sadok-Chourou-2014-marzouki

بقلم فرحات عثمان،

إن كلمات الصادق شورو التي ادعاها للتاريخ ولنصرة مصير تونس الديمقراطية لهي في خدمة تاريخ محنط لا يخدم لا تونس ولا الديمقراطية ولا الإسلام خاصة بها.

والمعروف عن السيد شورو أنه مما يسمى بالصقور بالحزب الإسلامي؛ وها هو يبين عن ذلك في هذه الرسالة التي لا تدعي الأخد بكلمة الحق إلا لقول الباطل.

فحسب صقر النهضة، تمر تونس بفترة حاسمة من تاريخها ترسم مصيرها لا محالة؛ إلا أنه يجعل طبيعة هذا المصير بين أيدي مرشح للرئاسة دون آخر رغم أن هذا المرشح أثبت فشله طيلة السنوات المنقضية منذ الثورة في العمل لطالح البلاد إذ لم يخدم إلا غروره وتعلقه الجامح بالحكم دون التردد في العبث بمصالح البلاد.

ثم إنه من الدجل جعل مصير الشعب التونسي بين أيدي رجل، أيا كان، لأن مصير تونس اليوم بين أيدي أبنائها ولا أحد غيرهم حيث تغير حالها ولم يعد كما كان فاندثر بلا رجعة.

أما أسطورة عودة النظام القديم بسبب أن البعض من كفاءاتها نجحوا في الانتخابات التشريعية، فهي من الفزاعات التي لا مفعول لها على فطنة شعبنا الواعي.

فلقد أظهر مدى وعيه عندما عاقب في الانتخابات التشريعية كل من كان في الحكم يعيث في البلاد فسادا باسم الثورة وما كان منها؛ ومنهم حزب الرئيس المتخلي الذي يتصرف كالدكتاتور الذي سبقه بقرطاج بما أنه لا يريد مغادرة القصر وكأنه يبتغي الرئاسة مدى الحياة !

دور النهضة حسب الشعب

هذا، ولأن لم يعاقب الشعب حزب النهضة كما عاقب حلافائه، مانحا إياه الفرصة للبقاء على الساحة السياسية، فذلك لما ينتظر من خيار سياسي واقعي منه يغلب فيه مصلحة البلاد على مصلحته الأنانية.

إن الشعب التونسي لا يريد من النهضة دعم من حكم وفشل في السنين الماضية، بل يرى الحكمة منها في الوقوف مع من يمكنه اليوم الإتيان بالإضافة في نطاق حوكمة رشيدة تُبقي للإسلام السياسي حظوظه للنجاح بتونس لاحقا.

فلا شك أن أي دعم من الحزب الإسلامي لبقاء الرئيس الحالي بقرطاج هو الدعم لا لمطامح الشعب في الحريات، إذ داسها القابع بقرطاج طيلة رئاسته، ولا لمصلحة تونس في الأمن والسلام، وقد نافح عمن ناور ضد أمن البلاد واستقرارها. بل هو الدعم لمصالح شخصية ضيقة لا تسمن البلاد من جوع ولا تنقذها من براثن الإرهاب الذي يهدد بالانتشار فيها كالنار في الهشيم.

إن مآسي ما قبل الثورة لن تعود إلى تونس إلا إذا لم تعرف النهضة اليوم أن مصلحتها ومصلحة الإسلام تقتضي أن تستقر البلاد فترة من الزمن، وذلك بأن تتناغم الرئاسة مع الحكومة لأجل الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة.

تلك هي الوصفة الوحيدة التي تحافظ على حظوط الحزب الإسلامي في استعادة صحته على قاعدة سليمة وذلك باستغلال الوقت الذي يتيحه له تواجده الآمن بالمعارضة للمزيد من تطوير قراءته للإسلام حتى يكون بحق الإسلام التنويري الذي نريده لتونس لا الإسلام الظلامي الداعشي الذي يريد البعض استيراده ببلادنا.

إن الدكتاتورية الفاحشة ولت بلا رجعة نظرا لما أبداه التونسي من وعي ونضج مع تمسك بحقوقه وتطلع لحريات جديدة متجددة. فمن لا حديث له إلا عن عودتها ليس إلا كاذب أو به اختلال عقلي. فهو إما يرى شبح الماضي أمامه وليس هو إلا في مخيلته، أو أنه يدعي رؤيته لأخافة أناس لم تعد تخاف من أي شيء، أو لإحياء هذه الديكتاتورية بنفسه في قالب آخر، فلا يهمه لذلك أمر البلد وسلامته؛ ولعل هذه الغاية هي الأصح.

كلمات في قالب رغبات

إن الكلمات الثلاث التي زعم صادق شورو قولها للتاريخ لهي مجرد رغبات ثلاث في تزوير التاريخ ومنعه من المضي قدما لصالح تونس والإسلام الديمقراطي بها.

فرغبته الأولى في حق البلاد هي التفويت على الإسلام السياسي فرصة النجاح بها بعد أن ينجح في التدليل على أخذه بالديمقراطية وحقوق الإنسان بكل ما فيها من احترام للذات البشرية وللغيرية بلا تقليص ولا مخاتلة.

أما رغبته الثانية في حق النهضة فهي في الدفع بحزبه إلى الوراء تجاهلا لكل ما أتى به من تطور للبقاء على الساحة التونسية لا كمجرد حركة ثانوية، بل كتيار فاعل ونموذج حضاري من شأنه إعادة ما ضاع للإسلام من رونق عندما كان حضارة عالمية وثقافية عليمة. لئن يؤدي ذلك إلى شرخ داخل الحركة، فليس هو إلا تباشير النمو التي لا بد منها حيث يفقد البالغ المحنك كل ما ميزه كطفل غر وكمراهق غرير. إن تقوى الله هي رعاية حقوقه وهي تقتضي العمل على أن يستعيد الإسلام ما ميّزه في فترة أوج حضارته من سماحة وتسامح، لا ما عكّر صفوه من تعجرف وتزمت تزامن مع انحطاطه ورسب من ضياع لب لبابه.

فلا خيار لقادة النهضة وقاعدتها إلا المضي قدما في دعم المرشح الذي من شأن دخوله إلى قرطاج تدعيم حظوظ حزب النهضة في العمل معه على إصلاح البلاد تحت ظلال الإسلام الوارفة في نطاق توافق تام بين الرئاسة والحكومة ومجلس نواب الشعب حتى تستكمل البلاد مؤسساتها بالاستحقاقات الانتخابية الجهوية والمحلية والاصلاح الضروري للمنظومة القانونية للعهد البائد الذي لم تجرؤ حكومات التوريكا على إبطالها.

أما الرغبة الثالثة للسيد شورو، الذي لم يقبل إلا مكرها دستور تونس الجديد ولا يزال يعمل على إجهاضه، فهي التغرير بالشعب بدفعه للأخذ بعهود من لم يوف بعهوده طيلة رئاسته، هذا الذي ليست وعوده إلا شعارات جوفاء غايتها البقاء بالحكم لا خدمة الشعب.

مصير الشعب بين يديه وحده

لقد استعاد شعب تونس حريته وكرامته فلا يبتزها منه أحد، إذ هما بين يديه لا بين يدي أحد غيره من شأنه أن يعيده إلى الذل والمهانة أو يمنعه منها. فقد حصلت المناعة للشعب منهما بفضل انقلابه على الديكتاتورية البغيضة ولم تعد تونس في قبضة أسياد ولو تلقبوا بألقاب سلطنة في غير موضعها، إذ الشعب سيد نفسه اليوم في زمن الجماهير، وكل من ادعى سيادته ليس إلا كالقط يروي انتفاخا صولة الأسد.

إن هذا لهو ما يضمن حقا دوام خيار الحرية والكرامة والعيش الكريم للتونسي ببلده إذا استعاد أمنه وعرف الإسلام به كيف يستعيد ما كان ميزته الكبار في بدايته من حس ديمقراطي ونفس ثوري ووازع أخلاقي.

ولقد كان ذلك عملا بروح نصه ومقاصده لا بحرف جاء متناغما ضرورة مع مقتضيات كل عصر بما أنه الدين العلمي العالمي، خاتم الرسائل الإلاهية.