة المحكمة كان بتاريخ 16 اكتوبر 2012 حيث تمّ تأجيل القضية الى الثالث والعشرين من الشهر ذاته بناء على طلب لسان الدفاع لمزيد الاطلاع على الملفّ ، وقد تمّت الجلسة بحضور اثنين من محامي المتّهم لتسفر عن اصدار بطاقة إيداع في السجن في حقّ الحرزي في انتظار إنهاء التحقيقات.

واستنادا الى ما أفادنا به الأستاذ أنور أولاد علي فانّ المتّهم تمّت احالته بموجب القانون عدد 75 المؤرّخ في 10 ديسمبر 2003 والمعروف ب”قانون معاضدة المجهود الدولي في مكافحة الارهاب” بتهمة الإنضمام الى تنظيم ارهابي بالخارج.

و كان علي الحرزي قد أحيل على أنظار القضاء التونسي سنة 2006 بموجب القانون ذاته ودخل السجن بتهمة تتعلّق بالارتباط ب”وفاق ارهابي مسلّح خارج التراب التونسي” (العراق) ليغادر السجن على إثر سقوط نظام بن علي بعد التمتّع بالعفو التشريعي العام الذي نصّ عليه المرسوم عدد 1 لسنة 2011.

ينحدر من عائلة “جهادية”

علي الحرزي ليس الوحيد المسكون بفكرة “الجهاد” في عائلته اذ لديه أخا يدعى طارق الحرزي اعتُقل في العراق بتاريخ 2006 و أدين ب15 سنة سجنا بتهمة الارهاب. وقد تمكّن طارق الحرزي من الفرار من سجن تكريت منتصف العام المنقضي ولا يُعرف الى حدّ الآن مكانهُ في حين تُرجّح بعض المصادر أن يكون قد التحق ب”الجهاد” في سوريا.

وترجّح المصادر ذاتها (هيئة الدفاع و العائلة) أن يكون علي الحرزي قد التحق بشقيقه في سوريا بمجرّد أن أطلقت السلطات التونسية سراحه. وقد أعلنت الصفحات الناطقة باسم تيار السلفية الجهادية في تونس، تحمل اسم “الثورة الاسلامية التونسية“، على اثر نشر صورة الحرزي من قبل الداخلية، بأنّ هذا الأخير بصدد الجهاد في سوريا. واتّهمت المصادر السابق ذكرها وزارة الداخلية بمحاولة الزجّ باسم الحرزي في قائمة المتّهمين بتنفيذ الإغتيالين السياسيين بهدف تهدئة الرّأي العام والتعتيم على الجهة الأصلية التي تقف وراء عمليات الإغتيالات السياسية.

brahmi-benjeddou

و اذا سلّمنا عدم صدق هذه الرواية وأخذنا برواية وزارة الداخلية التي تتّهم علي الحرزي بالضلوع في هذه الإغتيالات فانّه من الضروري طرح السؤال التالي:

كيف تمّ اخلاء سبيل الحرزي قبل أيّام قليلة من اغتيال بلعيد دون الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تركه تحت الرقابة الإدارية أو الأمنية غير المباشرة نظرا لحجم الشبهات التي تلاحقه على غرار شبهة التورّط في جريمة قتل السفير الأمريكي بالإضافة الى سوابقه في الميدان؟ ثم لماذا لم تأت وزارة الداخلية (في عهد العريّض) على ذكر اسمه في قضيّة اغتيال بلعيد في حين فعلت في عهد بن جدّو اذا ما علمنا بأنّ الجريمتين مرتبطتين ببعضهما البعض وفق ما كشفته الوزارة ذاتها ؟ وكيف أمكن لحاكم التحقيق المتعهّد بالقضية “التلاعب” بالأمن القومي واطلاق سراح “عنصر خطير” -اذا صحّت رواية الداخلية – دون مُسائلته عن خلفيات هذا الاجراء ؟

أسئلة محيّرة قد تطفو اجاباتها على سطح الأحداث في وقت لاحق مع سقوط القناع عن الجهات الأصلية المتورّطة في التخطيط للاغتيالات السياسية وتنفيذها.