Gaz-schisteTunisie

بقلم محمد سميح الباجي عكّاز،

الجدل حول الغاز الصخري (الشيست) لم يعد يقتصر على كندا والولايات المتحدّة الأمريكيّة وغيرها من الدول الأوروبيّة التي تمّ فيها اكتشاف مخزونات من هذا الغاز، إذ تحول إلى جدل «مغاربي». ففي الجزائر وتونس والمغرب، تصرّ الحكومات على المضيّ قدما في عمليات التنقيب والتحضير لإنتاج هذا الصنف من المحروقات وسط مخاوف من المخاطر المحتملة وممانعة مكوّنات المجتمع المدني.

المجتمع المدني في مختلف تلك الدول لم يقف مكتوف الأيدي إزاء نوايا الحكومات التونسية والجزائرية والمغربيّة لتتجاوز الجمعيات ومكونات المجتمع المدني مرحلة الانتقادات إلى النزول إلى الشارع وخوض مواجهات مباشرة لإيقاف عمليات التنقيب التي تكفّلت بها الشركات البترولية الأجنبية على غرار شركة شال العالمية.

تحرّكات المجتمع المدني ضدّ نوايا الحكومات المغاربيّة لاستخراج الغاز الصخري

تونس

مسألة استخراج الغاز الصخري أو “غاز الشيست” لم تكن وليدة ما بعد 14 جانفي، ولكنّ التغيير الحاصل بعد هذا التاريخ أنّ المسالة طُرحت للنقاش بجديّة حول المخاطر البيئيّة المتعلّقة بهذه الثروة الباطنيّة وما قد تعود به من وبال على البلاد.

لقد انطلق البحث عن غاز الشيست في تونس فعليا سنة 2008 ثم التنقيب والاستكشاف بداية من سنة 2010 من قبل شركة “بيرنكو” الكندية والغريب في الأمر أن كندا تعتبر من البلدان المناهضة للتنقيب عن هذا النوع من الغاز على أراضيها.
وفي سنة 2012 و بعد قرار وزارة الصناعة منح رخصة لشركة شال للتنقيب عن غاز الشيست في ولاية القيروان تحرك المجتمع المدني للتنديد والإحتجاج ورفض ذلك القرار المشبوه باستخراج الغاز الصخري. وقد تراجعت حكومة النهضة في السابق عن هذا القرار أو بالأحرى تمّ غضّ النظر عنه وقتيّا إلى حين حسم الخلاقات السياسيّة ومسألة الحكم في المرحلة القادمة بعد التحرّكات العديدة التي قام بها المجتمع المدني في تونس العاصمة وعديد الجهات المعنيّة كأهالي منطقة “أولاد نصير” في ولاية القيروان ضدّ مثل هذه الخطوة.

ورغم هذه المخاطر التّي يتحدّث عنها الخبراء، ورغم الحراك الإجتماعيّ والبيئيّ ضدّ عمليات استخراج واستغلال هذا الصنف من الغاز، إلاّ أنّ رئيس الحكومة “التوافقيّة” مهدي جمعة أعلن نهاية شهر سبتمبر الماضي أنّ حكومته ماضية في عمليّة استخراج واستغلال غاز الشيست، وأنّه أعطى الضوء الأخضر باستكمال الدراسات اللازمة حول إمكانية استغلال هذه الثروة الباطنيّة.

خلال الأشهر الأخيرة طغت على الساحة مسألة الإنتخابات ومن بعدها الحوادث الإرهابيّة التي كان آخرها في متحف باردو، مما أدّى إلى تراجع الاهتمام الشعبيّ والإعلامي تجاه موضوع استخراج غاز الشيست في تونس، كما خفتت أصوات الجمعيات والمنظّمات المدنية التي كانت تهتم بهذه القضيّة. ولكنّ الأزمة الاقتصاديّة التي تتفاقم يوما بعد يوم ستدفع الحكومة الجديدة بلا شكّ إلى إعادة طرح هذه القضيّة حين تتحوّل الغاز الصخري إلى البيضة الذهبيّة التي ستنقذ البلاد من وضعيتها الاقتصاديّة المتدهورة ما تروّج لذلك الجهات الرسميّة.

الجزائر

كشف المجمّع النفطي الجزائريّ “سونطراك” في نهاية سنة 2014 أن مخزونات الجزائر من غاز الشيست تناهز 700 ترليون قدم مكعبة أي ما يعادل 4 مرات من مخزونها من الغاز الطبيعي التقليدي الحالي ليعلن في الوقت ذاته أنّ عمليات التنقيب والإستغلال ستبدأ خلال السنة القادمة بغضّ النظر عن الإعتراضات التي أبداها نوّاب المعارضة بخصوص هذه المسألة. هذا وتعوّل الجزائر في اقتصادها منذ الاستقلال على صادرات المحروقات التي تبلغ 90 بالمائة من إجمالي الصادرات.

الشركة الوطنية للبترول في الجزائر فعّلت سياستها القاضية باستخراج الغاز الصخري على أرض الواقع، إذ أبرمت اتفاقيات شراكة مع المجمع الانكليزي الهولندي شال (SCHELL) والمجمع الايطالي ايني (ENI) والمجمع الكندي طاليسمان (TALISMAN) للنظر في استخراج غاز الشيست من الأراضي الجزائرية. وقد تم حفر أولى آبار غاز الشيست في الجزائر سنة 2011 في حوض «أهنات» قرب منطقة «تمرناست» بأقصى الجنوب الجزائري.

في المقابل، طالب نشطاء في المجتمع المدني و المنظمات البيئية باستفتاء شعبي حول الموضوع لأهميته و تأثيراتها البيئية الخطيرة حتى على الأجيال القادمة، وتمّ إنشاء صفحات في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، للتعبير عن الرفض للنوايا الحكوميّة بخصوص هذه المسألة.

non-gaz-shiste-algerie

مقاومة المجتمع المدني وأهالي المناطق المستهدفة بعمليات التنقيب تجاوزت مجرّد البيانات والنشاطات الإعلامية لتتحوّل إلى احتجاجات عنيفة في الشارع قابلها الأمن الجزائريّ بعنف. حيث يحاول نشطاء في العاصمة الجزائريّة كسر الحصار الأمني على تحرّكاتهم والقيام بتحرّكات يوميّة للتعبير عن رفضهم لاستخراج الغاز الصخريّ كان آخرها في أوائل شهر فيفري الفارط،

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=pn1zg8uchS4&w=640&h=360]

بينما ما تزال المواجهات تزداد عنفا منذ 28 فيفري في مدينة عين صالح الواقعة في جنوب الجزائر أين انطلقت أولى عمليات التنقيب عن الغاز الصخري.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=rBfmpQSL9pY&w=640&h=360]

وبحسب مواقع اخبارية ونشطاء مدنيين، وقعت المواجهات قرب موقع الغاز التابع لشركة النفط الأمريكية “هاليبرتون”، على بعد 10 كيلومترات شمال عين صالح، وهو الموقع الثاني للحفر والتنقيب عن الغاز الصخري في المنطقة.

schiste2

المغرب

رغم أنّ مسألة غاز الشيست في المغرب ما زالت قيد الدرس، إلاّ أنّ تحرّكات المجتمع المدنيّ بدأت مبكّرا للتصدّي لأيّ نوايا حكوميّة للإقدام على استغلال هذا النوع من المحروقات خصوصا بعد أن أعلنت وزارة الصناعة المغربية في الدورة الثامنة للمنتدى الطاقي المتوسطي المنعقد السنة الماضية بمراكش، عن وجود احتياطي من غاز «الشيست» في المغرب يزيد عن 50 مليار برميل، وهو ما يبوّأ المغرب الرتبة السادسة عالميا في هذا المجال، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والبرازيل، والجزائر وإيطاليا.

المجتمع المدني المغربي حاول التحرّك بسرعة في ظلّ السعي الحكومي إلى تسريع الدراسات وأعمال التنقيب عن الغاز الصخري للدخول في مرحلة الإنتاج الفعلي، حيث عمدت منذ السنة الفارطة مجموعة من ممثلي فعاليات المجتمع المدني كفضاء التضامن والتعاون للجهة الشرقية والتجمع البيئي لشمال المغرب والتنسيقية الوطنية لمناهضة غاز الشيست وأحزاب بيئية إلى تنظيم وقفات احتجاجية دوريّة أمام البرلمان، لمناهضة استغلال غاز الشيست بالمغرب، تساندتها عدة شبكات اجتماعية وعدد من النواب البرلمانيين والأساتذة الجامعيين.

غاز الشيست: الثروة المنبوذة

في الوقت الذي رفضت فرنسا إسناد 7 رخص للتنقيب عن غاز الشيست ومن بعدها بعض المقاطعات الكندية، ما زال القرار السياسي في دول المغرب العربي يتأرجح بين الموافقة وعدم الموافقة، تذبذب سياسي واضح في ملف يعده خبراء ومختصون في مجالي البيئة والطاقة من أخطر الملفات المطروحة التي تتعلّق بمستقبل الأجيال القادمة وسلامة الأوطان .

ولكنّ الاحتجاجات التي قام بها ناشطون من المجتمع المدني في مجال البيئة وخبراء مختصون في الطاقة ونواب للتنديد بسياسة الحكومات المغاربيّة فيما يتعلق بالتفكير في إسناد رخصة تنقيب عن الغاز الصخري لم تنجح في دفعها للحسم فيه حتى هذا اليوم.

فما هي أبرز المخاطر التي يمثّلها الغاز الصخريّ؟

تناولت نواة في مقالات عديدة الأخطار البيئيّة الناجمة عن استخراج غاز الشيست. والتي من أهمّها:

● الضّغط على موارد الماء : تُستخدم في عمليّة التّكسير كمّيّات تتراوح بين 4 و28 ألف متر مكعّب تفوق ما كان يُستخدم في عمليّات شبيهة في الحقول التّقليديّة (لتعدّد الشّقوق المحدثة)، والحال أنّ الموارد المائيّة لبلدان المغرب العربي محدودة.

● تلويث المائدة المائيّة : أُشيرَ إلى تسرّب الموادّ الكيميائيّة السّامّة المحتواة في مياه التّكسير إلى الموائد المائيّة، وتلويثها.

● تلويث السّطح بالمياه المرتجعة والمنتَجة والكيمياويّات : يعود جزء من الماء المضخوخ إلى السّطح بعد عمليّة التّكسير، وفيما بعد تنتج الآبار مع الغاز مياها عالية الملوحة (لعمق مصدرها) تحمل معها الموادّ الّتي مُزجت بها مياه التّكسير فضلا عن تلوّثها بالموادّ الهيدروكربونيّة، تتسبّب أحيانا في تلويث السّطح، لعجز محطّات التّنقية عن معالجتها أو بسبب حوادث طفح الماء أو تسرّبه من حوض التّبخير. وقد تراق عند نقل الكيمياويّات إلى الموقع أو تناولها عليه كمّيّات منها على الأرض.

● انبعاث الميثان وملوّثات أخرى :يتسرّب غاز الميثان من البئر فيلوّث هو أيضا المياه الجوفيّة. ويُظهر الفلم مشهدا مثيرا لماء يسيل من حنفيّة فإن قرّب أحد منه ولاّعة مشتعلة اتّقد الغاز المصاحب له.

● تلويث الهواء : يُنتج الغاز من الآبار ويعالَج في منشآت على الحقل فيُفصل منه الماء والمكثّفات وغازات البترول المسالة، وتُنقل في أنابيب أو في شاحنات. وتتسبّب تلك العمليّات، وآلات ضخّ مياه التّكسير الّتي تشتغل عادة بمحروقات، في انبعاث غازات سامّة إلى الهواء (الميثان، ثاني أـكسيد الكربون، أكسيد النّيتروجين).

● زيادة النّشاط الزّلزاليّ بسبب إعادة ضخّ مياه الإنتاج : يرتاب بعض الباحثين في أنّ زيادة في عدد الزّلازل الصّغيرة المسجّلة في بعض المناطق تعود إلى عمليّات التّكسير أو إلى حقن المياه المنتجة في جوف الأرض للتّخلّص منها كما في الحقول التّقليديّة.
عمار الجلاصي، ملاحظات حول قضيّة غاز الطَّفل في تونس.

بخلاف المخاطر البيئيّة المتعلّقة بالغاز الصخريّ، فإنّ المحاولات الحكوميّة لتمرير صفقات التنقيب والرخص للشركات الأجنبية تثير الكثير من الريبة خصوصا وأنّ أغلبها تكون لا دستوريّة عبر السعي للالتفاف على القنوات القانونيّة وتجاهل الأحكام الدستوريّة، خصوصا في المغرب وتونس، والتي تفرض المرور عبر مجلس نواب الشعب للمصادقة على مثل هذه القرارات التي لا تتعلّق بمرحلة سياسيّة عابرة بل ترتبط بمستقبل الأجيال القادمة وحقّها في بيئة سليمة. هذه إلى جانب تهميش المسألة البيئيّة و غياب الوعي البيئي مما يصعّب عمل بعض الجمعيات ومكونات المجتمع المدني التي تجد نفسها شبه معزولة أمام ضغط حكومي متزايد وشركات كبرى تعدّ العدّة لاستثمار هذه الثروة المنبوذة على حساب الشعوب.