assassination

بقلم عبد السلام هرشي،

كتابنا ما مارسوا التفكير من قرون ..
لم يصلبوا ..لم يقتلوا لم يقفوا على حدود الموت و الجنون ..
كتابنا يحيون في إجازة و خارج التاريخ يسكنون ..

نزار قباني

ما اجمل تلك الكلمات التي ألهم بها نزار قباني ما أحلاها ما أروع رنين قافيتها و ما أمرها حين تكتشف أنه لم يكن على علم حين كتب هذه الكلمات بأن علمائنا يقتلون كل يوم في حوادث السير المصطنعة و في شقق الفنادق. عمق المأساة في قصة إغتيال العلماء العرب يلخص في جانب من جوانبه عمق الإحباط العربي و خجل الإرادة السياسية. يتشح الغيورون بالسواد حزنا على دم علمائنا أرادوا يوما ما أن يكون لنا و لو مخلب صغير نهش به مخالب الذين يكتمون أنفاسنا ثم دفعوا في مقابل ذلك أغلى ما يملكون.

كل حادثة إغتيال تفوح منها رائحة غير مريحة بطلها دائما مجهول أحداثها وراء الكواليس شخوصها بين جواسيس وعلماء و أفاقين و قتلة و مقتولين أساليبها في معظم الأحيان قذرة و ضربها تحت الحزام.

كان أحد تلاميذ العالم الكبير ألبرت أينشتاين و كان أهم مساعديه في نظرية النسبية و كان أول من قام ببحوث لإيجاد مقاييس للفراغ (جيومتري دو ليسباس) و كان كذلك أول من صدح بفكرة إمكانية صنع قنبلة هيدروجينية في العالم دُعيَ من قبل العالم الألماني الأصل ألبرت أينشتاين للاشتراك في إلقاء أبحاث تتعلق بالذرة عام 1945 كأستاذ زائر لمدة عام، ولكنه اعتذر بقوله: “في بلدي جيل يحتاج إلي.”

توفي الدكتور المصري مصطفى مشرفة أو كما يسميه البعض أينشتاين العرب في سنة 1950 و كانت ظروف وفاته غامضة للغاية و إلى اليوم لم يتم حل القضية لكن الذي لا لبس فيه أن الشاي كان مسموما و أنه قتل بفعل فاعل. كذلك أضيف إلى قائمة الضحايا عالم مصري له قلب ريفي و ضمير عربي و وجه عادي و عقل غير عادي. كان واحد من اهم عشرة علماء في العالم في مجال التصميم و التحكم في المفاعلات النووية أشرف في أواخر السبعينات و بداية الثمانينات على المفاعل النووي العراقي تموز و في ماي 1980 تم استدعاء د. المشد لفرنسا للإشراف بنفسه على فحص شحنة اليورانيم أو كما يسميها هو الكعك الأصفر بعد رفضه للشحنة الأخيرة بحجة عدم مطابقتها للمواصفات. وجد الدكتور يحي المشد مقتولا في غرفة رقم 941 بفندق الميريديان بالعاصمة الفرنسية باريس قبل يوم من عودته إلى العراق في 13 جوان 1980 و جمجمته مهشمة. قيدت السلطات الفرنسية القضية ضد مجهول و إلى اليوم لم يكشف عن الجناة لكن الذي لا لبس فيه أن عملية الإغتيال كان وراءها جهاز كامل و متكامل . تنتقل عدوى الموت على يد مجهول هذه المرة إلى لبنان لتعصف بالدكتور حسن كامل الصباح أو كما يحلو للبعض تسميته “أديسون العرب” قتل في 31 مارس 1935 عن عمر يناهز 41 عاما في ما يراد لنا أن نعتقد أنه حاث سيارة عادي. يصل عدد ما إخترعه حسن كامل الصباح من أجهزة و آلات في مجال الهندسة الكهربائية و التلفزة و هندسة الطيران و الطاقة إلى أكثر من 176 إختراعا منها جهاز يحول أجهزة الشمس إلى قوة كهربائية دامغة و جهاز لتفريغ الشحن الكهربائي من الفضاء. و من العلماء البارزين كذلك في العراق الأستاذ الدكتور علاء جاسم الحربي أستاذ التاريخ الحديث و المعاصر في الجامعة المستنصرية و عرف بمقالته اللاذعة و التي تتناول التغلغل الصهيوني في العراق أختطف و أغتيل في 2005. و كالعادة قيدت السلطات العراقية القضية ضد مجهول. في سياق أخر نشرت صحيفة المختصر السعودية تحقيقا بتاريخ 13 ديسمبر 2012 يضم إحصائيات لحجم الاغتيالات التي تعرض لها العلماء العراقيون و حسب التقرير بلغ عدد العلماء العراقيين الذين تم إغتيالهم حوالي 530 عالما عراقيا و 200 أستاذ جامعي و أكاديمي من مختلف الإختصاصات. كل هذه الإغتيالات قيدتها السلطات العراقية ضد مجهول.

بين هذا و ذاك يقع الشارع العربي تحت أسر الآلة الإعلامية هكذا نساعد أعدائنا على ترسيخ نظرية المؤامرة و على إرهاب علمائنا، يراد لنا أن نقتنع أن اليد الطولى للصهاينة تطالنا و لو كنا في بروج مشيدة. الدكتور سميرة موسى، الدكتور سعيد بيدير، المخرج الجزائري محمد بوضياء، الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، الدكتور حمود الجمال، الدكتور سمير نجيب، الدكتور نبيل القليني، الدكتور نبيل فليفل و غيرهم كثيرون، لكن الذي لا شك فيه أن علمائنا ماتوا بفعل فاعل و أن الذين قتلوهم يعرفون أنفسهم و أن الذين ببيدهم عمل شيء ما يعرفون القاتل.

هذا السيل الجارف من الإغتيالات لا يزال متواصلا إلى الآن و يجري على قدم و ساق و آخرها إغتيال النابغة و عالم الذرة المصري الدكتور وديع وهبي جرجس الذي وجد مرميا بجانب شريط القطار بمنطقة الوايلي في 31 جويلية 2012. حالة من العبث و عدم الثقة بالواقع تجتاح العالم العربي. مسلسل درامي من الأحداث أستخدم فيه المسموح و غير المسموح دموي في معظم الأحيان. آلاف الأسئلة تتهاطل علينا من كل حدب و صوب:

لماذا هذا الإهمال لعلمائنا و كبرائنا ؟
لماذا لم يضع حكامنا الأفاضل نصب أعينهم أن لكل دولة أعداء و أعداء العالم العربي كثر؟
لماذا تتجند وزارات الداخلية و أجهزة المخابرات العربية لحماية شخصيات سياسية تبيع الأوهام للمواطن العربي و تسرق رغيفه كل يوم فيما يموت من يؤسسون لمستقبل زاهر لأطفالنا كل يوم في صمت مريب؟
لماذا ترفض الأنظمة العربية الحديث عن شىء ترصد له أفقر الدول ملايين الدولارات ألا وهو أجهزة المخابرات؟

فيما تخطط المخابرات الأجنبية لاغتيال علمائنا تنشغل المخابرات العربية بمعرفة عشاء مواطن عربي أهو ماكارونا باللحم أو من دون لحم..
مع ما يسود العالم العربي من حالة الإحباط المتواصلة ..و في ظل قيادات ما بينها و بين شعوبها ما بين السماء و الأرض، و في ظل ضياع الأرض و شح الزاد و قلة الحيلة و في ظل تراجع ثمن الإنسان العربي و ثمن العالم العربي، و في ظل النوايا الحسنة التي تجتاح العالم العربي يعيش علماء العالم العربي في مصيدة و يظل العالم العربي يتمرغ في حالة من الجهل و التخلف.

في وطن مثل الوطن العربي تحطمت آلته و نضب ماؤء و جف ضرعه و تكالبت عليه الأمم من كل حدب و صوب لا يبقى له سوى سواعد أهله و ما تبقى من عقول علمائه. و يبقى دم يحي المشد و زملائه معتصرا في فجوة علمية مخيفة تتسع كل يوم باتساع رقعة الحصار و الإغتيالات. هكذا يتحول عالم عربي إلى رمز يلخص كثيرا من ملامح الواقع العربي و يستريح على صفحة بيضاء بين دفتي كتاب أسود. و هكذا يطيب لأعداء الأمة أن يلقى بنصف علمائها إلى مزابل الإهمال و يلقى بالنصف الأخر إلى شباك الإرهاب العلمي. ألف رحمة على روح علمائنا الشهداء و ألف تحية لأؤلائك الذين لازالو يقبضون على جمرة الإرادة.